احتقان بمستشفى مولاي إسماعيل بتادلة.. نقابة الصحة تحتج يوم 5 ماي المقبل    الأمم المتحدة: إعدام 21 شخصا واعتقال 4000 في إيران منذ بداية الحرب    جدل التطبيع يرافق ظهور علم إسرائيل في نشاط في مؤسسة تعليمية    النصب يستهدف مسرح محمد الخامس    أكاديمية المملكة تكرم إيف موديمبي    فرنسا تنصح رعاياها بعدم السفر إلى مالي وتطلب من المقيمين المغادرة في "أسرع وقت ممكن"    ترامب يحث إيران على التعقل سريعا وإبرام اتفاق    زراعة القنب الهندي القانوني بالحسيمة تسجل قفزة ب47 في المائة    ثاني أكبر كتلة بالبرلمان الأوروبي تطالب بتعليق الشراكة مع إسرائيل    الريال الإيراني يصل أدنى المستويات        قرعة سدس عشر نهائي كأس العرش    بورصة الدار البيضاء تفتتح على ارتفاع    تقرير رسمي.. تجارب المرتفقين تكشف تحديات الولوج والثقة في المرفق الصحي بالمغرب    السكات اللي كيخلع.. والميزان المايل    استئنافية تازة تؤيد حبس الرابور "الحاصل" 8 أشهر نافذة    صدامات دامية تهز مخيمات تندوف    رسميا.."الفيفا" يرفع المنح المالية للمنتخبات المشاركة في مونديال 2026    عبد الرحيم العطري يُسَائِلُ "أنثروبولوجيا السوق والتسوق"        دبلوماسية الدومينو: كيف تتساقط أوهام الانفصال في العواصم الكبرى؟    ولاية أمن أكادير تكشف حقيقة فيديو "تدارت"    تييري هنري بعد قمة باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ: كرة القدم تحتاج للمخاطرة لاستعادة المتعة    ارتفاع مبيعات الإسمنت ب2,5 في المائة في مارس    نفق تحت المتوسط يربط طنجة ب البرتغال؟ مشروع طموح يعيد رسم خريطة النقل بين إفريقيا وأوروبا    جماعة "العدل والإحسان" تستنكر منع عبد الصمد فتحي من السفر للمشاركة في "أسطول الصمود"    ماركينيوس: المباراة ضد بايرن كانت ممتعة جدا    مؤتمر بالداخلة يعزز مغربية الصحراء    البنك الدولي يوصي المغرب بإصلاحات هيكلية لإحداث 1.7 مليون منصب شغل وزيادة اقتصاده بنسبة 20%    كلفة الإنتاج الصناعي تسجل ارتفاعاً طفيفاً وسط استقرار قطاعات حيوية    ارتفاع أسعار النفط في ظل تقارير عن تعطل الإمدادات    أكادير تحتضن المؤتمر الإفريقي الثاني للتشريح المرضي الرقمي    ساعة العمل في ألمانيا تكلف 45 يورو لتكون بين الأعلى أوروبيا        حجاج: أخنوش التزم بالدستور وقدم حصيلته في توقيت يسمح بمناقشتها بخلاف الحكومة السابقة    زخات مطرية متفرقة في توقعات اليوم الأربعاء بالمغرب    برادة: حكومة أخنوش بذلت مجهودات كبيرة لإصلاح المنظومة التعليمية ببلادنا    رئيس دولة مالي يتهم "جهات خارجية" برعاية مخطط الهجمات في البلاد    أبحرا من سواحل الريف .. أزيد من 100 مهاجر يصلون في قاربين إلى إسبانيا        تحديد موعد ديربي الرجاء والوداد    تافراوت : أمام رئيس الحكومة…عرض تفاصيل أول خطة ذكية على الصعيد الوطني لمواجهة انتشار الكلاب الضالة.    ثرثرة آخر الليل.. في الحاجة إلى نهضة ثقافية..    هذه أسرار اللحظات الأخيرة بعد الموت السريري    مراكش تعيد وهج الأغنية المغربية في حفل يجمع بين الإبداع والذاكرة    المنتخب الوطني للكراطي يتألق بإسبانيا    تظاهرة بستان القصيد تخلد اليوم العالمي للشعر وتحتفي بالشاعر مراد القادري    بداية موفقة لمحسن الكورجي في طواف بنين الدولي للدراجات    المخاطر النفسية والاجتماعية في العمل تسبب 840 ألف وفاة سنويا في العالم    دراسة: تناول الإفطار يساعد في اكتساب المرونة النفسية    دراسة علمية تحذر من خطورة المكملات الغذائية للأطفال        "بيت الشعر" يطلق "شعراء في ضيافة المدارس" احتفاء بالرباط عاصمة عالمية للكتاب        الاندماج ليس شاياً ورقصاً: نقد للواقع التنظيمي في خيام برشلونة        34 ألف مستفيد من أداء مناسك الحج لموسم 1447ه    بين خفض التكاليف والرقمنة.. وزير الأوقاف يستعرض حصيلة ومستجدات موسم الحج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



خديجة أمّي
نشر في هسبريس يوم 02 - 03 - 2026

بأرياف تاونات، في قرية "أيلة"، علّمتني أمّي أن أكون نقيًّا مثلها، سريع الصفاء أكثر من ماء نهر ورغة في الصيف، وصافيًا مثل ماء ينبوع جبلي. وأنا، لم أتردّد من جهتي في أن أكون مثلها، اتّكلت على الله وفعلت. بعد ذلك، كنت صادقًا في القول، مُخلِصًا في الفعل والعمل. وهكذا، كانت نيّتي لا تقل صفاءً عن ماء ينبوع ريفي في الجبل. وعمومًا، كنتُ، قبل أن أكبر قليلًا، أحاول أن أكون صادقًا مع الناس ومع نفسي، أقرب في ذلك إلى نبوءة نبيّ.
كان لألوان الطبيعة في قريتنا سحرٌ خالصٌ في طهارة القلب، وتقويم سلوكنا البدوي، ونقاء النفس وسريرتنا القروية. لم أكن أعرف من الألوان غير ما أبدعه الخالق، وما تراه العين في مدارات الطبيعة من حولنا. لم أختلف في ذلك عن غالبية الأطفال في القرى والأرياف. كنا نكتفي باللونين الأبيض والأسود، وما تجود به علينا الجغرافية الجبلية من ألوان طبيعية واضحة، لا لبس فيها ولا افتراء. كنا نعرف الألوان الخمس، كما هي خالصة على طبيعتها: الأحمر، الأخضر، الأصفر، الأبيض والأزرق، وما بينها من متشابهات. لم يكن اللون الرمادي، ولا ألوان أخرى، قد اندسّ بعدُ إلى شرايين حياتنا، ولا تسلّل خُبثُه الماكر إلى معاملاتنا اليومية وعوالمنا الافتراضية، ولا دخلت ملامحه الحربائية إلى معاملاتنا في التجارة والخدمات، ولا إلى تمثيلاتنا الإنسانية البريئة للأشياء والأسماء.
لم نكن نعرف علامة قلب، ولا كيف نضع "j'adore" باحتيال، أو "j'aime" من باب الرياء والنفاق. كنا نعرف الفراشات بألوانها وشطحاتها، لا بما تحمله من أسماء. كلُّ من يطير في فصل الربيع بين الحشائش وأزهار النوار، وفي فصل الصيف بين أغصان أشجار المشمش والبرتقال والإجاص والرّمان والليمون، وكل أنواع الفواكه في الحقول والعرصات، كنا نسمّيه مجازًا "فراشات". أزهار النباتات هي الأخرى، على اختلاف أشكالها وألوانها، كنا نسمّيها "بالنوار" في الحقيقة، لا مجازًا كما في الغناء والمواويل. وكنا نقولها بالواضح لا بالمرموز: نوّار الفول، نوار الجلبانة، نوار الدفلى، نوار الخوخ، نوار المشماش... إلخ.
أما الورد، فقد كان وردًا بلديًّا أصيلًا، ينبت طواعية في فصل الربيع على جنبات الحقول والأحراش وحول غاباتنا. لم يكن يلزمه أو يكرهه أحد على فعل ذلك، كان ينبت من تلقاء نفسه في الربوات والهضاب والبراري المترامية الأطراف في ضواحي دوّار "أيلة"، وفي سفوح الجبال المنتصبة أمامنا بانتظام على جنبات نهر ورغة، وفي وراء ظهورنا كأسنان المشط على الشمال وعلى اليمين، وفي كل اتجاه. وما أن تتخلّص عيدان الورد وتيجانه من سطوة ثقل بياض الثلج في فصل الشتاء، حتى تتفتح الورود كل صباح تباعًا دون إكراه في سفوح جبالنا وهضاب برارينا، وجنبات غاباتنا، قبل أن يأتي عليه الجفاف في تسعينيات القرن الماضي. اندثر فجأة كل ملامح الجمال، وافتقدناه من حولنا إلى الأبد، يوم دخل مجاله سماسرة تجارة العطر المُعلّب ووسطاؤه. تزايد عليه الطلب من سماسرة مصانع الدار البيضاء، قبل أن يحطّ الرحال مُقطَّرًا صافيًا في علب وزجاجات لمّاعة بمحلات تجميل النساء الأعجميات في شارع الشانزليزيه بباريس.
كنا نعرف من التحيات: صباح الخير ومساء الخير. أما تحية "السلام عليكم"، فقد كانت صالحة لكل زمان ومكان. ولكن ما هي إلا سنون قليلة، حتى اكتسحت حياتنا الخاصة والعامة كلمات رومية وأعجمية لقيطة، مثل: "بونجور – bonjour" وأخريات مثل: "صافا – ça va"، وبعضها هجينة لا جذور لها في ثقافتنا وتربتنا الأصيلة، مثل: "سانك-سانك"، "بيخميرين" و"فوق فكيك"، قبل أن تكتمل "الباهية"، وتظهر مصطلحات أخرى مشرقية أكثر غرابة عن هويتنا المغربية، مثل: "منييح"، وغيرها من تحيات موغلة في الإدهاش والغرابة.
ومن الأجوبة، ترسّخت في ثقافتنا الشعبية "نعم" أو "لا"، صافية من دون مجاملات أو دوران ومراوغات، بكل ما يلزمها من صراحة وصدق ووفاء، وما يتطلبه ذلك من وضوح وشفافية دون غيرها من الإجابات. وكانت "إن شاء الله" تُستعمل لازمة دينية في حالة اللايقين، إيمانًا منا بصفتنا مسلمين بقضاء الله وقدره، خيره وشره. ولكن ستأتي علينا بعدها أعوام، تبرز فيها أجوبة دبلوماسية ملتبسة وغير يقينية، تصلح للحربائيين والمتلوّنين ومواقفهم، وكأننا في مؤتمر دولي بالأمم المتحدة أو في مجلس الأمن، كلما كان الدبلوماسي غامضًا في إجاباته إلا وكان أكثر كفاءة. وهذه الأجوبة المُبلقَنة، تسبقها في الغالب مفردات من قبيل: ربما، سوف، يجوز أن، نشوف ونرد عليك، نقدر أن... إلخ.
في زمن الآباء والأجداد، وحتى في طفولتنا وزمن المراهقة، لم تكن مثل هذه المفردات مستعملة في قاموسنا اللغوي المغربي الدارج، ولا في اللسان العربي الفصيح. ولكنها بعد ذلك، ستظهر لاحقًا وتباعًا، مُعلنة بذلك عن ميلاد عهد جديد، وبمواصفات النقيض الذي كان ساكنًا في أعماقنا. هذه المتغيّرات أفسدت علينا براءتنا القروية، وفطرتنا العربية الأمازيغية الأصيلة، ومعدن الصلصال المغربي النقيّ، هو الذي كنا نمسح به ألواحنا الخشبية من الصمغ بالكُتّاب في الجامع، وبه حفظنا سورًا وآيات بيّنات من كتاب الله عزّ وجل. أتى هذا النقيض فينا، وأجهز على كل شيء كان صادقًا وجميلًا في حياتنا.
لكنني، وأنا اليوم أسكن المدينة، أصبحت في كل مرة مضطرًّا إلى استعمالها، وبلغت بي الذروة بشكل تدريجي، دون رغبة مني طبعًا، ألّا أجد حرجًا في استعمالها منذ سنوات. وكانت البداية في هذا التحول السوسيوثقافي الرهيب، هو الذي نعيش فصوله اليوم في المجتمع المغربي. وأعترف أنني لم أكن أطيق هذه التعابير الحربائية في البداية، ولكنني اليوم أصبحت غير قادر على الاستغناء عنها. ومع ذلك، لا أنكر أنها أنقذتني في أكثر المواقف حرجًا وإحراجًا، وإن كنت غير مرتاح للاحتماء بضبابيتها. ولكن، قد يكون الضغط اليومي والمجتمعي هو من جعلها، رغمًا عنا، مخرجًا من المخارج السليمة في حياتنا، وتتطلب الدبلوماسية الموازية أن نستعملها، من حين لآخر، مضطرّين في حياتنا اليومية...!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.