حياة «التأثير» تغضب مواطنين بسبب «اقتحام» الخصوصيات وتغري الباحثين عن المال والشهرة اتّسعت دائرة استعمال مواقع التواصل الاجتماعي من طرف فئات عمرية وشرائح اجتماعية مختلفة، وتشير الأرقام إلى أن حوالي 35.3 مليون مغربي يستخدمون الشبكة العنكبوتية أي ما يعادل 92 في المئة من المغاربة، في حين أن هناك قرابة 21.3 مليون حساب نشط على وسائل التواصل. هذا الإقبال الذي تختلف أهدافه والغايات منه، ما بين العمل والترفيه وتزجية الوقت، وتعقّب الشهرة، والبحث عن المال، وغيرها من الدوافع الأخرى، بقدر ما يغري فئات للالتحاق بهذا العالم، خاصة للباحثين عن موقع لهم ضمن عالم «المؤثرين»، فإن فئات أخرى تبدي تبرّمها وغضبها من حالة الفوضى الناجمة عن التساهل مع «المؤثرين»، خاصة الإناث، جراء استهداف الخصوصيات واقتحام شاشات الهواتف النقالة للجلسات واللحظات الخاصة في المقاهي والمطاعم ومحلات التجارة وفي كل مكان من الشارع العام دون أدنى استئذان. هذا الحضور القوي لا تقف حدوده عند الشارع العام، بل أضحت العديد من العمارات السكنية هي الأخرى، وفي إطار السكن المشترك، تحتضن مؤثرين يقطنون مع جيرانهم في نفس العناوين، وهو ما يجعل الكثيرين يطالبون بتوفير ضمانات العيش المشترك المحترم للحياة الخاصة، بما أن بعض هؤلاء «المؤثرين» لايجدون حرجا في تقاسم تفاصيل حياتهم اليومية الخاصة ليس داخل شققهم فقط بل حتى خارجها في الأجزاء المشتركة، من مداخل وبهو وأسطح وغير ذلك. ويرى عدد من المنتقدين بأن التساهل مع المؤثرين في «التسلّط» على الفضاءات المشتركة، فيه اعتداء على حريات الغير، مشددين على أن الكثير من المشاكل تنجم عن نقل وقائع تهمّ الغير دون علمهم بها، وهو ما يدعو إلى حماية الحياة الخاصة وضمان عدم الاعتداء على حقوق الغير. هذا الانتشار للحسابات المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي ولحياة التأثير، يؤكد عدد من المهتمين بالظاهرة بأن مدّها المتصاعد، يعود بالأساس إلى حياة «البذخ» وإلى مشاهد «الترف» التي يتقاسمها عدد من المؤثرين مع متابعيهم والتي تكشف كيف أنه في مدة وجيزة أضحت هذه «المؤثرة» أو تلك، تتوفر على شقة أولى ثم ثانية، بينما الأخرى شيّدت فيلا، ثم اقتنت ضيعة، إضافة إلى تغيير السيارات الفارهة، والسفريات، وغيرها من أشكال «الحياة السعيدة» التي تؤثر ضمنيا في نفسية المتلقّين، لاسيّما اليافعات والشابات، بل أن أمّهات قرّرن وبسبب هذه «الموضة» فتح «حسابات خاصة» لأطفالهن من أجل اقتحام هذا العالم. وتبرز معطيات رقمية حديثة كيف أن هناك أشخاصا يتوفرون على أكثر من حساب في الفضاء الواحد أو الفضاءات المختلفة، فقد بلغ عدد المستخدمين المغاربة ل «إنستغرام» نموذجا خلال سنة 2025 حوالي 15.9 مليون مستخدم، نسبة 53.5 هي من الذكور، حوالي 5.9 مليون منهم ينتمون للفئة العمرية ما بين 25 و 34 سنة، حيث تعتبر هذه المنصة شبابية بامتياز ومفضّلة عند المؤثرين، في حين يبلغ عدد مستخدمي منصة « تيك توك « ما بين 10 و 15 مليون مستخدم، وتستقطب الفئة العمرية ما بين 16 و 24 سنة، وتبقى نسبة الإناث مرتفعة في استعمال هذه المنصة مقارنة بأنستغرام، ويعتبر التفاعل فيها الأكثر ارتفاعا وتوصف بأنها الأسرع نموا والأكثر تأثيرا على الشباب. أما على «يوتيوب» فيبلغ عدد المستخدمين حوالي 21 مليون مستخدم مغربي، وذلك بشكل متوازن بين الأعمار مع حضور أكبر للذكور مقارنة بالإناث. وفي غياب رقم رسمي دقيق، تشير التقديرات إلى أن هناك ما بين 50 و 150 ألف «مؤثر نشط» في المغرب، ما بين خمسة وعشرة آلاف منهم يصنّفون ضمن خانة «المؤثرين الكبار» بأكثر من 100 ألف متابع، وتعتبر منصتهم الرئيسية هي «أنستغرام» متبوعة ب «تيك توك» التي توصف بكونها تعرف صعودا قويا، ف «يوتيوب». وبحسب مهتمين بالمجال فإن أرباح المؤثرين التقريبية حسب السوق لسنة 2025 تختلف باختلاف عدد المتابعين، فمن يتوفر على 10 آلاف متابع على «إنستغرام» يمكنه أن يربح ما بين 300 و ألف درهم عن كل منشور، ويرتفع الدخل إلى مابين ألف و أربعة آلاف درهم لمن لديه 50 ألف متابع، وما بين 3 و 8 آلاف درهم بالنسبة للحساب المتوفر على 100 ألف متابع عن كل منشور، وقد يتراوح الربح ما بين 10 و 50 ألف درهم بالنسبة للحملة خلافا ل «الستوري» الذي يبقى أقل دخلا لكنه يستعمل بكثرة في الإعلانات السريعة. ويوضح مختصون بأن المجالات الأكثر ربحا في المغرب في مجال التجميل، والأكل بالنسبة للمطاعم المختلفة، والسيارات، فالتكنولوجيا، والرياضة، ويبقى المحتوى الخاص بالحياة اليومية الأكثر سهولة في الإنتاج والذي لديه جمهور واسع. هذه المداخيل، وكل مظاهر الحياة السهلة البعيدة عن «الجهد»، وعدم التقيّد بأوقات العمل الرسمية، وغيرها من التفاصيل الأخرى التي يعيشها الموظفون والمستخدمون والمياومون في قطاعات مهنية مختلفة، تبقى هي التي تغري على اقتحام عالم «التأثير» بشكل جعل الكثيرين يعتبرون بأن هذا العالم الافتراضي هو البوابة والمدخل لتحقيق الأحلام وتجاوز صعوبات الواقع، وهو ما يطرح إشكالات عديدة، سوسيو اجتماعية واقتصادية، وتحديات في علاقة بالأخلاق والسلوك والصلة بالمجتمع، التي باتت تحتاج إلى نقاش قوي من أجل تصحيح المفاهيم وتجاوز الاختلالات التي تتجاوز ما هو فردي نحو ما هو جماعي.