حل المغرب ضمن فئة "الحرية المعتدلة" حيث جاء في المرتبة 94 من أصل 164 دولة على مؤشر الحرية في أحدث تقرير أصدره مركز الحرية والازدهار التابع للمجلس الأطلسي عام 2026، فيما جاء ترتيبه في مؤشر الازدهار أدنى من ذلك، إذ احتل المرتبة 96 في خانة "الازدهار المنخفض" بحصوله على 63.1 درجة من أصل مئة. ويعتمد التقرير في بناء مؤشر الحرية على ثلاثة ركائز متساوية الوزن: المؤشر الفرعي السياسي الذي يقيس مدى نزاهة الانتخابات والحريات المدنية والحقوق السياسية والقيود البرلمانية على السلطة التنفيذية، والمؤشر الفرعي القانوني الذي يرصد الوضوح التشريعي واستقلالية القضاء والبيروقراطية والفساد والأمن والاقتصاد غير الرسمي، ثم المؤشر الفرعي الاقتصادي الذي يشمل حقوق الملكية وحرية التجارة وحرية الاستثمار والحرية الاقتصادية للمرأة. أما مؤشر الازدهار فيستند إلى ستة مكونات متساوية الوزن هي: الدخل والصحة والتعليم والبيئة والمساواة وحقوق الأقليات.
وتجدر الإشارة إلى أن درجة الحرية التي حصل عليها المغرب، البالغة 62.7، تضعه في موقع متقدم نسبياً على دول المنطقة العربية وأفريقيا جنوب الصحراء بوجه عام، ففي ترتيب الحرية جاء أمام دول مثل تونس التي حصلت على درجة 56.1 وجاءت في المرتبة 102، وفي مرتبة أعلى بكثير من الجزائر التي سجلت 43.5 في المرتبة 138، والمملكة العربية السعودية التي حصلت على 43.7 في المرتبة 137، ومصر التي نالت 47.2 في المرتبة 129. ويلفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة جوهرية تتعلق بعلاقة الحرية بالازدهار، إذ يُثبت بالأرقام أن الدول ذات المؤسسات المتوازنة والقوية تحقق متوسطات ازدهار تبلغ 77.3 درجة، في حين لا تتجاوز دول "المتوازن-الضعيف" 52.2 درجة. وتندرج معظم دول المنطقة العربية وأفريقيا في فئات الضعف المؤسسي، سواء أكان ذلك في نمط "اللامتماثل-الضعيف" الذي تمثله روسيا والصين ودول الخليج، أم في نمط "المتوازن-الضعيف" الذي تمثله سوريا وبنين، حيث تكون المؤسسات السياسية والقانونية والاقتصادية ضعيفة بصورة منتظمة دون تفاوت واضح بينها. ويُبيّن التقرير أن الحلقة الأضعف في المنظومة المؤسسية لأي دولة هي التي تُحدد سقف ازدهارها بصرف النظر عن قوة سائر المؤشرات، وهو ما يُعرف ب"مؤشر الحلقة الأضعف". ففي دول كثيرة ذات حرية اقتصادية معقولة وحريات مدنية نسبية، يبقى ضعف سيادة القانون أو هشاشة الاستقلالية القضائية قيداً بنيوياً يحول دون تحويل المكاسب الاقتصادية إلى ازدهار شامل. ويكشف التقرير أن الارتباط بين الحرية الإجمالية والازدهار يبلغ معامل 0.71 من واحد، وهو ما يُجسّد علاقة هيكلية راسخة لا يُستثنى منها عموماً أيٌّ من المناطق أو مستويات الدخل. كما يُظهر أن الحرية القانونية تحمل أعلى معامل ارتباط بالازدهار بقيمة 0.77، تليها الحرية الاقتصادية بمعامل 0.73، ثم الحرية السياسية بمعامل 0.51. وبات التراجع العالمي للحرية السياسية ظاهرة لم تسلم منها مناطق كثيرة على مدى أكثر من عقد من الزمن وعبر مختلف مستويات الدخل، وهو ما يُشكّل، بحسب التقرير، خطراً داهماً على النمو الاقتصادي والازدهار العام في المدى البعيد. ويُرسم في سياق هذا التحليل الاتجاهي مشهدٌ من دول الازدهار المرتفع في شمال أوروبا كالدنمارك التي حلّت في المرتبة الأولى بمؤشر حرية 93.8 وازدهار 90، والنرويج التي سجّلت مؤشر حرية 89.9 لكن ازدهارها بلغ 91.6 محتلاً المرتبة الأولى في الازدهار، مقابل دول الأداء المتردي كأفغانستان التي جاءت في المرتبة الأخيرة بمؤشر حرية 16.9. كما يُلمح التقرير صراحةً إلى أن الدول التي تتحرك نحو الديمقراطية تشهد في المتوسط ارتفاعاً بنسبة 8.8 بالمائة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي خلال عشرين عاماً مقارنةً بتلك التي بقيت على نظم استبدادية. وفي الجوار، يحلل التقرير نموذج تونس، حيث يقدم تحذيرا صريحاً من أن غياب توافق الحرية السياسية مع الإصلاح الاقتصادي والضمانات القانونية يجعل المكاسب الديمقراطية هشّة قابلة للانتكاس، وهو ما تجسّده التجربة التونسية بعد 2021 حين تراجعت مؤشراتها السياسية بشكل حاد إثر تمركز السلطة في يد الرئيس قيس سعيد. كما تُقدّم حالة سوريا، التي جاءت في المرتبة 161 بمؤشر حرية هزيل لا يتجاوز 27 درجة، شاهداً صارخاً على ما يُوثّقه التقرير من أن تآكل الحرية يسبق الانهيار ولا يأتي نتيجةً له.