إن الذاكرة السياسية الوطنية للشعب والدولة توثّق الأفعال والقرارات الرسمية، كما تسجّل، بمقاربات ومرجعيات مختلفة، مسارات الأحداث والتحولات المرتبطة بالتدافع السياسي بين الحكومة وأحزاب وقوى الموالاة من جهة، وبين الشعب والأحزاب والمنظمات التي تتقاسم المبادئ والأهداف في ما بينها من جهة أخرى. وذلك باعتبارها نتاجًا لضرورات مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تتسبب فيها حكومات لا تُحسن تعديل سرعات التنمية، حتى يستوي ركب الشعب بتملكه الميداني لآليات التنمية المحققة لتمتعه اليومي بالعيش الكريم، وبامتلاكه لمفاتيح العلم والمعرفة. إن من العيوب المدمّرة والمعطِّلة لكل ما هو جميل وصالح، اعتماد سياسات رسمية لم تستطع أن تعدل بين أبناء الوطن، ولا بين طبقاته، ولا بين مناطقه؟! إن العقلية البيروقراطية، والتسلط، والاستخفاف بكرامة المواطنين والمواطنات الذين لا سند لهم يُنصفهم، ولا ملجأ يحميهم ويرفع عنهم المظالم والتعسفات التي يواجهونها كلما تقدموا لقضاء حاجياتهم أو طالبوا بحقوقهم، تترتب عنها أحيانًا، بسبب طرق معالجة الوضعيات، تظلمات أخرى تطال الأفراد والأسر، أو الدواوير، أو المناطق، أو المجالات. ولا شك أن مختلف تسميات الإدارات وأنواع المرافق العمومية، رغم ما تتضمنه قواعد تدبيرها وتأسيسها من إيجابيات ينص عليها الدستور، وتضبطها القوانين والتشريعات المؤطرة والأنظمة الداخلية، فإنها تظل في حاجة إلى التجديد والإصلاح والتحيين بما يتلاءم والالتزام السليم مع مصالح المرتفقين والمرتفقات خاصة، والمواطنين والمواطنات بصفة عامة. غير أن الإشكالات والسلبيات الناجمة عن التجاوزات والعقليات التي تتجسد في سلوكات بعض المسؤولين، وبعض الموظفين، وبعض المستخدمين، إضافة إلى الوسطاء و«الشناقة» ومنتهزي الفرص، تتسبب في إلحاق أضرار تمس الشعب وسمعة الوطن والمؤسسات على عدة مستويات: حقوقية، وإنسانية، وتنموية، وخدماتية، وتؤدي حتمًا إلى هدر أزمنة الناس والمؤسسات، وتؤثر سلبًا على ترتيبنا في مختلف مجالات التنمية البشرية عالميًا، إلخ. وفي هذا السياق، فإن الحديث عن تخليق الحياة العامة يضعنا أمام معايشة الناس لحقائق الأمور ضمن سياقات متعددة، من بينها: تخليق الحياة الإدارية وميادين تنزيلها داخل المكاتب، وفي الشوارع، والأسواق، إلخ. عقلنة العمل الحقوقي وأنسنة الخرجات الميدانية، المتعلقة على سبيل المثال بهدم البناء «العشوائي»، أو تحرير احتلال الملك العمومي، أو وضع المخططات العمرانية الحضرية والقروية، وما تتطلبه من تنفيذ أو تهيئة للمجالات، التي تختلف في توصيفها وواقعها وإكراهاتها ومدد وتاريخ عيش الساكنة بها: هل هي قديمة وأصيلة؟ أم مستحدثة قبل إحداث التشريعات الجديدة المنظمة للتعمير والمجالات العمرانية؟ وهل هي تدخلات آنية؟ إلخ. وفي علاقة بالموضوع، يُسجَّل ظهور «إعلامي» متباين بين موضوع التواصل الميداني ومستوى الخطاب الذي ينطق به المسؤول الرئيسي للجنة أو الخلية، والذي يُنشر عبر قنوات التواصل، بما قد يقلب الحالة من توصيف موضوع الحملة إلى توجيه اتهام يستهدف فردًا أو أسرة أو جماعة. مع العلم أنه في غالب الأحيان يتم التصوير دون إعلام أو موافقة المستهدف بالمعاينة أو الخرجة، مما يمس بخصوصيات مشاكل الناس ويُربك أسرهم، حيث يُقدَّم الأمر إخباريًا على أساس أن الإدارات على صواب، فيتحول المسؤولون إلى «أبطال»، مقابل خلق انطباع سلبي عن المواطن أو المواطنة. وعين العقل هو اعتماد التواصل ومعالجة المشاكل والخروقات مع المعنيين المباشرين، دون توظيف الإعلام إلا لضرورات تضبطها القوانين المؤطرة لعمليات التدخل، خاصة وأن الإشكال قد يُعرض على السلطات الأعلى من الجهة التي قامت بالتدخل، أو على القضاء الذي قد يكون له رأي مغاير. إن المتتبعين للتغطيات التي تبث عبر مواقع التواصل الاجتماعي، المواكبة لتحركات السلطات وكذا المؤسسات المنتخبة، يثيرون تساؤلات وملاحظات، لا شك أن الجهات المختصة بالمراقبة والتتبع داخل الإدارات المركزية تقيم ما يبلغ إلى علمها، وما تراه منشورًا ويطلع عليه الرأي العام المحلي، والإقليمي، والجهوي، والوطني، وحتى العالمي، كما يفعل المتتبعون لشؤون المجتمع من علماء الاجتماع، ومكاتب دراسات السياسات العمومية والمدنية، والقوى السياسية الديمقراطية، والمنظمات الحقوقية. ومن الإشكالات والملاحظات والمعيقات المحورية: تكريس تباين السرعات، عن علم أو بسبب غياب الفهم، في علاقة بالأفعال والتدخلات الميدانية، وهو ما ينجم عنه، في غياب حلول وبدائل معقولة، لا تلائم ساكنة المناطق التي يتم التدخل فيها، سواء تعلق الأمر بالتهجير، أو الترحيل، أو التعويض، أو إقامة مساكن لا تراعي نمط عيش ساكنة العالم القروي والجبلي، خاصة حيث تكون المساكن جماعية للأسر الموحدة، وتضم جناح الضيوف، وأماكن المواشي، ومستودعات تخزين الحبوب والتبن، إلخ. ضرورة التلازم بين الإعداد القانوني والميداني لأي تدخل يؤدي إلى التغيير أو الهدم الجزئي أو الكلي للأحياء أو الدواوير، بما يفترض عدم تنفيذه إلا بعد جاهزية البدائل لإعادة الإيواء أو التوطين. وينطبق ذلك أيضًا على شق الطرق، وبناء السدود، ونزع الملكيات للمصلحة العامة، خاصة في المدن أو الأحياء والمناطق الحديثة التي سيستفيد منها سكان جدد عبر الاقتناء أو الكراء، مقابل ترحيل السكان الأصليين من المنظومات العمرانية الأقدم إلى مناطق قد لا تلائمهم ولا تنصفهم. أهمية تدريس الدستور المغربي، وحقوق الإنسان، وعلم وآداب التواصل، والحكامة بضوابطها، وفق التخصصات، داخل المؤسسات التي تكوّن وتؤطر المسيرين الترابيين، والإداريين، والتقنيين، والفنيين، لتجنب السقوط في التصادم عند إخضاع الغير لتنفيذ أوامر أو قرارات معينة، بما يؤدي إلى تعطيل ترافعهم عن حقوقهم الأصلية والمكتسبة، بعلم ومشاهدة الجميع، بما في ذلك الإدارات. خطورة التنمر السياسوي الذي حطم الأرقام القياسية منذ 2011 إلى نهاية سنة 2025، والذي طال الأفراد، والأحزاب، والنقابات، والمنظمات، والطبقات الضعيفة والمستضعفة، وأصبح منهجًا في التعامل، موظفًا بشكل لا أخلاقي ومتخلف، يستهدف تضليل الناس ونشر الأضاليل والترهات لدى غير المحصنين من العامة، وأشباه المثقفين، ومن في قلوبهم مرض الحقد والكراهية والتغول. لا جدوى ولا فائدة من استمرار التعالي والبيروقراطية بكل أشكالها، بما فيها تعقيد العديد من المساطر والإجراءات داخل القطاعات، وبين القطاعات العمومية وشبه العمومية، وفي علاقتها بالمرتفقين والمرتفقات. فلا مصلحة تتحقق على الوجه الأفضل وفي الزمن المعقول مع تعثر الخدمات المطلوبة في حدودها الدنيا، وما يترتب عنه من تكريس للهشاشة، وتباين في السرعات التنموية، والغرق في متاهات التخلف واللاعدالة الاقتصادية والاجتماعية.