احتضنت كلية العلوم بن امسيك التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء، يوم 18 أبريل الماضي، مناقشة أطروحة الدكتوراه التي أنجزتها الباحثة والفنانة حنان الخالدي في تخصص الكيمياء الحيوية والتغذية البشرية، في لحظة بدت فيها القاعة أقرب إلى فضاء ثقافي مفتوح، حيث تلاقت صرامة البحث العلمي مع دفء التجربة الإنسانية. الأطروحة التي حملت عنوان «اختلال التوازن الغذائي، السمنة، والأمراض القلبية الوعائية لدى الساكنة البالغة بمدينة الدارالبيضاء»، عالجت واحدة من أبرز الإشكالات الصحية الراهنة، من خلال تحليل العلاقة بين أنماط العيش الحديثة وارتفاع نسب الأمراض المزمنة، في مقاربة جمعت بين الدقة العلمية والبعد الاجتماعي. وجرت المناقشة أمام لجنة علمية ضمت الأستاذ رشيد الصايل مشرفًا، والأستاذ أنس الكتاني رئيسًا، إلى جانب الأساتذة سعيد الهلالي، بشرى الخلفي، وكريمة مهتدي، في جلسة تميزت بنقاش علمي رصين.غير أن الحدث لم يكن أكاديميًا فقط، بل حمل طابعًا إنسانيًا لافتًا، بحضور عدد من الأسماء الفنية والإعلامية التي حضرت لمساندة الخالدي، من بينهم الناقد والصحفي حسن نرايس، والفنانون هشام بهلول، عبد الله شيشا، ليلى الفاضلي، ونعيمة إلياس، في مشهد عكس تداخل العوالم الفنية والعلمية حول تجربة واحدة. وفي حديثها للجريدة، استحضرت الخالدي بداياتها مع الفن، مؤكدة أن علاقتها بالمسرح انطلقت منذ الطفولة، وقالت: « مساري الفني بدأ مبكرًا جدًا، من خلال المسرح المدرسي وتقديم الحفلات، حيث اكتشفت متعة الوقوف أمام الجمهور. لكن هذا المسار كانت له جذور داخل البيت، حيث دعمتني عائلتي منذ الصغر، وأتذكر أن متابعة المسرح كانت طقسًا أسبوعيًا شكّل وعيي الفني وفتح لي باب الحلم.»وأضافت أن هذا الشغف امتد لاحقًا إلى التمثيل والتنشيط التلفزيوني والمشاركة في مهرجانات ولقاءات فكرية، ما ساهم في صقل تجربتها. كما استحضرت تتويجها بجائزة أحسن ممثلة عن مسرحية "غيثة" من إخراج إدريس الروخ، معتبرة أنها لحظة أكدت اختياراتها الفنية. وعن مسارها الأكاديمي، أوضحت أن اختيارها لتخصص التغذية والكيمياء الحيوية لم يكن منفصلًا عن الفن، بل امتدادًا له، مضيفة أن الفنان "لا يكتفي بالإحساس، بل يسعى إلى الفهم أيضًا"، معتبرة أن خلفيتها الفنية ساعدتها على تبسيط المفاهيم العلمية والنظر إلى التغذية كأسلوب حياة. أما لحظة المناقشة، فقد وصفتها بلحظة جماعية بامتياز، قائلة: «لم أكن وحدي أمام اللجنة... كان معي حضور إنساني من كل من آمنوا بي «، في إشارة إلى الدعم الذي حظيت به من عائلتها وأصدقائها وزملائها. وأضافت أن حضور والدها الراحل في ذاكرتها خلال تلك اللحظة منحها قوة خاصة، وكأنه كان يرافقها بصمت. وفي سياق حديثها، كشفت الخالدي عن عمل تلفزيوني جديد سيجمعها بالمخرجة جميلة بنعيسى البرجي، في تجربة تسعى من خلالها إلى تعميق حضورها الفني والانفتاح على جمهور أوسع. من جهتها، أكدت الفنانة والمخرجة فاطمة الجبيع أن علاقتها بحنان الخالدي "تجاوزت المهني إلى الإنساني"، مشيرة إلى أن ما يميزها هو صدق حضورها. وأضافت: «أطروحتها ليست مجرد بحث علمي، بل مساءلة لعلاقة الإنسان بذاته، ومحاولة لفهم ما يفتك به من أمراض، والبحث عن خلاص يبدأ من تفاصيل بسيطة كالتغذية.»واعتبرت أن هذا الإنجاز يعكس وعيًا إنسانيًا عميقًا، مؤكدة أن الجمع بين الفن والعلم ليس تناقضًا، بل انسجامًا في خدمة الإنسان. هكذا، تواصل حنان الخالدي رسم مسارها بين خشبة المسرح وفضاء البحث العلمي، في تجربة تؤكد أن الإبداع لا ينفصل عن المعرفة، وأن العناية بالإنسان يمكن أن تُكتب بلغتين مختلفتين: لغة الفن ولغة العلم.