بالرغم من أن التوتر كان من درجة منخفضة، مقارنة بما يجري اليوم، فإن التحليل وقتها اكتمل وصمدت الروية الملكية قبل عشر سنوات. ولعل الأزمة الخليجية مع قطر في يونيو 2017، عندما انتهت بقطع السعودية، الإمارات، البحرين، ومصر علاقاتها مع الدوحة وفرض حصار عليها، بتهمة دعم جماعات «إرهابية» ودعم الإخوان المسلمين والتقارب مع إيران، على وجه الخصوص، هي التي تحضرنا اليوم، عند العودة إلى أقوال الملك « نحترم سيادة الدول، ونحترم توجهاتها، في إقامة وتطوير علاقاتها، مع من تريد من الشركاء ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على اختياراتنا السياسية والاقتصادية «. وفي هذا الباب اعتمد الملك مقاربة الترفع والابتعاد عن الدخول في التقاطب الخليجي الخليجي، ومن ذلك قوله «غير أن هناك تحالفات جديدة، قد تؤدي إلى التفرقة، وإلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. وهي في الحقيقة، محاولات لإشعال الفتنة، وخلق فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد، وستكون لها تداعيات خطيرة لا على المنطقة، بل وعلى الوضع العالمي». ويمكن هنا أن نسطر على ما يلي: المنطقة العربية تعيش الظرفية الراهنة، بعد ما عاشته على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، كما في سورياوالعراق وليبيا. خريف كارثي متجدد، يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية. مجيء فوضى جديدة، لن تستثني أي بلد. مجيء فوضى ستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة. مجيء فوضى ستكون لها تداعيات على الوضع العالمي. 2 قراءة قبلية للتحالفات أ منذ انطلاق الحرب، كان السؤال المركزي: أين ستقف مشاركة الدول الخليجية؟ وقد بات واضحا أن الطرفين المتحاربين يسعيان إلى الزج بالدول المعنية في المواجهة المباشرة. إيران بالقصف المباشر والشديد لكل الدول التي اجتمعت في القمة في أبريل -باستثناء المغرب-، أي الخليج والأردن، قصد الضغط على التوأم ترامب ونتانياهو من أجل وقف الحرب، وذلك بالهجوم على الحلقة الخليجية باعتبارها حلقة ضعيفة في نظرها، من جهة ثم للتعويض عن العجز في ضرب أمريكا وإسرائيل دفعة واحدة، من جهة ثانية. ترامب ونتانياهو يدفعان نحو الزج بهذه الدول في الحرب، لإعطاء نفسيهما الحرية بالانسحاب متى كانت الضرورة لذلك. وتبقى الدول الخليجية في حرب ضروس ضد إيران قد تعيد إلى الأذهان حرب العراقوإيران. ب كانت سنة 2016 سنة التنويع الاستراتيجي المغربي، وقد كان حاضرا في ذهن الملك عندما دعا القمة إلى مرتكزات جيوسياسية حاسمة، ومنها على وجه الخصوص: التشديد على كون المغرب «حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد»، وهو إعلان صريح عن السيادة إزاء الخصوم كما إزاء الحلفاء. تنويع شراكاته، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي أو الاقتصادي، وفي هذا الإطار، تندرج الزيارة إلى روسيا، والتي تميزت بالارتقاء بالعلاقات المغربية الروسية إلى شراكة استراتيجية معمقة وإطلاق شراكات مماثلة مع كل من الهند وجمهورية الصين الشعبية. الدعوة المستعجلة والملحة إلى تجديد العقد الاستراتيجي مع الشركاء، بناء على محددات واضحة المعالم، تضبط العلاقات خلال العشريات المقبلة.(لاحظ الحديث عن العشرية المقبلة). 3 من يدفع كلفة الحرب؟ والحرب ما زالت في بدايتها، يبدو واضحا من سيدفع الثمن، ذلك أن الكلفة ستدفعها دول الخليج، كما يحدث دائما، بحسب المنطوق الملكي، وفي هذا السياق كان الخطاب الملكي الموجه إلى ملوك وأمراء الخليج واضحا. «أشقاؤنا في الخليج يتحملون تكاليف وتبعات الحروب المتوالية، التي تعرفها المنطقة «. وهو ما ثبت تاريخيا من خلال حروب الشرق الأوسط، كلها، كما حدث في العراق وما تفرع عنها من إرهاب دولي وإقليمي، وهو ما لم تفلت منه أمريكا نفسها وأوروبا منذ شتنبر 2001، وما زال يتكرر وسيتكرر اليوم، ولهذه الكلفة جوانبها المالية المباشرة ، ومن ذلك ما تلقته إدارة ترامب من السعودية، 600 مليار دولار كاستثمارات، ومنها كذلك اتفاقيات دفاعية بقيمة 460 مليار دولار. أعلنت قطروالولاياتالمتحدة في مايو 2025 عن صفقات اقتصادية ودفاعية ضخمة، حيث أكد البيت الأبيض التزاماً بتبادل اقتصادي يتجاوز 1.2 تريليون دولار، شملت صفقات دفاعية بقيمة مليار دولار لشراء أنظمة مضادة للطائرات المسيرة علاوة على صفقة طائرات بوينغ بقيمة 200 مليار دولار، واستثمارات دفاعية أخرى…وللكلفة جوانبها الاقتصادية، ومنها الثمن الذي تدفعه المنطقة ودول الخليج، علاوة على كلفة استراتيجية أفدح، وهو ما سعى ملك المغرب إلى التحذير منه… وسيظل السؤال الكبير هو : من يضمن مستقبل استقرارهم مع نظام إيراني كيف ما كان شكله غدا ؟ كما أن حساب الخسارة لن يكون في صالحهم بدون تأمين جيو سياسي أجنبي، وهنا لا يمكن القفز على وجود الولاياتالمتحدة في المنطقة، حيث يسجل المتتبعون وقوع «قطيعة واضحة لفائدة إسرائيل»، وهو ما قد يعني التوسع على حساب دول الخليج، ومن هنا الحرص على تأمين الرد المشترك، وتأمين ما بعد الأزمات وموقف عربي موحد، من خلال تقوية الحلف المغربي الخليجي على قاعدة الوسطية والدفاع والديبلوماسية، في مواجهةالفوضى والتوسع من أي كان… 4 ثوابت أخرى للخطاب لقد أرسى ملك المغرب موقفه، على : المساندة التامة لدول الخليج في جميع الإجراءات المشروعة التي تراها مناسبة للحفاظ على أمنها وطمأنينة مواطنيها، وهو ما قد يعني المشاركة في التأمين الدفاعي لا الهجوم، الذي تتردد فيه دول الخليج نفسها… وقد اختار المغرب الجملة بعناية عندما تحدث عن إجراءات من زاوية الحق، ومن زاوية الدفاع عن الذات ومن زاوية الوسيلة المستعملة… وما من شك أن البلاغ الصادر عن الديوان الملكي سيكون له قراؤه من ضمن الدول الموجه لها الخطاب، ومن طرف الدولة المعتدية وكذا من طرف أطراف الصراع . الخلاصة من الخطاب نفسه: إن العالم العربي يمر بفترة عصيبة .. فما تعيشه بعض الدول ليس استثناء ، وإنما يدخل ضمن مخططات مبرمجة، تستهدفنا جميعا…