أمضت الجماعة أكثر من ثمانين عاما فى الظل بسبب القهر الحكومى، لا تحظى إلا بتأييد شعبى على أفضل التقديرات، أو تعاطف وشفقة من المختلفين معهم على أسوأها. كان من يهاجم الجماعة، ينال اشمئزازا شعبيا، ويوصف بأنه »أمنجى«، وقد كانت كاتبة هذه السطور أول من يحتقر من يهاجم الجماعة بضراوة، نظرا لأننى كنت أرى أن الهجوم على أسرى ومضطهدين خلُق لا يتسم بالفروسية أو النبل. وظلت الأساطير الشعبية تحاك حول خيرية الجماعة، وتقواها، مثل ابن غير شرعى للسلطة، أخفاه أبوه فى قبو لأنه يخجل منه، والناس تلوم الأب على ظلمه لابنه الذى لا يجب أن يدفع ثمن خطأ والديه، بل ويختلقون الحكايات عن بدع هذا الابن، وخيره، خصوصا أن أباه ظالم، حتى هلك الأب وأخرج الناس الابن من القبو، فإذا بالابن هو نسخة من »كركر« الذى جسده محمد سعد فى فيلم يحمل نفس الاسم، هاج وماج وطاح فى الخلق، بمن فيهم من أخرجوه من القبو رحمة به، وأمسى الناس لا يعلمون أيُشفقون على الابن الأبله أم يبحثون عن وسيلة لتحجيم ضرره؟ متى سقطت الجماعة؟ الجماعة تعرضت لكل صنوف الاضطهاد الذى يمكن لسلطة أن تمارسه على مجموعة بشرية، لكنها لم تسقط إلا حين رفع عنها الاضطهاد وتقلدت الحكم، فإذا بالناس تقول: يا نهار أسود والمنيل.. دول طلعوا هبل. الحقيقة أننى لا أرى أى حنكة أو حكمة فى مسلك السلطة الحالية تجاه الجماعة، وكل ما أراه هو محاولة لإعادة إنتاج عصور القهر التى كانت الجماعة تقتات عليه لتستمر فى التنفس ما يزيد عن ثمانين عاما، وأرى المزاج العام مشجعا لهذه المحاولات غير الحكيمة، التى لن تفعل شيئا سوى أن ترفع أسهم الجماعة دوليا وعربيا، وتعطيها قبلة الحياة محليا. إلا أن الجماعة من جانبها لا تفوت فرصة تأتيها إلا وتثبت للرأى العام أنها لا تستحق الشفقة، والحكاية كده اتعكت وبقى موضوع مكعبل. ما الذى استفادته الجماعة من ضرب الصحفيين والمراسلات فى أثناء محاكمة المعزول وهم فى أمسّ الحاجة إلى قناة إعلامية تنقل وجهة نظرهم؟ إلى جانب متاجرتهم الدائمة بتعدى السلطات على النساء الإخوانيات اللاتى يطلق عليهن إعلام الجماعة: الحرائر. فما الرسالة التى كانت الجماعة تريد إيصالها عبر التعدى على نساء لسن من الجماعة؟ الرسالة الوحيدة التى فهمتها هى: إحنا حرائر.. إنتو كلاب. وما الذى استفاده المعزول والمقدمون معه إلى المحاكمة حين بدوا جميعا بمظهر المخابيل المنفصلين عن الواقع، وأجبروا حتى بعض المتعاطفين معهم، على السخرية من هذيان معزولهم: أنا الرئيس الشرعى، روحونى عشان أنا ورايا شغل، إيه الميكروفون اللى قدامك ده؟ هاته أنا عايز أتكلم فيه.. بينما القاضى يخاطبه كما كان عم مدبولى يخاطب قناوى فى فيلم »باب الحديد«: إلبس لبس الحبس الاحتياطى.. لما ييجى دورك حتتكلم.. مش حينفع كده... طب وكّل محامى عنك.. ولماذا يصر المعزول وأنصاره على تذكيرنا بمبارك وأنصاره، وكيف أن مبارك جلس مثل أى عاقل فى القفص، وهو بداخله يشعر هو الآخر أنه رئيس شرعى، وأن ما حدث ضده مؤامرة، لكنه لم يأت بأفعال تحطّ من كرامته أمام الجميع كما فعل المعزول؟ ولماذا يدفعون الناس دفعا للقول بأن الشيخة ماجدة ومن حولها من »أبناء مبارك« لم يقوموا بالتعدى على الصحافة، ولم يهددوا بحرق البلاد، ولم يقطعوا الطرق؟ ثم لماذا بعد كل ذلك يصرون على عدم مراجعة مواقفهم، بل ومحاولة إقناعنا، عبر لجانهم الإلكترونية بأن ما حدث فى عنبر العقلاء هو قمة الصمود؟ طيب أنتم ترونه قمة الصمود، أشيروا إلى شخص واحد كان ضد المعزول ثم راجع موقفه عقب ما حدث فى المحكمة وخارجها. دفعت سلوكيات السلطة والإعلام الجوبلزى حيال الجماعة عددا لا بأس به من الناس إلى التراجع عن الهجوم على الجماعة، نظرا لأن السلطة الحالية تصر على تقديمهم بوصفهم ضحايا، لكن الجماعة ذاتها، تُقدم على كل التصرفات التى تجعل بعض المتعاطفين معها يراجعون مواقفهم من جانب آخر، فكلما تملكت الجماعة من أى قوة، ولو رمزية، تمكنت من فض الناس من حولها، وبعد أن يبذلوا دماء ومعتقلين من أجل تسول تعاطف »باتنين جنيه«، يخسروا أضعافه بمجرد أن يفتحوا أفواههم. أرى طرفَى صراع كل منهما لا يحسن إدارة معركته، بل يصر على أن يخسرها، واحنا حنفضل فى المراجيح دى كتير؟ حد فيكو يكسب خلينا نخلص.