بوريطة يبرز بمالابو الرؤية الملكية لتعاون جنوب–جنوب قائم على الشراكة والتضامن    الجمعية الوطنية للأعمال الاجتماعية لموظفي قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني    كييتا تدعو إلى تحقيق السيادة الرقمية    10 ملايين زائر لمتحف السيرة النبوية    صراع المغرب وإسبانيا على المواهب.. بيتارش يختار "لا روخا"    أخنوش لبرلمانيي الأحرار: رهان المرحلة هو كسب معركة التواصل حول المنجز الحكومي    الثانوية التقنية ابن سليمان الرسموكي بتيزنيت في j-60..قيادة ومحاكاة في العد التنازلي لباكالوريا النجاح والتميز    كنفاوي يقف بإقليم الحسيمة على إنتاج وتسويق ألواح "الدلاحية"    إصدار جديد للأستاذ إبراهيم بوغضن في أصول الفقه السياسي عند الغزالي.    السنغال تحتفي بالكأس في باريس    تظاهرات واسعة النطاق ضد ترامب    تسجيل انتعاش سياحي بطنجة خلال يناير 2026    إسبانيا تغيّر الساعة مجددًا رغم انتقادات سانشيز.. جدل متواصل حول جدوى التوقيت الصيفي    جثة شخص بالقرب من مؤسسة تعليمية تستنفر شرطة القصر الكبير    تلفزيون المنار: مقتل 3 صحفيين في غارة إسرائيلية على لبنان    أخنوش: رئاسة عكاشة للفريق النيابي تعزز رهان "الأحرار" على التمكين السياسي للمناضلين الشباب    رأي: منطق الطرد كعنوان لأزمة أعمق داخل الحزب    "ميتا" تعتزم إطلاق نظارات ذكية جديدة لمستخدمي العدسات الطبية    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الأحد    التعاون العلمي المغربي الاوربي : تمديد المشاركة في برنامج "PRIMA    حملة طبية تعتني ب"الأسرة الأمنية"    انسحاب "بوبا" من عرض ودية السنغال والبيرو.. وتصعيد قانوني مغربي يواكب المباراة    بحضور الوزير بركة.. تكريم أبطال مواجهة تداعيات الاضطرابات الجوية الأخيرة بجهة الشمال        المغرب يساند مرصد الاتصال بالنيجر    لاعبو إيران يحيّون ذكرى ضحايا غارة جوية على مدرسة    تعادل بطعم الدروس.. وهبي يضع النقاط على الحروف بعد لقاء الإكوادور    المستشار الجماعي محمد الغرباوي يدعو إلى نزع ملكية فندق 'مرحبا' بالجديدة وإدراجه ضمن أولويات المجلس    دعوات لتعميم قرار منع الشواء بمحلات الجزارة على جميع أحياء الجديدة    كبيرة حولتها إيران صغيرة    بعد أن بلغت أسعار اللحوم الحمراء 130 درهما..مساءلة وزير الفلاحة عن أسباب الغلاء رغم الدعم الموجه "للكسابة"    وزارة_الأوقاف توضح مآل المساجد المغلقة بإقليم الجديدة وتكشف تفاصيل برنامج التأهيل .        ماكي سال يبتعد عن خلافة غوتيريش    "فدرالية اليسار": ملايير الدعم لا تنعكس على الأسعار بل تذهب لحسابات الوسطاء والمضاربين    غارات إسرائيل تتوسع بجنوب لبنان    معزوز: من التخطيط إلى التنفيذ .. الأرقام تكشف تطور جهة الدار البيضاء سطات    إقصاء المصدّرين نحو السوق الإفريقية من دعم مصدري الطماطم يثير جدلا حول خلفيات القرار    كلوب عن صلاح: من أفضل اللاعبين في تاريخ ليفربول وسفير رائع لبلاده    حكيمي: "المنتخب المغربي في مرحلة انتقالية وعلينا الاستعداد جيدا لبلوغ أفضل جاهزية للمونديال"    الحوثيون يعلنون استهداف مواقع عسكرية إسرائيلية بصواريخ لأول مرة منذ بدء الحرب في الشرق الأوسط    الأرجنتين تهزم موريتانيا دون إقناع    وهبي يبدأ رحلة "الأسود" بتعادل باهت أمام الإكوادور وإشارات مقلقة رغم تفادي السقوط    تافراوت تحتفي بكنزها الطبيعي: انطلاق الدورة 13 لمهرجان اللوز في أبريل المقبل    من العتمة إلى الحب .. التشكيل كخلاص أنطولوجي    التأق أو الحساسية المفرطة في المغرب.. غياب قلم الأدرينالين مسألة حياة أو موت    عودة النقاش الاستراتيجي في المغرب؟ 3/2 الاتفاق الثلاثي المغربي الاسرائيلي الأمريكي: كيف نفكر تحت النيران؟    تطوان تحتفي باليوم العالمي للشعر وتكرم العياشي أبو الشتاء في "ربيع الشعر"    ربيع الجاكاراندا للمسرح المتوسطي يزهر في رياض السلطان    الفنان جمال الغيواني يصدر أربعة أغاني جديدة    شَغَبُ المَاءْ    أسَابِيع الحرْب والنَّجِيعْ    جهة الدارالبيضاء سطات تحتضن ربع الحالات المسجلة وطنيا .. نحو 34 ألف حالة سل في 2025 والمعدل الوطني للإصابة يرتفع إلى 91 حالة لكل 100 ألف نسمة    الطالبة الباحثة حنان خالدي تناقش أطروحة الدكتوراه في مجال التغذية والبيوكيميا    دراسة: الطعام فائق المعالجة يقلص خصوبة المرأة    هل يستبيح ديننا آلامنا؟    مواقف يتامى إيران في المغرب تثير أكثر من تساؤل    وزارة الأوقاف تكشف عن مضمون خطبة العيد الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المُخرج السينمائي جون بورمن(a)
نشر في الفوانيس السينمائية يوم 23 - 08 - 2009

(كلّما تعلمّت أكثر كلّما قلّت معرفتي)! (كلمة المؤلف)
على الرغم من أنني لم ألتق المخرج البريطاني جون بورمن من قبل إلا أن الممثلين الذين عملوا معه إتفقوا جميعاً على رأي واحد هو أنه الأكثر ألفة ووداً بين جميع من عملوا معهم
من المخرجين، وهو حقاً كذلك، فهو يشعرك حالاً بالراحة والإطمئنان. يبدو بورمن هادئاً بوضوح إلا أنك تحس مع ذلك أن بمقدوره التعامل مع أي وضع مهما كانت صعوبته برفع الكتفين وإبتسامة.
لقد إلتقيت به عام 1998 إبان ظهور فيلمه "الجنرال"، وحين حاولت تهنئته على الفيلم خشيت أن يفسر ذلك بطريقة مخطوئة. قلت له: "لو أنني لم أقرأ إسمه في التايتل لظننت أن الفيلم معمول من قبل شاب لايتجاوز عمره العشرين عاماً". بدا مرتبكاً لهذا التعليق. إن ماكنت أعنيه في الواقع هو أنني دهشت حقاً أنه بعد كل هذه السنوات الطويلة من عمله كمخرج سينمائي إلا أنه مازال يُبدي حيوية لعمل فيلم مبتكر ومتجّدد.
بدأ جون برومن عمله كمخرج عام 1965 وقد حاول دائماً، وفي بعض الأحيان دون نجاح، وهذه حقيقة، أن يستكشف كل أساليب السينما، بدئاً من فيلمه التجريبي (Point Blank) إلى ملحمته الأوبرالية المنقحة (Excalibur). وبفضل تلك المحادثة التي جرت بيننا بدأت أدرك الآن السبب الذي جعل من نسخته تلك "أسطورة آرثرية" بطريقة ما أكثر غموضاً وأكثر إمتاعاً وتشويقاً من كل التأويلات السينمائية الأخرى.
لقد تمشينا حوالي الساعة تقريباً أحسست فيها أنه كان مستمتعاً وهو يشرح لي بجدية وإنتباه كبيرين الموضوع الرئيسي لعمله، إلا أنه تجهّم فجأة في نهاية اللقاء وقال:"إنتظر إنتظر لحظة. لقد سرقت كل أسراري الصغيرة". بعدها رفع كتفيه وإبتسم متمنياً لي حظاً سعيداً.

***
(النظرية ممتعة وشيقة فقط حين تكون في موضع التطبيق)
لقد تعلمّت الإخراج السينمائي بطريقة طبيعية وتلقائية جداً. لقد إبتدأت ناقداً سينمائياً وأنا في سن الثامنة عشر، أستعرض أفلاماً وأكتب عنها نقداً للصحف، بعدها حصلت على عمل كمونتير متدرب، ومن ثم عملت كمونتير، وأخيراً بدأت أخرج أفلاماً وثائقية لمحطة BBC، وبعد حين أصبحت غير مقتنع بالأفلام الوثائقية وبدأت أعالجها بطريقة أجعل منها أكثر درامية لحين صرت أخرج أعمالاً درامية للتلفزيون وبالتالي للسينما. لهذا السبب أقول، أن تعلمي لهذا الفن كان طبيعياً وتلقائياً حقاً، وماساعدني في كل ذلك هو أنني أخرجت أفلاماً وثائقية كثيرة جداً إستطاعت أن تسلحني بالخبرة والإلمام بأسرار هذه المهنة فضلاً عن أنها منحتني الحرية وكل ذلك قد حدث ضمن مجرى عملية الإخراج ذاتها.
أما الجانب التقني فلم يكن يثير قلقي ومخاوفي مطلقاً، وهذا الشعور كان يتملكني حتى قبل أن أصّور فيلمي الأول. ولم ولن أدخل في تعارض وإشكال مع هذا الموضوع.
أنا أعرف أن الكثير من المخرجين السينمائيين اليوم يذهبون للتدريس في معاهد السينما، لكنني مع ذلك غير مؤمن بهكذا طريقة، لأنني أعتقد أن الإخراج السينمائي هو مهمة تطبيقية أساساً، على الرغم من أن قضية التعليم في المعاهد السينمائية كما أظن كانت
وماتزال هي الطريقة المعمول بها أكثر دائماً. ماأردت قوله بإيجاز، هو أن النظرية شيقة وممتعة بلا شك لكنها ممتعة وشيقة فقط حين تكون في موضع التطبيق، ولقد عرفت من خلال تجربتي مع طلبة السينما مثلاً أنهم غير عمليين تماماً، لاسيما حين يتعلق الأمر بالجانب البراغماتي لفن الإخراج السينمائي. ومع ذلك ساعدت الكثير من المخرجين الشباب في عمل أفلامهم الأولى. فلقد أنتجت
على سبيل المثال الفيلم الأول لنيل جوردان Neil Jordan الذي هو في الواقع عملية تعليمية.
حين تقوم بتهيئة وتحضير فيلم مع مخرج شاب تجد أن الشيء الأكثر أهمية لتعليمه، والذي غالباً مايفشل في تحقيقها حتى المخرجين ذوي الخبرة والممارسة، هو كيفية معرفة قياس زمن الفيلم المكتوب في السيناريو التنفيذي قبل مرحلة التصوير. اليوم نرى الكثير من المخرجين يبدأون عملهم بفيلم طويل جداً، وفي النهاية، إذا كان طول التقطيع الأولي لنسخة الفيلم ثلاث ساعات مثلاً وكان عليك أن تقلل من ذلك الطول ليصبح ساعتان مثلاً فهذا يعني أن ثلث الوقت الذي أنفقته في تصوير الفيلم قد ذهب سدىً، لأنك أنفقته في تصوير مشاهد لم تستخدمها في الفيلم.
مهم دائماً بالطبع أن تصّور مشاهد أكثر بقليل مما هو مدوّن في السيناريو التنفيذي حيث يمكنك أن تحذفها فيما بعد أو تقطعها أو تقصرها في مرحلة المونتاج أو حتى تحذفها نهائياً إذا لم تمنتج. لكنك في كل الأحوال كنت تكذب على نفسك لأنك كنت غير صادق في زعمك معرفة كم سيكون طول الفيلم ولأنك غير قادر على أن تتحمل العودة الى السكربت ثانية وعمل تضحيات.
لعمل ذلك بطريقة صائبة وسليمة، هو أن تقوم بجدولة وتنظيم لقطات الفيلم. فلفترض مثلاً أن لدينا مشهداً هو بحاجة لأربع عشرة لقطة؟ حسناً، هذا يعني أن لدي يومان للتصوير. لكن، هل أن هذا المشهد يستحق ليومين تصوير حقاً؟. إذا كانت الإجابة سلباً عندئذ ماعليك سوى إعادة كتابة المشهد من جديد أو حذفه أصلاً.
بهذه الطريقة تكون قد أخذت بعين الإعتبار الموارد المالية التي تنفقها على الفيلم وكذلك الوقت الذي تهدره والجُهد المخصص لكل مشهد..إلخ.. عندذاك فقط يمكنك الحكم، هل إن ذلك له تلك الأهمية أم لا.
(الفيلم هو عملية إستكشاف)
الإخراج هو عملية تكاد تكون على مقربة من عملية الكتابة حقاً، وكل المخرجين تقريباً يحبذون الكتابة أو المشاركة في كتابة سيناريوهات أفلامهم، لأنك لاتستطيع فصل صياغة وشكل السيناريو عن كتابته. لذا تجد أن معظم المخرجين الجادّين يقومون بتشكيل وصياغة سيناريوهاتهم، أعني أنهم يجلسون مع كتّابهم ويضعون أفكارهم في شكل أو قالب محدد له بنية. وهذا الأمر هو جزء أساسي من عملية الإخراج والذي ينبغي إضافته إلى مجمل عملية التأويل والإستكشاف.
أنا أعمل الفيلم لكي أستكشف. إذا كنت أجهل عن أي شيء يدور الفيلم فإنني بذلك سأواصل العمل عليه بشوق، في حين إذا كنت أعرف تماماً عن أي شيء يدور عندئذ سأفقد الإهتمام به!. لذا فإن متعة عملية الإستكشاف هي التي تحتكم إليّ وكذلك الخطر المتعلق بذلك. أنت تأمل على الدوام بالطبع في أن كل ذلك سيقودك إلى شيء ما جديد حيوي ومبتكر.
بكلمة أخرى، إن اللحظة الوحيدة التي أعرف فيها عن أي شيء يدور الفيلم، هي اللحظة التي أشاهد فيها الفيلم مع الجمهور. وثمة مفاجئات ومفاجئات دائماً.
حين أخرجت فيلم (الإمل والشهرة The hope and Glory) والذي تدور أحداثه عن ذكريات طفولتي لم أكن أعرف، لحين إنتهيت منه، أن الأسطورة الآرثرية التي كانت تستحوذ على تفكيري آنذاك تعني في حقيقة الأمر، أن أفضل صديق لوالدي كان على علاقة حب مع والدتي!. لقد كانوا يشكلون نفس ذلك المثلث المتكون من آرثر، لانسيلوت وغوينيفير، إلا أن ذلك لم يحدث لي لحين إمتلاكي هذه الحقيقة الموضوعية، لحين أصبحت أنا نفسي متفرجاً في القاعة بدلاً من أن أكون ضمن الفيلم.
(الواقعية مقابل الوحشية)
إنني أعمل بطريقة خاصة ويمكنكم القول أنها كلاسية تماماً. فمثلاً أنا لا أحّرك الكاميرا مالم يوجد ثمة هدف وتسويغ لتلك الحركة. وأيضاً لا أقّص اللقطة في المونتاج مالم تكن هناك ضرورة حقاً لذلك، وآمل أن لايفهم من ذلك أنني على الضد من التجريبية أو بعيداً عنها،إلا أن ذلك بالنسبة لي يعمل بطريقة مختلفة. فمثلاً، الفيلم الأكثر تجريبية بالنسبة لي من بين كل أفلامي التي أخرجتها هو على الأرجح فيلم (Leo the Last) والذي إستخدمت فيه نوعاً من تقنية مابعد الحداثة وكان الغرض منها هو جعل المتفرج يدرك حقيقة أن مايراه على الشاشة ليس سوى فيلم، شيء مختلق، خدعة. لقد كان الموضوع ذاته هو الذي يعّلق على الفيلم. ففيلم Leo The Last يبتدأ مع الممثل مارسيللو ماسترياني يقطع الشارع في سيارته وتصاحبه أغنية تقول:"أنت تشبه نجماً سينمائياً".
لم يكن الفيلم ناجحاً بالطبع، بمعنى أنه لم يصل للمتفرج بالطريقة التقليدية والسائدة، ربما بسبب تجريبيته!.
القواعد التي أستخدمها عادة على أية حال، هي تلك التي تعلمتها مبكراً من الأفلام الصامتة. إذا تأملت مثلاً للقطات القريبة جداً (Close-up) واللقطات الموجزة عند غريفيث والطريقة التي إستخدم فيها تلك اللقطات القريبة لغرض توضيح فكرة ما، تستطيع الحكم أن السينما المعاصرة هي على الأغلب سينما غير متقنة تماماً قياساً بما أنجزته السينما آنذاك.
الشيء الأساسي بالنسبة لي فيما يتعلق بالقواعد البصرية هو العلاقة المكانية بين الشخصيات. فإذا كانت الشخصيات قريبة من بعضها وجدانياً، ففي هذه الحالة سأجعلها قريبة من بعضها فيزيائياً أيضاً. أما إذا كانت بعيدة عن بعضها عاطفياً فسأباعد بينها حّد الإنفصال. لهذا السبب أحب إستخدام السينما سكوب(2) لأنها تمنحني حرية العمل وسعة المكان بين الممثلين.
في فيلم (الجنرال) مثلاً ستلاحظ أن مشهد السرقة، الذي يُنجز اليوم عبر الكثير من القطع السريع في اللقطات، كنا قد عالجناه بلقطات طويلة وقد كان الحدث كله يجري في إطار اللقطة ذاتها. طريقتنا تلك هي على التضاد مما أسميه أناب (الوحشية الجديدة)
في السينما، والتي هي ليست سوى شكل من أشكال السذاجة، لأن من يمثلها أناس هم حسب ظني، ليس لديهم فهم لتأريخ السينما. إنها نوع من المونتاج التلفزيوني الموسيقي ليس إلا، حيث كلما كانت الفكرة الأساسية مربكة وغير سوية كانت أكثر إثارة وتشويق. وأنت تراها اليوم تسري كالسرطان في جسد السينما السائدة أكثر فأكثر.
حين تنظر إلى فيلم مثل Armageddon، تظهر أمامك كل الأخطاء التقنية المحظورة في السينما الكلاسية، ككسر الخط الوهمي (cross the line) مثلاً أو الكاميرا وهي تتقافز من مكان إلى آخر، وسواها. إنها طريقة تستجدي الإثارة والتشويق بشكل زائف وهي تفتقد إلى الأساس. إنها أشبه بعجوز يحاول إرتداء ثياب شاب يافع، وهي أشياء تثير الأسى في النفس حقاً.
(بعث الحياة في المشهد السينمائي)
إن هدفي الأساسي حين أقوم بمعالجة مشهد سينمائي ما هو أن أبعث فيه الحياة بالقدر الممكن. ومن أجل تحقيق ذلك فإن الشيء الأول الذي أقوم به هو التدريب على ذلك المشهد، أي عمل البروفة. ليس في يوم التصوير بالطبع، إنما قبل ذلك.
يتمحور عملي في هذه المرحلة فقط حول سبر وإستكشاف محتوى المشهد، وليس تحديد حركات الممثلين في المكان، وهذا مايسهم في مساعدة الممثلين على إرتجال مايحدث حقاً قبل المشهد وبعده.
وحين أنتقل إلى موقع العمل لغرض التصوير الفعلي والذي أبدأه عادة في الصباح، أنجز اللقطة الأولى للمشهد وذلك بأن أحدّد موقع الكاميرا وتكوين اللقطة، ووضع علامات وإشارات لحركة الممثلين فيما هم في غرفة الماكياج.
ومن أجل عمل تكوينات اللقطة عادة ما أستخدم جهاز قديم يدعى "Mitchell sidefinder" يكون مكانه عادة إلى جانب الكاميرات. جهاز كبير عليك أن ترفعه أمامك، فبدلاً من أن تضع عينك في شيء ما كالمنظار، تتراجع قليلاً عن هذا الجهاز حيث يمكنك عندئذ من خلاله رؤية تكوين اللقطة وهي أشبه بصورة أو إطار صورة.
أما قرار تحديد موضع الكاميرا فهو عملية منطقية جداً تماماً مثلما هي وجهة النظر مهمة جداً، وهي عملية حدسية في ذات الوقت.
حين إبتدأتْ السينما كان مجرى عملية إنجاز الفيلم سهل جداً بالطبع. كانت الكاميرات توضع في مكان يشبه تماماً وضع المتفرج وهو يجلس في قاعة المسرح، وليس هناك سوى لقطة ثابتة طويلة تصور الحدث الذي يجري على خشبة المسرح. من هنا يمكنك أن تتخيل ماأحدثه "غريفيث" حين إبتدأ يحرّك الكاميرا، تلك الكاميرا التي أصبحت فيما بعد أشبه بعين الخالق، نظرة كلية المعرفة بوسعها التحرك في كل مكان. وهذا هو ماأعطى السينما بعداً آخر تماماً. فقد رفعها كما أعتقد إلى مصاف الحلم.
حين أمضيتُ بعض الوقت بالعيش في الأمازون مع قبيلة بدائية حاولت أن أشرح لهم ماهية الفيلم وماذا يشبه، وكيف يمكنك عن طريقه الترحال من مكان لآخر، والتطلع نحو الأشياء من زوايا مختلفة، والتقطيع المونتاجي في المكان والزمان معاً. أتذكر أن كاهناً
أو ساحر القبيلة قال لي معلقاً:"أوه، نعم، أنا أيضاً أفعل الشيء ذاته. فحين تتقمصني حالة الوجد، أرحل من مكان لآخر بنفس الطريقة".
لهذا، أعتقد أن قوة السينما ينبغي أن تعمل بنفس الطريقة التي ترتبط فيها التجارب الحلمية للناس، لاسيما إذا كان الفيلم مصوراً بالأبيض والأسود، بإعتبار أننا ننزع إلى الحلم بالأسود والأبيض. ولهذا حين نضع الكاميرا في موقع التصوير فإن مانحققه ماهو إلا محاولة خاطفة لخلق حلم واقعي.
(التصوير إزاء المونتاج)
أنا لاأقوم بتغطية تصويرية كاملة لمشاهد الفيلم (3)، بمعنى أنني لاأشبع المشهد بتصويره من كل الإتجاهات والزوايا، كما أنني لا أحب أيضاً أن أعيد تصوير اللقطة عدة مرات. والسبب هو أنني أريد أن أري الممثلين أن كل لقطة نقوم بتصويرها ينبغي أن نستخدمها في الفيلم.
حين تقوم بتصوير المشهد من زوايا وإتجاهات مختلفة عندها ستكون مضطراً، بسبب طول مدة الفيلم طبعاً، إلى الأستتغناء عن الكثير من تلك اللقطات المصورة وإقصائها عن الفيلم. إذا كان الأمر بهذا الشكل، لماذا نزعج أنفسنا إذاً بتصوير لقطات سوف لن نستخدمها في الآخِر؟. لذا فأنا أسعى إلي أن جعل المشهد متوتراً ومشدوداً بشكل متواصل.
ينبغي أن يكون كل شيء مهيئاً حقاً، وبعدها حين تدور الكاميرا فهذا هو كل شيء. يستلزم على كل شخص في هذه اللحظات أن يصل إلى قمة الأداء عند هذه النقطة. وأنا لاأسمح مطلقاً بتحميض وطبع أكثر من إعادتين إثنين فقط للقطة الواحدة.
شيء مضجر حقاً أن تجلس ساعات وساعات يومياً لمشاهدة اللقطات المعاد تصويرها مرات ومرات، لأنك في النتيجة ستفقد ذائقتك ورؤيتك وحكمك. حين تقوم بمشاهدة ستة إعادات للقطة واحدة لن تستطيع حتى أن تميز نوعية الإعادة الأولى لتلك اللقطة. لذا فمن عادتي دائماً أن أصور قليلاً.
أنا لاأصور عادة اللقطة الرئيسية "Master Shot"(4) للمشهد مثلاً، ومع ذلك يمكنني منتجة لقطات المشهد بيسر. إنني أصور خمسة أيام في الأسبوع بدلاً من ستة أيام كما يفعل بقية الناس، وبهذه الطريقة أنفق يوماً واحداً في الأقل في غرفة المونتاج، وهي مدة كافية لتغطية إستحقاق أسبوع واحد من التصوير. وبعدها لديّ يوم آخر لتهيئة لقطات الأسبوع القادم.
لكن يجب أن أذكر هنا أن إتخاذ قرار بعدم تغطية المشهد تصويرياً بشكل كامل ربما من شأنه أن يوقعني في مأزق يُشعرني بالندم في مرحلة المونتاج، وهذه معضلة كبيرة حقاً. لقد إستطاع كوروساوا مثلاً، حل مثل هذه المعضلة بطريقة ذكية. معروف إن جُل أفلام كوروساوا يكون قد خُطط لها بشكل دقيق في السيناريو التنفيذي (السكربت)، لكنه حين يدخل غرفة المونتاج عادة مايشعر بنوع من الندم وإحساس باللوعة لأن ليس لديه مادة مصورة (راشز) أكثر بقليل مما خطط له في السكربت. لذا فقد سارع حينها لعلاج هذه المشكلة بأنه كان يستأجر مصوراً سينمائياً خاصاً مهمته فقط أن يصور لقطات المشاهد بشكل خفي، طالباً منه أن يستخدم عدسات ذو أحجام طويلة المدى (long lens). كان المصور يقوم بتصوير لقطات قريبة جداً (close-up) للمشهد في اللحظة التي كان فيها كوروساوا يصور اللقطة الرئيسية (Master shot)، وهي اللقطة العامة التي تظهر المنظر كله.
لقد كان هدف كوروساوا من تلك اللقطات القريبة جداً التي أنجزها المصور هو إدخالها بين اللقطات أثناء منتجة المشهد أو الإستفادة منها في تقطيع المشاهد التي تتضمن حوارات. وهكذا تصبح تلك الأشرطة التي صورها المصور بخفية هي بمثابة مواد إحتياطية يستفيد منها كوروساوا فقط حين يكون بحاجة لها في مرحلة التقطيع. ولم يكن أحداً يستطيع بالطبع أن يجرؤ ويسأله عما صُوّر لأنه لم يكن يسمح لأي عنصر عشوائي التدخل في مخططاته.
أعتقد أنه كان على صواب لأنك إذا صوّرت بكامرتين، وهو الشيء الذي لم أفعله أنا مطلقاً، عندذاك ينبغي عليك أن تقوم بعملية تسوية أو توافق بينهما. ومهمة التصوير هي بشكل رئيسي تركيز كل شيء على نقطة واحدة معينة. أما إذا كان لديك كاميرتين فيتطلب ذلك عندئذ التوفيق بينهما بإستمرار.
(عليك أن تكّيف الدور مع الممثل وليس العكس)
من المثير للدهشة أن الأفلام الوثائقية كانت على الأرجح هي أفضل ممارسة تعلمتها للعمل والتعامل مع الممثلين. لأن ماتعلمته منها أكثر من أي شيء آخر هو الأمر الذي له شأن بالسلوك الإنساني. ولأنني كنت في أفلامي الوثائقية أشاهد وأرقب أناس واقعيون حقيقيون عن قرب، إستطعت أن أجلب للممثلين شيئاً ما كان يساعدهم على بلوغ عملية الإحساس بالواقع.
إن مفتاح العمل مع الممثلين على أية حال، هو تزويدهم ببيئة آمنة، بيئة مطمئنة يستطيعون العمل ضمنها. هذا معناه إعطائهم بنية، والأخذ بنظر الأعتبار الإنتباه إلى أن لايتوزع إنتباههم لأشياء أخرى يمكن أن تحدث في موقع التصوير. ينبغي علينا إعطائهم تصّور أنهم هم مركز إنتباهنا. علينا أن نراقبهم عن كثب، أن نظهر لهم أننا لن ندعهم يقعون في أخطاء، أننا لن نضع العراقيل والصعوبات أمامهم. عندئذ فقط سيكونون أكثر رغبة وإستعداد وتلقائية في تحقيق ماننشده.

الشيء الآخر والمهم هو أن تصغي للممثلين، لأن الممثلين الجيدين يمتلكون على الدوام خزيناً يمكن أن يتحول آلى إسهامات هامة تضاف إلى العمل. إن المخرج الذي تعوزة الخبرة والممارسة يظن أن عليه أن يذهب إلى موقع التصوير ويملي على الممثلين ماعليهم
أن يفعلوه، وأن عليه أن يكون قوّياً ليفرض إرادته!. كلا. إن هذا الإعتقاد غير صائب تماماً لأن المهم جداً بالنسبة لك كمخرج هو أن تصغي لهؤلاء الممثلين وتصّوب لهم الأخطاء إن حدثت. وعندما يحين وقت التصوير فإن مايراد منك ليس سوى الشيء القليل والقليل جداً لتقوله لهم، وسبب ذلك هو أنك كنت مستعداً سلفاً لكل شيء بشكل صحيح، وكنت تدرك وجهتك تماماً.
ثمة مسألة أخرى مهمة حقاً بهذا الشأن وهي ضرورة عمل بعض التعديلات الطفيفة للدور دائماً ودون خوف. أنا أعرف جيداً إن إختيار الممثلين للعب شخصيات الفيلم هي مسأله مهمة وحاسمة بالطبع بل هي موجعة دائماً، لأن ماتمتلكه قبيل رؤيتك للممثلين لم يكن سوى تصور ما عن تلك الشخصيات التي سيلعبونها، ومن غير الممكن أن تعثر على الممثل الذى يطابق تماماً صورة الشخصية التي رسمتها في مخيلتك. أنا شخصياً أشعر في كل مرة أقوم فيها بإختيار الممثلين للأدوار أنني أضحي بشيء ما من الفيلم.
حين تنيط الدور إلى الممثل فإنه غالباً مايجسده بطريقة تختلف عن تصّورك المسبق للدور. لذا فالجواب الشافي لهكذا مأزق هو أن تجري بعض التغييرات للدور المكتوب ليتلائم مع الممثل، أن تعيد كتابته ثانية ليتوافق مع الممثل، بدلاً من أن تُكرهه ليتوافق ويتلائم مع الدور.
(الحماقة الخّلاقة!)

إذا أردت أن تقارن الفيلم تقنياً بهندسة الطيران مثلاً، أقول أن الفيلم بسيط جداً. إنه إختراع أواخر القرن التاسع عشر. بوسعك قراءة نظرية الفيلم كلها بأسابيع قليلة جداً، لكن ما أن تحاول عملياً تطبيق ماقرأت ستجد أن عليك التعامل مع متغيرات عديدة، كالناس والمناخ والأنوات والقصة وأشياء كثيرة أخرى، وأن ثمة إستحالة في التحكم بالكثير والكثير من العناصر. أتذكر ماقاله لي غودار مرة، قال:"عليك أن تكون شاباً أحمقاً لكي تعمل فيلماً، لأنك لو كنت تمتلك المعرفة التي نمتلكها سيكون ذلك مستحيلاً". ماعناه غودار بالضبط هو أنه حين يكون بمقدورك التكهن بكل المشاكل التي يمنكن أن تحدث وأن تحسب لكل مشكلة حساب فإن ذلك سيصيبك بالشلل حتماً.
أعتقد إن الأفلام الأولى التي ينجزها المخرجون تكون غالباً جيدة جداً، لأن المخرج حينها يجهل تماماً كيف سيكون الأمر صعباً!. أنا أعرف ذلك من تجربتي الخاصة حين إبتدأت العمل في هذا الميدان، يوم كنت أتماهى وذلك "الأحمق" أو تلك الحماقة الخلاقة التي تحدّث عنها غودار!. أتذكر جيداً كيف أن الذعر والقلق كانا يلازماني كل يوم تقريباً لأنني كنت أظن أن كل ماأقوم به سيذهب سدىً.
الآن أصبحت أكثر حذراً وإحتراساً ولم أعد أشعر بالخوف بالطبع، بل على العكس أشعر بالراحة والإطمئنان أكثر وأنا في موقع العمل، لأنني أدرك تماماًأن موقع التصوير هو المكان الوحيد الذي أنتمي إليه. لكن ذلك لايعني بالطبع القول أنني أعرف الآن كل شيء عن الإخراج السينمائي، بل على العكس تماماً. أتذكر جملة قالها لي مرة ديفيد لين حين كنت أمضي معه بعض الأوقات، قبل وفاته، وهو يستعد لإخراج فيلمه (Nostromo)، قال:"آمل أن يكون بمقدوري إنجاز هذا الفيلم، لأنني الآن فقط بدأت أحس برؤية الطريق التي تهديني إليه".
هذا الشعور ذاته هو الذي يتملكني دائماً. وأوّد في الواقع أن أضيف أيضاً أنني كلما عملت أفلاماً أكثر، كلما أحسست أنني أعرف القليل. بمعنى آخر، كلما تعلمّت أكثر قلّت معرفتي!.

(فيلموغرافيا)
(جون بورمان 1933 - إنجلترا، لندن)
(1) 1965 Catch Us if You Can
(2) point blank 1967
(3) Hell in the Pacific 1968
(4) Leo the Last 1970
(5) Deliverance 1972
(6) Zardoz 1974
(7) The Heretic; Exorcise 2 1977
(8) Excalibur 1981
(9) The Emerald Forest 1985
(10) Hope and Glory 1987
(11) Where the Heart is 1990
(12) Beyond Rangoon 1995
(13) Lumiere et compagnie 1995
(14) The General 1999
(15) The Tailor of Panama 2001
(16) 2004 In My Countrty
(17) 2006 The Tiger's Tail
(هوامش)

(1) هذا اللقاء مجتزأ من كتاب بعنوان:
MOVIEMAKERS' MASTER CLASS: PRIVATE LESSONS FROM THE WORLD'S FOREMOST DIRECTORS FABER AND FABER 2002 
الكتاب صادر باللغة الأنكليزية عن دار النشر، وهو عبارة عن مجموعة من اللقاءات الصحفية كان أجراها الناقد والسيناريست والمخرج السينمائي الفرنسي "لورينت تيراد" في أوقات وأماكن مختلفة مع عشرين مخرجاً سينمائياً عالمياً ينتمون إلى أجيال ومدارس مختلفة، وغطى الكتاب فترة نصف قرن تقريباً، مبتدئاً منذ أواسط ستينات القرن الماضي وحتى وقتنا الحالي.
(2) "السينما سكوب" هي أوسع شاشة مستخدمة في السينما وهي ذات نسبة باعّية هي 2.35:1 (بمعنى أن الجزء الأفقي لإطار الصورة هو أطول من الجزء العمودي لها بحوالي 2.35 مرات. المعروف أن معظم الأفلام السينمائية هي ذات نسبة باعية هي 1.66:1 أو 1.85:1).
(3) "تغطية المشهد" المقصود به تصوير المشهد من زوايا عديدة ومختلفة وبأحجام عدسات متنوعة تسمح للمخرج بخيارات كثيرة أثناء عملية المونتاج.
(4) اللقطة الرئيسية (Master shot) هي اللقطة العامة التي يبين فيها كل تفاصيل المكان الذي تدور فيه أحداث المشهد.
علي كامل/ لندن
هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته
''الفوانيس السينمائية''


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.