قبل أسابيع من حلول عيد الأضحى، تبرز مجددا في طنجة إشكالية لا ترتبط بوفرة القطيع الوطني وحدها، بل بغياب سوق قار للماشية في مدينة يبلغ عدد سكانها مليونا و275 ألف نسمة، وفق النتائج الرسمية للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024. ويضع هذا الفراغ التنظيمي المدينة أمام نمط تدبير موسمي لنشاط تجاري وصحي ولوجستي معقد، يعتمد على تجهيز فضاءات مؤقتة لاستقبال الماشية والباعة والمستهلكين خلال فترة قصيرة ومكثفة. وخلال الموسم السابق، تمت تعبئة وعاء عقاري تفوق مساحته أربعة هكتارات بمنطقة الحراريين لتأطير عمليات بيع الأضاحي. غير أن هذا الإجراء، رغم دوره في امتصاص جزء من الضغط الظرفي، لا يعوض غياب مرفق دائم مدمج في البنية التجارية واللوجستية والصحية للمدينة. وتكشف الوثائق التقنية الخاصة بتنظيم الأسواق المؤقتة حجم المتطلبات التي يفرضها هذا النشاط. فالدليل العملي الحكومي المخصص لهذه الأسواق ينص على معايير تشمل تخصيص مساحة لا تقل عن هكتار للسوق المتوسط، وإقامة سياج، وتأمين مداخل ومخارج مستقلة، وتوفير نقاط للماء، وإرساء نظام لتدبير النفايات. كما يحدد الدليل الطاقة الاستيعابية على أساس 1,3 متر مربع لكل رأس ماشية وأربعة أمتار مربعة لكل زائر، ما يجعل السوق المؤقت بنية تشغيلية معقدة، لا مجرد فضاء مفتوح لعرض الأغنام. وتتجلى هشاشة هذا النموذج في تنامي البيع الموازي قبل الافتتاح الرسمي للفضاءات المنظمة أو بمحاذاتها. إذ تنتقل أجزاء من المعاملات إلى مستودعات ومرائب ومحلات أرضية داخل الأحياء السكنية، في نمط تمنعه المذكرات التنظيمية لما يطرحه من صعوبات على مستوى التنظيم والمراقبة داخل المجال الحضري. ولا يقتصر أثر هذا الوضع على حركة البيع. فالأضاحي تدخل في سلسلة مراقبة صحية تتطلب تتبع مصدر القطيع وشروط نقله وعرضه. ويشترط لولوج الأسواق أن تكون الحيوانات المعنية مرقمة بحلقات بلاستيكية صفراء تتيح تحديد مسارها، غير أن تشتت نقاط البيع في فضاءات غير مرخصة يضيق هامش المراقبة البيطرية ويصعب ضبط المصدر. وتفيد إحصائيات وزارة الفلاحة لسنة 2025 بتسجيل 32 مليونا و832 ألفا و573 رأسا من الماشية على المستوى الوطني، بينها 23 مليونا و158 ألفا و248 رأسا من الأغنام، وسبعة ملايين و474 ألفا و172 رأسا من الماعز. وتبرز هذه الأرقام أن الإشكال المحلي لا يتعلق فقط بحجم العرض، بل بقنوات التسويق القارة داخل مدينة كبرى. وتعكس الوثائق المحاسبية لجماعة طنجة جانبا من هذا الوضع. فقد سجلت ميزانية السنة المالية 2023 مداخيل "واجبات أسواق البهائم" في حدود صفر درهم، مقابل 100 ألف درهم من واجبات الوقوف والدخول إلى الأسواق الأسبوعية، وأربعة ملايين درهم من ساحات البيع العمومي الأخرى. ولا يكفي هذا المؤشر وحده للحكم على حجم النشاط، لكنه يبرز ضعف تموقع تجارة الماشية كمرفق قار ضمن البنية المالية العادية للمدينة، رغم حضورها الموسمي القوي خلال عيد الأضحى. وبين فضاءات مؤقتة تُجهز كل سنة، ونقاط بيع موازية تظهر داخل الأحياء، يكشف موسم الأضحى في طنجة محدودية تدبير قطاع متكرر بمنطق الوعاء العقاري الظرفي. فغياب سوق قار لا يلغي نشاط بيع الأضاحي، لكنه يجعله أقل انتظاما، وأكثر كلفة من حيث التنظيم والمراقبة وتدبير الضغط داخل مدينة تواصل التوسع عمرانيا وسكانيا.