تحتل مسألة التصوف الشعبي في المغرب مكانة عظيمة وإشكالية في نفس الوقت، ولذلك استرعت انتباه الباحثين الكولونياليين عن بكرة أبيهم لغرابتها ومفارقاتها، وأثارت حنق الحركة الوطنية التي رأت فيها انحرافا عن الإسلام السّني الصحيح وابتعادا عن الفطرة الروحية السليمة.. وقد نجم عن هذا الوضع أن الكتاب المغاربة، حتى أكثرهم استقصاء، قد أداروا ظهرهم لهذه الممارسة، بينما تولاّها بالبحث والتحليل الدارسون الأجانب وخاصة منهم الفرنسيين. وهذه النصوص التي نترجمها للقارئ هنا قاسمُها المشترك هو الانكباب على ظاهرة الطوائف الدينية بالمغرب (عيساوة، درقاوة، احمادشة، هداوة، كناوة..)، بقليل أو كثير من التعمق، ولكن بتتبّع دقيق لخيوطها، ونبش لجذورها، وكشف عن مُضمراتها..والأهم من ذلك بتلك العين الأجنبية الفاحصة التي تقرأ بفضول واقعنا الديني في تلك الحقبة الغابرة من تاريخنا. (عن كتاب «رهبان الإسلام المتجولون» 1955، روني برونيل) لا تعلن الطريقة الهداوية عن الانتماء إلى أي مذهب صوفي معروف، مثل المذهب الجازولي أو الشاذلي، وإنما يدّعي سيدي هدي أنه أخذ طريقته مباشرة عن الله. غير أن جميع القرائن تدلّنا على اقتراب الطائفة الهداوية من التقليد الرهباني الشرقي كما مورس منذ العهود الأولى للتنسّك الإسلامي. وما يعزّز هذا الرأي أن سيدي هدي لا يربط مذهبه بأي إسناد صوفي باستثناء إعلانه أنه أخذ "المرقّعة" أي الدربالة عن مولاي عبد القادر الجيلالي. كما أن هذه الطائفة لا تمارس الرقص أو الشطح كما تفعل ذلك طوائف الإسلام الشعبي الأخرى، وإنما تكتفي بالجذب الذي يكون بالاقتصار على تحريك الرأس وشيء من الجذع يمينا وشمالا وهو ما يؤدي مع مرور الوقت إلى "الحال" أي إلى غياب العقل وحصول النشوة..وهكذا تبقى أرجل هداوة ثابتة ولا تغادر الأرض على عكس الأمر الذي يحصل عند عيساوة وحمادشة. وخلال الحضرة الهداوية يجري استعمال الطبل والهرّاز، وهذه الآلة الأخيرة هي عبارة عن كوال كبير الحجم مصنوع من الطين ومغطى من أحد جانبيه بجلد حيوان. وتشترك الطائفة الهداوية في النقر عليه مع حمادشة، بل تروي الأسطورة بأن سيدي هدي نفسه كان قد أخذه عن شيخهم سيدي علي بن حمدوش.. ويضع الهداوي الهرّاز على كتفه الأيمن وهو مائل الرأس قليلا، وينقر عليه بيديه معا على إيقاع يسمّونه "الثثليث" أي ثلاث نقرات على ثلاث نقرات، وهكذا ينشد هداوة أذكارهم مصحوبين بإيقاعات الهراز والطبل ومن هنا أطلق عليهم "مّالين الطبولا والهرارز". ويخطئ من يزعم وجود ذكر هداوي خالص، أي متميز وقائم الذات إسوة بأذكار الطوائف الأخرى، فغاية ما يتوفرون عليه غناء هو عبارة عن إنشاد حرّ لا أثر فيه للغة القرآنية. ففي إنشاد مولاي الطيب وسيدي هدي لا نعثر سوى على متوالية من الأدعية التي تبتهل إلى الإله والنبي والأولياء يتخللها التكرار وترصّعها بين الحين والآخر بعض العبارات الصوفية المستمدة من مصادر متباينة. وهي لذلك لا تصلح كأدعية تميز هذه الطائفة عن غيرها، فما أبعدها عن تلك "الأوراد" و"الأحزاب" الطويلة والمعقدة التي نجدها عند الطائفة الكتانية أو التيجانية ولا حتى عند طائفة عيساوة قريبة الشبه بهداوة. وهذا نموذج منها: باسم الله وبالله يا ربي والحمد لله لا إله إلا الله خاتمها رسول الله. ونخلص من ذلك إلى القول بأن الطقوس الهداوية تعاني من نفس الافتقار والإذقاع الذي يطبع طريقتهم في عمومها، والسبب في ذلك هو أن سيدي هدي ورهابنته المشعّتين ذوي الأسمال الرثة لم يكونوا مؤهلين لتمكين طائفتهم من أدعية تكون في مستوى أهمية الطوائف الأخرى. ونحن نستشف نوعا من الرهبنة في العقيدة الهداوية، ذلك أن الراغب في الانتساب إلى "تابوهاليت" عليه أن ينضمّ، وهو يافع، إلى جماعة هداوة عندما تعبر منطقته ويضع نفسه في خدمة أربابها، فيتولّى جلب الماء لهم من العيون أو الوديان، والخشب من الحقول والمزارع، ويشاركهم في مدّ اليد والسعاية، ويغسل درابيلهم، ويرافقهم أينما حلّوا وارتحلوا بدون سؤال أو تردد...وهكذا يكون بوسع المنتسب الجديد أن يتشرّب مذهبهم ويتشبع بأوفاق طائفتهم. ويكون عليه بعد ذلك أن يحفظ "الذكر الهداوي" ويشارك في الحضرة والجذب، ويدمن على تدخين الكيف.. وأخيرا وإذا ما أراد أن يترهبن أي يصير هدّاويا بمعنى الكلمة فعليه أن يجتاز مرحلة التدريب بنجاح.. وفترة التدريب هاته ليست محددة زمنيا، كما لدى بعض الطوائف الأخرى، وإنما يعود تقديرها إلى المجمع الهداوي الذي يتخذ قرار قبوله في طائفتهم أو رفضه. وعندها يكون على المنتسب الجديد أن يخضع لعملية طقوسية إلزامية تقضي بقصّ شعره من طرف أكبر هداوة سنّا بحيث لا يُبقى منه سوى على دائرة صغيرة في قمة الرأس تسمّى "الشنتوف" وتكون هي العلامة المميزة لهداوة في جميع بقاع المغرب..وعليه بعد ذلك مباشرة أن يشتري إبريقا وكأسا وثلاث قفات ليضع فيها عدّته، ويتجهّز بثلاث عصيّ مختلفة الأحجام ليستعين بها على قضاء مآربه، ويحصل على ركيلة (نرجيلة) وإلا فيكفيه مجرد سبسي (غليون صغير) ومطوي (لحفظ الكيف)، ثم يُنهي استعداداته بشراء دربالة ومنقاش لقلع الأشواك التي تعلق بقدميه، ذلك أنه من الآن فصاعدا سوف يسير حافي القدمين..وفي كثير من الأحيان يتولى كبار هداوة أنفسهم صناعة دربالته بواسطة الأسمال الملتقطة هنا وهناك، ويأمرونه بأداء صلواته في أوقاتها وقراءة الذكر بانتظام..وإجمالا القطع نهائيا مع حياته الماضية ونسيان العوالم التي ألِفها والانخراط بشجاعة واقتناع في رحلة البؤس والحرمان التي يدعونه إليها. ويرى برونيل أن هذه الاقتضاءات المفروضة على المنتسب الجديد تجعل من هداوة طريقة شبيهة بمذهب الرهابنة المسيحيين في العصور السحيقة.