يعقد الرأي العام المغربي تطلعات عميقة، غير مسبوقة حول اجتماع أبريل السنوي لمجلس الأمن الأممي حول قضية المغاربة الأولى المتعلقة بالوحدة الترابية، ولا تفصلهم سوى أقل من أسبوعين عن الجلسة الأولى للهيئة التنفيذية للأمم المتحدة لمعرفة نتيجة تنفيذ القرار 2797 الصادر في أكتوبر الماضي، والذي كرَّس مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية وحوَّله إلى قرار أممي حظي بأوسع توافق دولي حول طبيعة الحل، وحول الأطراف الإقليمية المعنية به، وهي المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا. وينتظر المغاربة التقرير الذي سيقدمه المبعوث الأممي «ستافان دي ميستورا» حول الجلسات الثلاث التي عقدتها الأطراف الأربعة، في كل من مدريدوواشنطن، في الفترة ما بين يناير وفبراير ومارس الماضيين، تحت المظلة الأممية – الأمريكية المشتركة، بخصوص تنفيذ القرار الصادر يوم 31 أكتوبر 2025. وهذا التقرير سيقدم نظرة واضحة عمَّا تم إحرازه من تقدم، وما يسجله تطبيق القرار الأممي من تطورات أو اختلافات. كما سيستمع أعضاء المجلس الأممي لتقرير حول مهمة البعثة الأممية «المينورسو»، وعن آفاق «المراجعة الاستراتيجية» لمهامها، كما نصَّ على ذلك القرار المذكور. ولا يقل الانتظار المغربي عن وضع نقطة النهاية لهذا الملف الذي طال لمدة نصف قرن من الزمن، أرخى خلالها ظلاله على المنطقة وعلى البلاد، لكن الحرب، الدائرة حاليا في الشرق الأوسط ترخي بدورها بظلالها على الملف، وهناك تخوفات حقيقية بأن يتباطأ زمن الحل نظرا لانشغالات «حاملة القلم» فيه، الولاياتالمتحدةالأمريكية بحربها في المنطقة. أولا لكون الأطراف المعنية بها أي إسرائيل وأمريكا من جهة ودول الخليج العربي من جهة ثانية وإيران من جهة ثالثة للمغرب معها علاقات متباينة الطبيعة والدرجة. توترا مع إيران سببه موقفها العدائي من قضية وحدته الترابية، وتحالفا، مع دول مجلس التعاون الخليجي الداعم القوي لوحدة المغرب في كل المحطات والمنتديات، في حين أن اتفاقا ثلاثيا يربط بين الرباطوواشنطن وتل أبيب، منذ 2020. وله علاقة وثيقة بتغيرات الموقف الأمريكي، الداعم لسيادة مغربية على الصحراء، وانعكس على مواقف الكثير من العواصم المؤثرة في الملف.. ولا يخفى عن المتتبع أن أي تغيير يمس أولويات هاته الأطراف، لا سيما واشنطن، قد يكون له انعكاس على زمن وإيقاع الحل. كما أن الوضع الذي سيترتب عن الحرب، خصوصا بالنسبة للدول العربية في المنطقة، سيكون له تأثيره على قوة حضورها الدولي وأولوياتها الخاصة، وإن كان الطرفان المغربي والخليجي قد ربطا بين أمنهما المشترك ربطا جدليا ومصيريا (أمننا من أمنكم والعكس) في عز الحرب...ومن صالح المغرب، أن تكون نتائج المحادثات الجارية في باكستان بين أطراف الحرب إيجابية بالنسبة لأشقائه العرب. وقد أعربت المملكة، في البلاغ الصادر عن وزارة الخارجية «عن أملها في أن تفضي هذه المفاوضات إلى سلام دائم يعزز الاستقرار في المنطقة ويراعي المصالح العليا للبلدان العربية الشقيقة في الخليج". واضح جدا أن المغرب يضع في حسبانه نتائج الحرب والمفاوضات، وهو يدرك بأن تأثيرها سيكون ملموسا، من خلال معادلات الخارج والداخل بالنسبة له. خارجيا، سيكون عليه تدبير المرحلة، والضغط من أجل أن يحافظ تدبير الملف بأفق الحل داخل الآجال المعلنة سواء من طرف حاملة القلم أم من خلال قرارات مجلس الأمن، وتفادي التمطيط ومحاولة ربح الوقت من طرف من يعاكسون إرادة الحل الدولي.. إضافة إلى تدبير التعامل مع الأولويات الجديدة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث يلعب دورا مهما كعنصر سلام واستقرار… ومن الوارد وسط جزء من نخبة المغاربة، ألا تكون الحرب التي دارت في الشرق الأوسط منذ نهاية فبراير في خدمة المغرب، واستراتيجيته في طي الملف، رسميا ونهائيا.. وهناك كذلك الاحتمال بأن تشغل الحرب الإيرانية الأجندة الأمريكية كلها كما قد تخلق شروطا جيوسياسية جديدة يمكنها أن تؤثر في الحل وتسريعه مع الوقت، وتقليص هامش الأطراف الأخرى في التخفيف من حرارة الاندفاعة الدولية، والأمريكية خصوصا، نحو الحل. وعليه أن يتعامل مجددا بما توفر لديه من خبرة ميدانية مع تقلبات الوضع الدولي والإقليمي. فقد اضطر المغرب إلى «مجازفات» جيوستراتيجية كبيرة لكي يتحرر من «ابتزازه» في قضية الصحراء، كان من أهم ملامحها المواجهة العلنية حينا والصامتة أحيانا أخرى مع القوى القريبة من الملف تاريخيا: فرنسا وإسبانيا وألمانيا حيث وصلت الخلافات إلى حروب معلنة وخفية، وجفاء بين عواصم هاته الدول والرباط. وعليه، أدرك ضرورة بل إجبارية تنويع شراكاته، وإعادة «تجديد تعاقداته الاستراتيجية» مع حلفائه التقليديين في الغرب، والتوجه نحو الصين وروسيا والهند للإفلات من إكراهات التّموْقع الواحد، ومصادر الدعم الوحيدة، بالسلاح أو بالتكتل السياسي. المغرب لم يسْتكن كذلك إلى القرار الذي جعل من تاريخ صدوره يوما وطنيا للوحدة، بل سعى إلى الرفع من التأمين السياسي لهذا الأفق ، ونشير هنا إلى دينامية مساندة مخطط الحكم الذاتي، المتواصلة من كينيا إلى مالي...مرورا بمصر وكوستاريكا، الأراضي المنخفضة والسويد والاتحاد الأوروبي وفنلندا… لم تتراجع دينامية الحكم الذاتي، والاحتضان الدولي منذ صدور القرار الأممي. التوقيت الحالي، على أبو اب انعقاد جلْستيْ مجلس الأمن حول الصحراء، ولا شك، يخدم جيدا الديبلوماسية المغربية في ملفها الوجودي.. كما أنه لن يمر بتأثير قاري، حيث إن المواقف الافريقية ستزيد من ضيق الهامش أمام دعاة الانفصال داخل الاتحاد الافريقي، واقتراب ساعة نهاية العضوية «المسروقة» داخله... على المستوى الداخلي، كان للحرب نصيبها من الاصطفافات وعودة نقاشات تبدو «فكرية أو مبدئية»، حول قضية تعتبر في المغرب رديفة الوحدة التي يسعى إلى تحويلها إلى رافعة للقوة، حيث الصحراء قدر وجودي لا يمكن القفز عليه، لا بد من حسم ملفها للانتفال إلى مرحلة أخرى من قوة البلد الإقليمية... وقد كانت الحرب مناسبة جديدة لإثارة مواقف لا تحظى بالقوة نفسها في العالمين الإسلامي والعربي، خصوصا ذلك النقاش الذي تجدد حول العلاقة بين الأمة ، والأممية والوطنية…. وهو نقاش يحضر في تأطير خطابات جزء من القوى الإسلامية (المؤسساتية منها وغير المؤسساتية)، والتي تعود إلى جُملة الأمة لبناء خطابها المعارض: حيث الحرب الإيرانية معيار الانتماء إلى الأمة في الأجندة السياسية، ولو تطلب ذلك تأجيل الوطن إلى حين تنتصر الأمة في شخص إيران.. التي تغفر لها هاته الفصائل معاداتها للسيادة الترابية للبلاد. الخطاب الوطني المناهض لمثل هذه الاختزالية يتساءل في المقابل: أليس التراب المغربي جزءا من تراب الأمة؟ ألا يعني تحريره وتوحيده جزءا من تحرير الأمة وتوحيدها؟ أليست إمارة المؤمنين بالمغرب هي الحالة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تتأسس على القانون العام الإسلامي والخطاب الشرعي؟ وهذه الأسئلة ليست من الترف الفكري في مغرب يتفاعل مع القضايا العربية الإسلامية بقوة، وتعتبر فيه البيعة التي تتأسس عليها الوحدة المذهبية بيعة ترابية كذلك. وإمارةُ المؤمنين تعاقدا ترابيا إلى جانب التعاقدات السياسية والشرعية. في الطرف الآخر من الحلف المناهض للوطنية الحاسمة هناك الأممية اليسارية التي لا تطمئن، نظرا لتِأثرها بتراث غربي حول التجربة الأوروبية في الوطنية غير المنفتحة، وتحضر في طياتها فكرة الوطن كاحتمال برجوازي صغير قد يفتح الباب نحو الفاشية، أكثر منه أرضا للقتال على الوجود والحرية والحق في الشخصية المتميزة. ولعل جزءا من اليسار النشيط حاليا لم تكن قضية الصحراء بالنسبة له ذات منحى تحرري، ومنه من دافع عن الانفصال ومنه من وقع مع البوليزاريو بيانات «البؤرة الثورية» في السبعينيات، ( في وقت رفضتها أحزاب راديكالية كما هو حال اليسار الموزمبيقي!).. بالرغم من أن الأممية الشيوعية وتفرعاتها لم تعد موجودة، فإن حقلها الذهني ما زال يُهْيكل تفكير بعض التيارات اليسارية الراديكالية بخصوص فكرة الوطن! خلاصة القول إن للحرب ظلالها في الفضاء العام، من خلال الاحتدام القوي والاحتراز القاسي حولها، بين من يرى أن من الممكن "التعليق المؤقت " لقضية الصحراء من أجل «ما هو أكبر منها»، الأمة.. والأممية.. وبين الأغلبية الساحقة التي باتت تعتبر بأن المعيار الوطني هو الحكم في الاصطفافات التي تقع دوليا، باعتبار أن ذلك هو ديدن الجيو- سياسات الحالية في العالم. والدعوة إلى الاصطفاف على قاعدة الحرب، تضم الإسلاميين العاملين داخل الحقل السياسي، أي حزب «العدالة والتنمية»، والذي ترأس الحكومة في المغرب بعد الربيع العربي لعشر سنوات متتالية، وهو من وقع على الاتفاق الثلاثي الذي يلزم المغرب بتحالفاته الدولية كما أنه يعكس أولوية قضية الصحراء في تقدير المواقف الدولية للمغرب. ولعل مما يزيد من تفرده في هذه «الانعطافة» أنه لم يكن جزءا من التعاقد الوطني الأصلي، الذي تأسس في أربعينيات القرن الماضي بين الحركة الوطنية والملكية، وإن كان قد دخل الحقل السياسي بمباركة أحد وجوه هذا التعاقد «الحركة الشعبية الديمقراطية الدستورية» بقيادة الدكتور الخطيب رحمه الله. وينضم إليهم الإسلاميون الذين يحاجوُّن في الملكية ذاتها من زاوية "الملك العضوض"، وهم جماعة «العدل والاحسان»، والتي لم «تنفسخ» عن جلدها الأصيل بعد، وما زالت تراوح وجودها بين الحركة الدعوية والحركية السياسية الباحثة عن التموقع من خلال المنازعة في إمارة المؤمنين، قاعدة البيعة الترابية في المغرب وقاعدة الحكم، والتي من خلالها يقود العقل السيادي في الدولة معارك التحديث والتعدد اللغوي والقيم الكونية.. التي لا تساير هوى الجماعة «المهدوي» .... ومجمل القول إن شهر أبريل الذي سيحدد مسارات الحل ووتيرتها الزمنية، هو شهر يحافظ على مزاجه الحاد، دوليا وداخليا، لكنه هذه السنة شهر لن يتكرر...بالحرب أو بالسلم!