جدد رئيس المجلس الوطني لهيئة الصيادلة، الدكتور حمزة الكديرة، في مداخلته الترافعية أمام رئيس وأعضاء مجلس المنافسة، بخصوص التوصيات المرفوعة إلى الحكومة والمتعلقة بإصلاح منظومة توزيع وصرف الأدوية، موقفه الرافض لجملة من المقترحات، في مقدمتها تحرير رأسمال الصيدليات بكل أشكاله، وتحرير أوقات العمل، وإحداث سلاسل تجارية صيدلانية. وأكد الكديرة أن تداعيات مرسوم تحديد أسعار الأدوية كانت ثقيلة الوطأة على مختلف مكونات المنظومة الصيدلانية، حيث ساهمت، بشكل مباشر، في إضعاف الجدوى الاقتصادية للصيدليات، والإخلال بتوازن سلسلة التوزيع، وتفاقم توترات التزويد، الأمر الذي انعكس سلبا على ولوج المواطن إلى الدواء. وشدد على أن أي إصلاح مرتقب ينبغي أن يستند إلى تحليل معمق وتشاركي، يراعي استقرار القطاع ويضمن استمرارية التزويد، ويضع في صلب أولوياته حماية حق المواطن في الولوج العادل والآمن إلى العلاج، لافتاً إلى أن مجلس المنافسة نفسه خلص إلى ضرورة إجراء تحليل شامل للمنظومة الصيدلانية قبل اعتماد أي مرسوم جديد. وفي ما يتعلق بالدراسة التي أنجزها المجلس حول توزيع وصرف الأدوية، سجل رئيس الهيئة عددا من النقاط التي اعتبرها استجابة ملموسة لانشغالات الصيادلة، من بينها إقرار أتعاب مقابل الخدمات التي يقدمها الصيدلي، وتحسين سيولة الصيدليات عبر إرساء شراكة مع الصندوق المركزي للضمان الاجتماعي لتيسير الولوج إلى قروض إنعاش بشروط تفضيلية، إضافة إلى إعادة تثمين هامش ربح تجار الجملة. واعتبر الكديرة أن هذه التوجهات كفيلة بإحداث تحول عميق في النموذج الوطني للصيدليات، القائم على الاستقلالية المهنية للصيدلي ومسؤوليته الشخصية في صرف الدواء، وعلى توزيع ترابي يضمن القرب واستمرارية الخدمة. وأبرز أن الصيدلية في المغرب ليست مجرد نقطة بيع، بل تضطلع بدور اجتماعي محوري، إذ يشكل الصيدلي، في كثير من الأحيان ، أول ملاذ صحي للمواطن، لا سيما في الأحياء الشعبية والمناطق القروية. فإلى جانب صرف الأدوية وتقديم التوجيه والنصح، يؤدي الصيادلة يوميا خدمات ذات بعد اجتماعي وإنساني كبير، غير مفوترة وغير مثمنة اقتصاديا، من قبيل مواكبة مرضى الأمراض المزمنة، والمشاركة في نظام المداومة، وتقديم تسهيلات في الأداء بروح تضامنية عند الحاجة. وحذر رئيس الهيئة من أن فتح رأسمال الصيدليات والسماح بإحداث سلاسل تجارية قد يفضيان إلى إرباك التوازن المجالي للشبكة الصيدلانية الوطنية، وتهديد جودة الخدمات الصحية، وتقويض الدور الاجتماعي والإنساني الذي تضطلع به الصيدليات. وقد استند في تعليله إلى تجارب دولية، مشيرا إلى حالتي المملكة المتحدة والسويد، حيث أفضى فتح رأس المال إلى تركز سريع للسوق في يد مجموعات كبرى تمتلك قوة مالية وقدرة تفاوضية مهيمنة، ما يمنحها تأثيرا واسعا في شروط السوق وتكوين الأسعار. وعلى المدى البعيد، قد يتحمل المواطن تبعات هذا التركز من خلال توحيد العرض واحتمال ارتفاع الأسعار، في مقابل تراجع قدرة الدولة على الضبط أمام فاعلين ذوي رسملة قوية وتنظيم محكم، فضلا عما قد يترتب عن ذلك من آثار على الاستقرار الاجتماعي والمهني لأسرة الصيدلة ومستخدميها. وختم الكديرة بالتأكيد أن دستور سنة 2011، وكذا التوجهات الثابتة المعبر عنها في الخطب الملكية، يكرسان مبدأ الشراكة والتشاور والمقاربة التشاركية في كل إصلاح تشريعي يهم القطاعات الاستراتيجية، معتبرا أن القطاع الصيدلاني، كركيزة أساسية في المنظومة الصحية وفاعل مباشر في تجسيد الدولة الاجتماعية، لا يمكن أن يحيد عن هذا المبدأ القائم على الحوار المنظم والتقييم المعمق، ضمانا لتوازن الإصلاح وحماية للمصلحة العامة.