كيف يتمكن سمك الحوت الضخم من اصطياد فريسته من الحبار؟ كيف تتمكن الإوزات المرقطة الرأس من التحليق فوق جبال الهملايا في جو نادر الأوكسيجين؟ أين تذهب القروش البيضاء حين لا تكون قرب السواحل؟ كيف تُنشئ قناديل البحر مستعمرات من عدة آلاف من الأفراد؟ فالحيوانات، سواء كانت من ذوات الوبر أو الريش أو القشور، تملك حياة سرية يتوق العلماء دوما إلى إدراكها و التعرف عليها. و من أجل الإجابة على هذه الأسئلة، مهما كانت صعوبتها، كان ينبغي مراقبة الحيوانات في مجالها الحر، بيد أن المشكل هو أن هذه الحيوانات تستوطن أماكن قصية و منعزلة يصعب على الإنسان متابعتها فيها مثل أعماق المحيطات أو أعالي الأشجار في قلب الغابات العذراء أو داخل غيران و تجويفات عميقة داخل الأرض... و لفهم حياة الحيوانات بشكل أفضل يلجأ العلماء إلى أجهزة إلكترونية صغيرة الحجم يربطونها بشكل موقت على الحيوانات، مما يسمح لهم بمتابعة موضوع بحثهم أي الحيوانات نفسها دون إزعاجها. في البدء يتم تجميع هذه الأجهزة القادرة على إرسال المعلومات بشكل فوري بفضل هوائيات خاصة، و تسمح هذه الأجهزة بمتابعة تحركات هذه الحيوانات، بيد أن ما يصل من معلومات قليل إلى حد ما و غير دقيق. و للحصول على معلومات أدق ينبغي تركيب أجهزة تسجيل متطورة لا تبعث بالمعلومات بل تسجلها بدقة عالية و تقدم ما يشبه دفتر مذكرات بالثانية تقريبا، و ما تحمله هذه الأجهزة المسجلة يُتاخم الغرابة في بعض الأحيان. و هكذا مثلا، بتقديرها العمق الذي وصلته فيلة البحر أثناء نومها، حين تترك نفسها رهن تحركات الماء، توصل العلماء إلى معدل طفُوها و بالتالي حجم الشحوم فيها، فكلما كان الحيوان نحيفا يغوص أكثر، في حين إذا كان سمينا شحيما فإنه يميل إلى الغوص أقل و الطفو أكثر. و تكمن أفضلية هذه الأجهزة المسجلة في كون المعطيات التي يتم تسجيلها تكون دقيقة و مضبوطة، لكن الصعوبة تكمن في ضرورة إعادة اصطياد الحيوان للحصول على هذه المعلومات الثمينة. قد يكون الأمر يسيرا حين يعود الحيوان للتناسل إلى نفس المنطقة في مواعيد منتظمة، لكن هذا ليس بالممكن في حالة ذكر السلحفاة البحرية الذي يُمضي وقته في البحر دون العودة أبدا إلى البر. بيد أن الحل يتمثل في تطوير آلات تسجيل ذكية قادرة على الإرسال في نفس الوقت، و هو أمر يجري تطويره حاليا. و يحظى الوسط البحري بأكبر قدر من التقدم في هذا المجال، حيث يتم تصميم أجهزة أصغر حجما و أقدر على الالتقاط لدراسة كل حيوان (السرعة، الموقع، الحرارة...) على حدة و يبدو أن شبه استحالة متابعة الحيوانات البحرية في محيطها الطبيعي هو ما أحدث هذا الزخم في الابتكار. بينما حفزت الحياة البرية على تطوير أجهزة أخرى مثل أجهزة قياس المسافات. فتصغير حجم الأجهزة اللاقطة و المسجلة سمح بتجهيز شريحة واسعة من الحيوانات سواء كانت تعيش في البر أو البحر أو الجو، بدءا من البقة الصغيرة حتى الحوت الأزرق الضخم مرورا بالطيور. و بذلك أصبحت هذه الأجهزة أدوات مهمة لدراسة تكيف الحيوانات مع التغيرات المناخية للسماح بحمايتهم و الحفاظ عليهم من جهة و للإجابة أيضا على أسئلة علمية أساسية أكثر. لكن لا ينبغي التغاضي عن أمر مهم و هو أن تجهيز الحيوان بمثل هذه الآلات يعني إزعاجها بها و بحملها، و لذلك و منذ الشروع في تصميم هذه الأجهزة و تفكير المصممين ينصب على تخفيف وزنها و تصغير حجمها و كذا التفكير في لونها و موقعها على جسد الحيوان. فهذه المعايير تتم دراستها بدقة و تخضع لعدة أبحاث حتى يصل العلماء إلى أقل تأثير للجهاز على الحيوان. فبالنسبة للوزن مثلا، لا ينبغي أن يتجاوز 3 بالمائة من وزن الحيوان المضيف، إذا كان طائرا و 5 بالمائة إن لم يكن من الطيور. لكن العائق الكبير أمام المصممين هو البطارية الضرورية لإنتاج الطاقة و التي ينبغي تصغير حجمها، فالأجهزة المسجلة التي توضع مثلا على النحل الأسترالي لا يتجاوز وزنها غرامين إثنين، فالصعوبة ليست فقط في اختراع جهاز قادر على الالتقاط و التسجيل بل الصعوبة الحقيقية تكمن في تصغير هذا الجهاز حتى لا يزعج الحيوان الحامل. عن صحيفة «لوموند» الفرنسية