صديقي التاريخي الذي عانقت للمرة الأولى في الدارالبيضاء سنة 1974 وامتد العناق خمسين عامًا حضنًا يلي لقاءً في بيروت والقصف فوقنا ونحن نمزمز كل مساء في (العريشة)، وفيروز تسري نغمًا ملاكًا حولنا، والشعر مستحيل القول تكبحه في طويلًا في صدرك إلى أن تعلو به في هاوية نظل نسقط فيها ولا نصل. جزء من عمري ربما أجمله قضيته بجانبك في (الحمرا) نضحك ملء الموج على تجار كلام عابرين تافهين يلفقون النظم والنثر، وقتلة محترفين وطارئين، وسماسرة إيديولوجيات، وعملاء، ووكلاء مقاومات. أزورك لا وقت يتسع للشبع من رؤياك ومحبتك، وأذهب وما أنفك أعود فلا طاقة للفراق. ثم أعود لأجدك ما زلت الفرد الضد السيد ملك بيروت وحارس الأرزة الأبدي لا أحد شيء ينال من عزمك حبك لوطنك بعد إذ تكالبت عليه الكوارث، ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمٌ رغم داء ووهن الجسد تحمله كل صباح وتطوف به في مدينتك تتفقد أعضاءها وتجس روحها وتنصت لقلبها ينبض منك. العمران يتساقط فوقك حولك من الشروق إلى الغروب، والمشرق والغرب ينهشان. كم إسرائيل قصفت سماءك، وألقت بصواريخها وقاذفاتها على قصائدك وظلت شامخة لا تسقط. كم همجي حطم بمعول جهله ونعرته وعصبيته العمياء بنيان لبنان الحضارة ثم يجن يراه لا يسقط لا يخضع والدليل أنك رغم كل الأهوال وبالجسد العليل والنفس الجريحة حيٌّ ملك الشعر والأولمب وبيروت بايعناك منذ عقود ولن يخلعك أحد.. والآن، والوحش الإسرائيلي أكبر من نعت العدوان يمزق مدينتك أشلاء، ويقتل في موسم دموي جديد الأطفال والنساء ويفجر البنايات على رؤوس النيام، أجدد بيعتي لشجاعتك وصمودك وقدرتك على الثبات والبقاء وامتلاك بقية عقل وتوازن وفي صدرك وعلى لسانك الشعر الحقيقي ما كتبت وسياتي لأنك الأجدر.. أريد أن أعتذر لك يا صديقي عن عجزي أمام ما يجري، إني لا أستطيع أن افعل شيئًا غير رسم هذه الأبجدية العربية الميتة يفتك بها مزقًا الجبروت الأمريكي الإسرائيلي وعجزنا الكامل أن نكون أبناء هذا الزمان.. أعتذر لك أني أعيش في بلد آمن، ومدينة فاتنة تتمتع بالسلام، وآكل الطعام وأمشي في الأسواق بلا هم وربما ببطر وغباء، وأنت في بيروت أرض الشهداء صدرك مفتوح للصاروخ القادم وعيناك تحرسان مدينة حملتها الآلهة أمانة في عنقك، انت الشاعر والقصيد الأخير فيها.. رعاك لله وحفظك ومعك لبنان الذي من لحمي ونبضي أيها الصديق الأبدي: بول شاوول.