بأرياف تاونات، في قرية "أيلة"، علّمتني أمّي أن أكون نقيًّا مثلها، سريع الصفاء أكثر من ماء نهر ورغة في الصيف، وصافيًا مثل ماء ينبوع جبلي. وأنا، لم أتردّد من جهتي في أن أكون مثلها، اتّكلت على الله وفعلت. بعد ذلك، كنت صادقًا في القول، مُخلِصًا في الفعل والعمل. وهكذا، كانت نيّتي لا تقل صفاءً عن ماء ينبوع ريفي في الجبل. وعمومًا، كنتُ، قبل أن أكبر قليلًا، أحاول أن أكون صادقًا مع الناس ومع نفسي، أقرب في ذلك إلى نبوءة نبيّ. كان لألوان الطبيعة في قريتنا سحرٌ خالصٌ في طهارة القلب، وتقويم سلوكنا البدوي، ونقاء النفس وسريرتنا القروية. لم أكن أعرف من الألوان غير ما أبدعه الخالق، وما تراه العين في مدارات الطبيعة من حولنا. لم أختلف في ذلك عن غالبية الأطفال في القرى والأرياف. كنا نكتفي باللونين الأبيض والأسود، وما تجود به علينا الجغرافية الجبلية من ألوان طبيعية واضحة، لا لبس فيها ولا افتراء. كنا نعرف الألوان الخمس، كما هي خالصة على طبيعتها: الأحمر، الأخضر، الأصفر، الأبيض والأزرق، وما بينها من متشابهات. لم يكن اللون الرمادي، ولا ألوان أخرى، قد اندسّ بعدُ إلى شرايين حياتنا، ولا تسلّل خُبثُه الماكر إلى معاملاتنا اليومية وعوالمنا الافتراضية، ولا دخلت ملامحه الحربائية إلى معاملاتنا في التجارة والخدمات، ولا إلى تمثيلاتنا الإنسانية البريئة للأشياء والأسماء. لم نكن نعرف علامة قلب، ولا كيف نضع "j'adore" باحتيال، أو "j'aime" من باب الرياء والنفاق. كنا نعرف الفراشات بألوانها وشطحاتها، لا بما تحمله من أسماء. كلُّ من يطير في فصل الربيع بين الحشائش وأزهار النوار، وفي فصل الصيف بين أغصان أشجار المشمش والبرتقال والإجاص والرّمان والليمون، وكل أنواع الفواكه في الحقول والعرصات، كنا نسمّيه مجازًا "فراشات". أزهار النباتات هي الأخرى، على اختلاف أشكالها وألوانها، كنا نسمّيها "بالنوار" في الحقيقة، لا مجازًا كما في الغناء والمواويل. وكنا نقولها بالواضح لا بالمرموز: نوّار الفول، نوار الجلبانة، نوار الدفلى، نوار الخوخ، نوار المشماش... إلخ. أما الورد، فقد كان وردًا بلديًّا أصيلًا، ينبت طواعية في فصل الربيع على جنبات الحقول والأحراش وحول غاباتنا. لم يكن يلزمه أو يكرهه أحد على فعل ذلك، كان ينبت من تلقاء نفسه في الربوات والهضاب والبراري المترامية الأطراف في ضواحي دوّار "أيلة"، وفي سفوح الجبال المنتصبة أمامنا بانتظام على جنبات نهر ورغة، وفي وراء ظهورنا كأسنان المشط على الشمال وعلى اليمين، وفي كل اتجاه. وما أن تتخلّص عيدان الورد وتيجانه من سطوة ثقل بياض الثلج في فصل الشتاء، حتى تتفتح الورود كل صباح تباعًا دون إكراه في سفوح جبالنا وهضاب برارينا، وجنبات غاباتنا، قبل أن يأتي عليه الجفاف في تسعينيات القرن الماضي. اندثر فجأة كل ملامح الجمال، وافتقدناه من حولنا إلى الأبد، يوم دخل مجاله سماسرة تجارة العطر المُعلّب ووسطاؤه. تزايد عليه الطلب من سماسرة مصانع الدارالبيضاء، قبل أن يحطّ الرحال مُقطَّرًا صافيًا في علب وزجاجات لمّاعة بمحلات تجميل النساء الأعجميات في شارع الشانزليزيه بباريس. كنا نعرف من التحيات: صباح الخير ومساء الخير. أما تحية "السلام عليكم"، فقد كانت صالحة لكل زمان ومكان. ولكن ما هي إلا سنون قليلة، حتى اكتسحت حياتنا الخاصة والعامة كلمات رومية وأعجمية لقيطة، مثل: "بونجور – bonjour" وأخريات مثل: "صافا – ça va"، وبعضها هجينة لا جذور لها في ثقافتنا وتربتنا الأصيلة، مثل: "سانك-سانك"، "بيخميرين" و"فوق فكيك"، قبل أن تكتمل "الباهية"، وتظهر مصطلحات أخرى مشرقية أكثر غرابة عن هويتنا المغربية، مثل: "منييح"، وغيرها من تحيات موغلة في الإدهاش والغرابة. ومن الأجوبة، ترسّخت في ثقافتنا الشعبية "نعم" أو "لا"، صافية من دون مجاملات أو دوران ومراوغات، بكل ما يلزمها من صراحة وصدق ووفاء، وما يتطلبه ذلك من وضوح وشفافية دون غيرها من الإجابات. وكانت "إن شاء الله" تُستعمل لازمة دينية في حالة اللايقين، إيمانًا منا بصفتنا مسلمين بقضاء الله وقدره، خيره وشره. ولكن ستأتي علينا بعدها أعوام، تبرز فيها أجوبة دبلوماسية ملتبسة وغير يقينية، تصلح للحربائيين والمتلوّنين ومواقفهم، وكأننا في مؤتمر دولي بالأمم المتحدة أو في مجلس الأمن، كلما كان الدبلوماسي غامضًا في إجاباته إلا وكان أكثر كفاءة. وهذه الأجوبة المُبلقَنة، تسبقها في الغالب مفردات من قبيل: ربما، سوف، يجوز أن، نشوف ونرد عليك، نقدر أن... إلخ. في زمن الآباء والأجداد، وحتى في طفولتنا وزمن المراهقة، لم تكن مثل هذه المفردات مستعملة في قاموسنا اللغوي المغربي الدارج، ولا في اللسان العربي الفصيح. ولكنها بعد ذلك، ستظهر لاحقًا وتباعًا، مُعلنة بذلك عن ميلاد عهد جديد، وبمواصفات النقيض الذي كان ساكنًا في أعماقنا. هذه المتغيّرات أفسدت علينا براءتنا القروية، وفطرتنا العربية الأمازيغية الأصيلة، ومعدن الصلصال المغربي النقيّ، هو الذي كنا نمسح به ألواحنا الخشبية من الصمغ بالكُتّاب في الجامع، وبه حفظنا سورًا وآيات بيّنات من كتاب الله عزّ وجل. أتى هذا النقيض فينا، وأجهز على كل شيء كان صادقًا وجميلًا في حياتنا. لكنني، وأنا اليوم أسكن المدينة، أصبحت في كل مرة مضطرًّا إلى استعمالها، وبلغت بي الذروة بشكل تدريجي، دون رغبة مني طبعًا، ألّا أجد حرجًا في استعمالها منذ سنوات. وكانت البداية في هذا التحول السوسيوثقافي الرهيب، هو الذي نعيش فصوله اليوم في المجتمع المغربي. وأعترف أنني لم أكن أطيق هذه التعابير الحربائية في البداية، ولكنني اليوم أصبحت غير قادر على الاستغناء عنها. ومع ذلك، لا أنكر أنها أنقذتني في أكثر المواقف حرجًا وإحراجًا، وإن كنت غير مرتاح للاحتماء بضبابيتها. ولكن، قد يكون الضغط اليومي والمجتمعي هو من جعلها، رغمًا عنا، مخرجًا من المخارج السليمة في حياتنا، وتتطلب الدبلوماسية الموازية أن نستعملها، من حين لآخر، مضطرّين في حياتنا اليومية...!