في قلب السهول الخصبة التي تمتد عبر منطقة سهل الغرب، حيث اعتادت الأرض أن تجود بخيراتها من الحبوب والخضروات، جاءت الفيضانات الأخيرة لتقلب المشهد رأساً على عقب، وتضع الفلاحين أمام واقع صعب، عنوانه الأبرز: الخسارة وعدم اليقين. فيضانات مباغتة... وأضرار واسعة لم تكن التساقطات المطرية الغزيرة التي شهدتها جهة الغرب حدثاً عادياً هذا الموسم، بل تحولت إلى فيضانات جارفة غمرت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، خاصة بالمناطق المجاورة لواد سبو. المياه التي كان ينتظرها الفلاحون لإنعاش التربة، تحولت إلى تهديد مباشر للمحاصيل، بعد أن فاقت قدرة التربة على الامتصاص، وأغرقت الحقول لأيام متتالية. في عدد من الدواوير، خصوصاً بضواحي سيدي سليمان والقنيطرة، تحولت الأراضي المزروعة بالحبوب إلى برك مائية، فيما تضررت محاصيل الخضر بشكل كبير، بسبب اختناق الجذور وتعفن النباتات. خسائر متفاوتة... ومعاناة صغار الفلاحين تتباين الخسائر من ضيعة إلى أخرى، غير أن القاسم المشترك هو هشاشة صغار الفلاحين أمام مثل هذه الكوارث الطبيعية. فعدد كبير منهم يعتمد على موسم فلاحي واحد لتأمين قوته السنوي، ومع غياب التأمين أو محدوديته، تصبح الفيضانات ضربة قاسية قد تدفع بالبعض إلى الاستدانة أو التخلي عن النشاط الفلاحي مؤقتاً. أحد الفلاحين بالمنطقة صرح بأن "الماء بقى فالأرض أكثر من اللازم، والزرع خسرناه تقريباً كامل"، مضيفاً أن الأمل بات معلقاً على تدخل الجهات المعنية لتعويض جزء من الخسائر. بنية تحتية على المحك كشفت الفيضانات أيضاً عن اختلالات في البنية التحتية المرتبطة بالتدبير المائي، حيث لم تستوعب قنوات الصرف الفلاحي حجم المياه المتدفقة، مما ساهم في تفاقم الوضع. كما أن بعض المسالك القروية تضررت، ما صعّب من عملية الوصول إلى الضيعات ونقل المنتجات. ويطرح هذا الوضع بإلحاح ضرورة إعادة النظر في منظومة تدبير المياه بالمنطقة، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي باتت تفرض نمطاً متطرفاً من التساقطات، يجمع بين فترات جفاف طويلة وأمطار غزيرة في وقت وجيز. بين الأمل والتدخل المنتظر رغم حجم الأضرار، لا يزال الفلاحون يتمسكون ببصيص أمل في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الموسم، خاصة إذا ما تحسنت الظروف الجوية خلال الأسابيع المقبلة. غير أن هذا الأمل يظل مشروطاً بسرعة تدخل السلطات، سواء عبر تقييم دقيق للخسائر، أو إطلاق برامج دعم استعجالية. كما يطالب مهنيون بتوسيع نطاق التأمين الفلاحي، وتبسيط مساطره، ليشمل أكبر عدد ممكن من الفلاحين، إضافة إلى الاستثمار في مشاريع وقائية، من قبيل تعزيز شبكات الصرف، وصيانة السدود التلية، وتحسين تدبير الأحواض المائية. الغرب... سلة غذاء تحتاج للحماية لطالما شكل سهل الغرب أحد أهم الأقطاب الفلاحية بالمغرب، بفضل خصوبة تربته ووفرة موارده المائية. غير أن الفيضانات الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤال الأمن الفلاحي، ومدى قدرة السياسات الحالية على حماية هذا المجال الحيوي من تقلبات الطبيعة. وفي انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، يبقى التحدي قائماً: كيف يمكن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة التفكير في نموذج فلاحي أكثر صموداً واستدامة، يوازن بين استغلال الموارد وحمايتها؟