تعيش مدينة سلا، باعتبارها واحدة من أكبر الحواضر المغربية من حيث الكثافة السكانية والتوسع العمراني، على وقع مفارقة واضحة بين طموح «وحدة المدينة» كفضاء حضري متكامل، وواقع «تعدد المقاطعات» الذي أفرز، على مدى سنوات، نمطاً مركباً من التدبير الجماعي لا يخلو من اختلالات بنيوية. ومع اقتراب الاستحقاقات الجماعية المقبلة، يطفو إلى السطح سؤال التقييم: هل نجح نموذج التدبير الحالي في تحقيق الانسجام الترابي والنجاعة التدبيرية، أم أنه كرس نوعاً من التشتت المؤسساتي اعتماد نظام المقاطعات داخل المدن الكبرى جاء في سياق البحث عن تقريب الإدارة من المواطن وتعزيز الديمقراطية المحلية. غير أن التجربة بسلا كشفت أن هذا التقسيم، بدل أن يشكل رافعة للتدبير القرب، تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر لتداخل الاختصاصات وتضارب الأولويات. فمجلس المدينة، باعتباره الهيئة المركزية، يجد نفسه أمام تحدي التنسيق مع مجالس المقاطعات التي تمتلك بدورها صلاحيات محدودة لكنها مؤثرة في الحياة اليومية للمواطن. هذا التداخل أفرز نوعاً من «ازدواجية القرار»، حيث تتأخر المشاريع أو تتعثر بسبب غياب وضوح في المسؤوليات أو ضعف التنسيق المؤسساتي. من أبرز مظاهر الخلل في تدبير مدينة سلا، استمرار الفوارق بين المقاطعات، سواء من حيث البنيات التحتية أو جودة الخدمات. فبين أحياء تعرف تأهيلاً نسبياً وأخرى تعاني الهشاشة، يطرح سؤال العدالة المجالية بإلحاح. هذا التفاوت لا يعكس فقط إكراهات مالية، بل يكشف أيضاً عن غياب رؤية موحدة لتنمية المدينة ككل. إذ غالباً ما تطغى الاعتبارات المحلية الضيقة على حساب تصور استراتيجي شامل، ما يؤدي إلى توزيع غير متوازن للاستثمارات. إشكالية الحكامة وتدبير الموارد التدبير الجماعي بسلا يواجه كذلك تحديات مرتبطة بالحكامة، سواء على مستوى الشفافية أو النجاعة في صرف الموارد. فالملاحظ أن تعدد المتدخلين يضعف آليات المراقبة ويعقد مساطر اتخاذ القرار، مما يفتح الباب أمام بطء الإنجاز وضعف التتبع. كما أن محدودية الموارد المالية، مقابل اتساع الحاجيات، تجعل من الضروري اعتماد أولويات واضحة، وهو ما لا يتحقق دائماً في ظل غياب انسجام بين مختلف مكونات المجلس والمقاطعات. ضعف التنسيق... معضلة مستمرة من الإشكالات البنيوية التي طبعت تجربة التدبير الجماعي بسلا، ضعف التنسيق بين مجلس المدينة ومجالس المقاطعات، بل وحتى بين المقاطعات نفسها. هذا الوضع ينعكس سلباً على تنفيذ المشاريع، خاصة تلك التي تتجاوز الحدود الجغرافية لمقاطعة واحدة. فمشاريع الطرق، والنقل، والتجهيزات الكبرى، تتطلب رؤية مندمجة، وهو ما يصطدم أحياناً بحسابات سياسية أو تدبيرية ضيقة، تجعل من الصعب تحقيق الالتقائية المطلوبة. مع اقتراب الانتخابات الجماعية، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم هذا النموذج التدبيري. فمدينة بحجم سلا، بموقعها الاستراتيجي وقربها من العاصمة الرباط، تحتاج إلى نموذج حكامة أكثر انسجاماً وفعالية. من بين الإصلاحات الممكنة، تعزيز صلاحيات مجلس المدينة مقابل تقليص التداخل مع المقاطعات، أو إعادة النظر في توزيع الاختصاصات بشكل يضمن وضوح المسؤولية وربطها بالمحاسبة. كما أن اعتماد تخطيط استراتيجي موحد، مبني على معطيات دقيقة، قد يسهم في تجاوز منطق التدبير المجزأ. يمكن القول إن تجربة التدبير الجماعي بسلا، رغم ما راكمته من مكتسبات على مستوى القرب المؤسساتي، لم تنجح بالقدر الكافي في تحقيق وحدة المدينة ككيان حضري منسجم. بل إن تعدد المقاطعات، في غياب تنسيق فعال، ساهم في تكريس نوع من التشتت الذي أثر على جودة الخدمات والتنمية المحلية. وعليه، فإن المرحلة المقبلة تفرض الانتقال من منطق التدبير التقني المجزأ إلى رؤية سياسية وتنموية شاملة، تعيد الاعتبار لوحدة المدينة، وتضع مصلحة المواطن في صلب كل السياسات العمومية المحلية.