الناظور: توقيف شخص متلبس بحيازة 3 كيلوغرامات و800 غرام من مخدر الهيروين    تدخل السلطات العمومية في ظل حالة الطوارئ المعلنة .. مقاربة حقوقية قانونية    البريد بنك يتيح تأجيل سداد أقساط قروض زبنائه المتضررين من أزمة كورونا    كورونا يهدد بنسف موسم الحج    الحسيمة.. مجلس جماعة النكور يدعم الاسر المتضررة ويساهم في صندوق كورونا    اليوبي: "4980 هو عدد المخالطين للمصابين بفيروس 'كورونا' داخل المغرب .. 3112 منهم يخضعون حالياً للمراقبة والتتبع"    الناظور.. إيقاف شخص بحوزته 3 كيلوغرامات و800 غرام من مخدر الهيروين    طقس الأربعاء.. زخات مطرية رعدية ومحلية بهذه المناطق    تنفيذا لدورية وزارة الداخلية.. جماعات الجديدة تستجيب لدعوات الدعم الاجتماعي للمعوزين    كورونا.. وزارة الصحة تكشف حقيقة اقتناء 100 ألف جهاز كشف من كوريا الجنوبية    وفيات “كورونا” في الولايات المتحدة تتجاوز الصين    حوالي 600 ألف عامل ومستخدم مغربي يفقدون وظائفهم بسبب "كورونا"    أصيلة.. إعفاء المندوب الفرعي للصيد البحري    وزيرة الخارجية الاسبانية: لا تغيير في توافق المغرب وإسبانيا في موضوع الحدود البحرية    مندوبية التخطيط تكشف معطيات التجارة الخارجية    حوادث السير في المدن .. 5 قتلى و271 جريحا    فيروس كورونا.. 499 وفاة جديدة و9444 مريضا يتماثلون للشفاء بفرنسا    تجار "ڭراج علال" يتبرعون بكاميرات لمستشفى ابن رشد    فريق عمل يتجنّد لتوفير دروس مصورة في خريبكة    السلطات تكثف حملاتها لمراقبة الأسعار ومحاربة الاحتكار بإقليم الحسيمة (فيديو)    بنجرير .. نساء ورجال الأمن ينخرطون في حملة للتبرع بالدم        نقابيون يشتكون من عبيابة للعثماني بسبب “تنقيلات تعسفية” في ظل الجائحة    الأمير هاري يرد على ترامب بعدما طلب منه دفع مصاريف تأمين الحماية    غرامة مالية لحاريث بعد خرقه الحجر الصحي    حوار مع المحامي رشيد وهابي حول تأثير كوفيد-19 على عقود العمال من ضحايا الفيروس    بنشعبون يدعو إلى تسهيل إبرام الصفقات العمومية    أمي : عنوان قصيدة شعرية جديدة للشاعر الدكتور عبد الله الكرني    هذه مقاييس التساقطات المطرية المسجلة بجهات المملكة    الCCM يقترح 25 فيلما سينمائيا يعرضون مجانا خلال فترة الحجر الصحي- القائمة    إلى أثرياء المملكة: فكروا بغيركم لتسعدوا بثرواتكم    اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج : الفنان القدير عبد الهادي بلخياط يقول لكم «بقاو ف ديوركم»    بعد استفاقته من الغيبوبة.. أياكس يلغي عقد لاعبه عبد الحق نوري    مهرجان مراكش تضع مبلغ 200 مليون ضد "كورونا"    تقرير طبي للحسم في مكان مبارتي الوداد والرجاء    السجون: شقيقة بطمة وغلامور لا تستفيدان من أية امتيازات تفضيلية في بلاغ لها    رضوان غنيمي: خالق الإشاعة خائن لمجتمعه    قنصلية المغرب بميلانو: جميع المغاربة المتوفين بفيروس “كورونا” دفنوا في مقابر إسلامية وفقا للطقوس المتعارف عليها    القرض الفلاحي يعلن تأجيل سداد قروض السكن وقروض الاستهلاك    لزرق: لا يمكن تعليق أو تأجيل افتتاح البرلمان إلا عند إعلان حل أحد مجلسي البرلمان أو هما معا    مجلس جهة الرباط سلا القنيطرة يخصص 20 مليون درهم لاقتناء مواد وتجهيزات التعقيم    "تأجيل" دورة ألعاب البحر المتوسط إلى 2022    0.8 في المائة معدل وفيات كورونا بألمانيا.. وتحذيرات من استمرار الجائحة لأسابيع وشهور    نقيب هيئة المحامين بمراكش يعلن إصابته بفيروس كورونا    استقرار عدد المصابين ب “كورونا” في المغرب    التعاونية الفلاحية كوباك-جودة تتكفل بالاحتياجات الأساسية ل 3000 أسرة لمدة شهر    حسن الظن بالله في زمن الحجر الصحي    وفاة نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام في فرنسا    ابتداء من هذا التاريخ.. ممنوع ركوب أكثر من شخصين بشاحنات نقل البضائع قرار وزاري    حضروا حفل زفاف بأكادير.. وفاة 3 يهود مغاربة بسبب فيروس “كورونا” تم رصد 16 حالة إصابة في صفوف اليهود المغاربة    كورونا يؤجل حسم نزاعات الوداد الرياضي في المحكمة الدولية    تصريح مقلق لمنظمة الصحة العالمية: وباء “كورونا” أبعد ما يكون عن الانتهاء في آسيا    زياش فنان في الملعب والمطبخ … يستغل الحجر الصحي ويحضر وجبة مغربية    "قْرَا فْدَارْكْ".. وسم يشجّع المغاربة على القراءة في زمن الحَجْر الصحي    الاختلاف في ظرف الائتلاف    الحجر الصّحي بين وصايا العلم وتوجيهات النبي ﷺ    الإدريسي: كونوا إيجابيين    حماة الوطن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





النيكروفيلية الداعشية
نشر في الاتحاد الاشتراكي يوم 01 - 12 - 2015

تُعاش المعلمة التاريخية وينظر لها كإرث ثقافي يشهد على تقدم الثقافة المشتركة لجماعة بشرية ما كخير عام، يساهم بالقليل أو بالكثير في بناء الوعي الجماعي، وبالتالي الهوية المشتركة لهذه الجماعة. إنها ليست فقط أثار وزخرفات وأشياء ولوحات و «أصنام»، بل موضوع انتماء ومشاركة وجدانية في أمجاد شعب أو أمة، تورث جيلا عن جيل.
إذا كانت الحركات الإسلامية المتطرفة تستهدف بالضبط هذا الموروث، فإن الدوافع الأساسية معقدة ومتشعبة المشارب. على المستوى الرمزي المحظ، وبما أن هذه الحركات لا تعترف بالتاريخ الإسلامي، وتعبر عن ذلك علانية، فإن ذلك يعني بأنها تحاول ضرب الهوية الموروثة في عمق تمثلات ذاتها وثقافتها. لكن هذا الرمز يعبر في العمق كذلك على وعي هذه الجماعات بأنها لا تستطيع مهما اجتهدت النجاح في بناء هوية جديدة للأمة المسلمة، ويكون الهدم في هذه الحالة أسهل من البناء، تحت ذرائع مختلفة. إنه إذن الهدم من أجل الهدم، لأن هذا الموروث الثقافي الجماعي يعتبر تهديدا في وجه المشروع السياسي لهذه الحركات.
علاوة على ذلك، فإن الإقدام على تخريب الثقافة بهذه الطريقة، هو تعبير واضح على أن المُخرب لا يتمتع بأي حس ذوقي وفني، وهذا ما يتضح من كل المنظومة الأيديلوجية للحركات المتعصبة، التي تشتغل باسم الإسلام، وما لها من هذا الأخير إلا الإسم. تمطر إذن وابل غضبها، في حقدها على الفن بصفة عامة، على كل ما تصل إليه أقدامها و أيديها. إنه الفن في حد ذاته، كتعبير حر وكإبداع وخلق الذي يقلق راحة المتطرف، لأن هدفه هو «صنع» بشر يسجنون عقولهم وكفاءاتهم الإنسانية عن طواعية أو تحت تهديد السيف. فالفن في كل تجلياته يعني الحرية وهو بالنسبة للإنسان المبدع إمكانية للتعبير عن ذاته خارج الحدود المرسومة للرقابة المتطرفة. وهذه الأخير في حاجة لخراف ونعاج، وليس لنسور تحلق في الفضاء الواسع للوجود وتتفنن، مساهمة منها في بناء هوية مشتركة متنوعة وغنية من حيث المضامين والمواضيع. ونقصد هنا بالفن، كل ما له صلة عن قريب أو بعيد بالخلق، سواء أكان شعرا أو أغنية أو رقص أو لوحة تشكيلية إلخ. إن محاولة ضرب الإنسان في أعمق وأهم ما يملكه. فقد يُقضى على كل شيئ في الإنسان إلا هذا الجانب، لأن كل إنسان إنسان: كيفما كان وحيثما كان، يملك في طبيعته قدرا ما من الإبداع. وهذا الأخير هو موهبة، قد نعتبرها فطرية في كل إنسان، تتطور إذا أتيحت لها الظروف التربوية والإجتماعية والثقافية المناسبة، بل يمكن أن تتفتح وتأتي بأكلها حتى في فترات الأزمات وتظهر ملامحها بوضوح في الفترات الإنتقالية لأية أمة. وعلى هذا الأساس، فإن هدم المعالم التاريخية من طرف المتطرفين المتأسلمين، ما هو في العمق إلا حث للمبدعين المسلمين على إيقاظ ملكة الخلق فيهم، لكي يستمر على الرغم من عبث العابثين. فلا يمكن القضاء على روح الأمة بهدم مآثرها، أي تاريخها المادي الملموس، بقدر ما تعطى لهذه الروح دفعة جديدة للإنتعاش والذوذ عن نفسها بكل ما أوتيت من طاقة خلق وإبداع.
إذا كان إقدام المتطرف على هدم الآثار التاريخية للأمة يعبر عن شيئ، فإنما يعبر عن الفقر الوجودي للحركات المتطرفة وعدم توازنها النفسي وحقدها على المجتمعات التي تحاول أن تدجن بأية وسيلة كانت. إضافة إلى هذا، فإن إحساسها بقوتها ووعيها بجبروتها يسمح لها بعيش أعمال الهدم هذه بتمثل خاص عن الله نفسه، بما أنها تعتبر نفسها الوارث الشرعي لله على الأرض والممثل الوحيد له. لكن في اللاوعي العميق لهذه الحركات، هناك يقين بأنها لن تنجح في تحقيق مشروعها، وبما أنها تكره العالم بأسره، فإن النزعة النيكروفيلية الهدامة تجد أحسن تعبير عنها في هدم كل ما يرمز إلى هوية الأمة المسلمة، مادامت في نظرها غير مسلمة. وبما أن هذا الهدم غير بناء، فإنه يرمز كذاك إلى هدم الذات بذاتها، كما يحدث لأي شخص عندما تصل به كراهية الحياة والبشر والله نفسه إلى ذروتها عنده وينتحر إلى غير رجعة.
أما الجانب الآخر للهدم فيتمثل في عمل هذه الحركات على الإستغلال الإقتصادي للموروث الثقافي الإسلامي ببيع ما يمكنها بيعه من خلال عملية هدمها للمتاحف والآثار التاريخية، لتمويل مخططاتها الظلامية. ولعل أعمق هدف لها هو ليس فقط مسح الهوية المعمارية والفنية للأمة، بل هذا التعامل البرغماتي المحض مع هذا الموروث. ومن خلاله يمكن التأكيد بأن همها الأساسي هو بيع كل الأمة، ماديا ومعنويا.
وفوق كل هذا، فإن الأساس النفسي الملازم لعمليات التخريب هذه، هو ميول نيكروفيلي، كما نظر له المحلل النفسي الألماني إيريك فروم. فالنيكروفيلية في مختلف بحوثه تعني باختصار شديد تفضيل الموت عن الحياة، بل الرغبة فيه لذاته. فالمحرك الأساسي للنيكروفيلي هو رغبته في القضاء على كل ما هو حي، سواء أكانت الحياة فعلية أو رمزية. والمعلمة التاريخية تعبر عن حياة رمزية، أو الإستمرار في الحياة لثقافة أو حضارة معينة. وبهذا يستوجب، من منظور متطرف، القضاء على المعلمة، أي على الحياة الرمزية للأمة. والنيكروفيلية مرتبطة ارتباطا عضويا في أطروحات فروم بميول الطبع التسلطي والسلطوي. فهو يميز بين السلطة «الإيجابية»، التي تستمد شرعيتها من الكفاءات البيوفيلية (المحبة للحياة) والمشجعة عليها، كسلطة القاضي أو القاضية العادلين أو سلطة المدرس، الذي يرغب أن يربي أجيالا تؤمن بالحياة وتعمل على تحسين ظروفها، أو سلطة دولة تسير الشأن العام، طبقا لمطلبات شعبها لكي يعيش حياة بيوفيلية كريمة. أما السلطة «السلبية»، فهي عكس الأولى، لا يهمها البشر كبشر، بل الهدم في حد ذاته. فإما الوصول بالشعوب إلى سلطوية مكلقة، إلى طوطاليرية حقيقية، أو الموت، ما دام هو الحبيب الوحيد في المعيش الداخلي للمتطرف.
الجذير بالذكر هو أن المرء يمكنه أن يربط مفهومي النيكروفيليا والبيوفيليا لفروم بمبدأ الخير والشر، أي الثنائية القديمة للعالم. الفرق بين النيكروفيلي هو أنه ليس فقط شريرا بطبعه، بل يتجاوز كل مستويات الشر، ليصل إلى جوهر الشر ذاته، أي يصبح شيطانا رجيما، فَقَدَ كل احترام لذاته كإنسان، بل لا يعير للذات أية قيمة تذكر، لأنها في تمثله الوجداني مصدر عذاباته وهوسه وعقده النفسية والوجودية. بمعنى أن النيكروفيلي يفقد كل صلة بملكة تمثل الواقع، ليؤسس بديلا نرجسيا محضا، لا يؤمن لا بما سبق ولا بما هو ولا بما سيأتي، إيمانه الوحيد هو حب القتل والهدم والموت حبا فيها وليس في الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.