حينما تسأل عن ضريح لالة عويش في المدينة العتيقة في مراكش، يقابلك شيخ مراكشيّ بقفشات أهل البلد، ويدعوك إلى فكّ لغز مفارقة غريبة تجعل مساكن منطقة يقطنها أولياء صالحون و وليات صالحات عرضة للسّقوط في ظلّ استمرار مسلسل انهيار البنايات العتيقة والآيلة للسقوط في أمصفح وفي أسول وفي لالة عويش.. الطريق إلى لالة عويش يجبر الزائر على المرور عبر أزقة ضيّقة في حي أسول، الذي تنبعث منه رائحة التاريخ والجغرافيا، بعد أن حافظ لقرون على بساطة وجوده وتعايش بسلام مع مطاعم البدخ المجاورة ومع صخب ساحة جامع لفنا، التي يصل ضجيجها إلى الأضرحة القريبة. رغم أنّ لالة عويش «مغبونة» إعلاميا مقارنة مع وليات صالحات نلنَ حظا وافرا من الإشعاع الإعلاميّ، كالسيدة الحرة وللالة عيشة البحرية وللالة منانة ولالة تاجة وغيرهنّ من «الصالحات»، فإن العارفين بقضايا التصوّف يجمعون على أنّ وجودها في مدينة مراكش، التي تزخر بالأولياء الصالحين، قد ساهم في التعتيم، بعد أن سرق سبعة رجال الأضواء من كل الأولياء.. لكنّ الباحثين يؤكدون أنها جاءت إلى مراكش قادمة من سبتة، هروبا من بطش زوجها، الذي قيل إنه كان مدمنَ خمر، وقيل في رواية أخرى، إنه كان يمنعها من الزّهد. عاشت لالة عويش في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وحظيت برعاية خاصة من الصدر الأعظم محمد المقرّي، إذ قيل إن ابنته رقية المقري، وهي من زوجات السلطان مولاي عبد الحفيظ، كانت من مريدي الولية السّبتية. لكن مقدم الضريح له رواية مشابهة تقول إنّ المقري زارته الولية في منامه فاستشار الفقهاء والعارفين بتفسير الأحلام، ف»أشاروا عليه ببناء تابوت لللاعويش، ووقفت عليه مرة ثانية في منامه وطلبت منه أن يبنيّ لها حجابا يقيها من كل أنواع الأذى والخبائث، فأمر بصنع التابوت في حي القصبة ونقله إلى الضّريح في موكب مهيب».. وتضيف الروايات الشفوية المستقاة من عين المكان، والتي تحتاج إلى تدقيق تاريخيّ، أنّ المقرّي زار ضريح الولية سرا رفقة أفراد عائلته، وتبرّك بها ووعدها بتحقيق مَطالب المنام، وأن السلطان مولاي عبد الحفيظ كان يرعاها ومولاي يوسف هو الذي أمر بإقامة ليالي الحضرة في ضريحها. ويُجمع مريدو هذه الولية على أنّ كراماتها عديدة، أبرزها شفاء المرضى بعد الاستحمام في ماء بئر وإقامة لأيام معدودات في الضّريح في ما يشبه الاعتكاف، رغم أنّ الكثيرين يؤكدون تخصصها في أمراض الرّوماتيزم، حيث يقصدها نساء ورجال يعانون من إعاقة حركية فلا يغادرون الضّريح إلا وقد استعادت الأطراف حيوتها. ويرى فئة من الناس أنّ لالة عويش «تحكم أربعة ملوك من الجنّ»، ولعلّ ارتباطها بالسّلطة على الكائنات الجنية حوّل ضريحها إلى مزار لهواة الحضرة، على غرار ما يقام في ضريح زميلتها في «صرع الجن» وجارتها لالة رقية.. وحسب بعض الكتابات التي لامست ظاهرة الحضرة في مزارات مراكش، فإنّ تقليدا راسخا في تاريخ التصوف في المدينة حوّل ضريح لالة عويش إلى موسم سنويّ يمتد لأربعة أيام قبل شهر رمضان من كل عام بمشاركة وفود من الحوز في ما يشبه موسم الشّموع، مع اختلاف بسيط يكمن في وجود الجدبة ك»وجبة» أساسية غالبا ما تحقق اكتمالها الوجداني بسقوط النساء من شدّة «الحالْ»، لاسيما أنّ الطقوس تفرض أن تكون لكل ولية «حضاراتها» التي تملك الحق الحصريّ للحضرة. ويحاول كثير من الكتاب تصنيفَ لالة عويش في خانة الوليات المرتبطات ب»الحال»، ويعتبرونها عابرة سبيل حلت بمرّاكش قادمة من سبتة، فأكرم المراكشيون وفادتها، بعد أن تحوّلت من مُتصوّفة زاهدة إلى مروّضة للجنّ، وزاد من شهرتها عناية القصر السلطاني بها في عهد مولاي عبد العزيز ومولاي يوسف. وذهبت كثير من الرّوايات الشفوية إلى أنّ اسم عويش مشتقّ من عائشة، وأنها سُميت به ليس من باب تصغير اسم عائشة، بل لتمييزها عن وليات حملن اسم عائشة، رغم أنها تتفق مع الكثير منهنّ في طقوس الاستحمام من ماء البئر وممارسة «الحضرة» بكل أشكالها، الدينية والفلكلورية بالخصوص.