تعمل الحكومة الإسبانية بجد، وتمارس ضغوطاتها، من أجل دفع الاتحاد الأوربي إلى التوقيع على اتفاقية الصيد البحري، التي وقعت، يوم 25 يوليوز 2013 بالرباط بين المغرب والاتحاد. في هذا الإطار وجه الحزب الشعبي الإسباني (الحاكم) دعوة لجميع الفرق البرلمانية، الممثلة لمختلف الأحزاب الوطنية، لتعبئة الصفوف، وممارسة ما يمكن من التأثير على الصعيد الأوربي لدعم الموافقة النهائية، وتفادي "أي مفاجأة". لأن هذه الاتفاقية ستسمح للصيادين الأوربيين، وأساسا الإسبان، بالعودة إلى العمل في المياه المغربية، وتحديدا بتحسين ظروف عيش 700 بحار إسباني، وهو ما يعني 700 عائلة، ارتأى الحزب الشعبي والحكومة الإسبانيان اتخاذ هذه المبادرة باسم خدمة المصالح الوطنية العليا للبلاد. توجد الأحزاب الإسبانية الآن من خلال فرقها البرلمانية، أمام محك حقيقي لا يقبل أي شكل من أشكال المناورة أو المزايدة، وليس لها اختيارات أخرى غير دعم التوقيع على "ميثاق الدفاع" عن اتفاق الصيد البحري داخل البرلمان الأوربي. قبل هذا كان رئيس الحكومة، راخواي، قد أكد على ضرورة المصادقة على الاتفاقية المذكورة، بل دعا الأحزاب السياسية في بلده إلى اعتبارها "قضية دولة"، بمعنى على هذه الهيئات السياسية تجاوز المواقف والخلفيات المذهبية والإيديولوجية من أجل المصلحة الوطنية. هذه "البراغماتية الشعبية" أملتها الوضعية الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة التي تمر منها إسبانيا. وانطلاقا من هذه النظرة الواقعية والعملية، طوت حكومة مدريد كل القضايا والمشاكل العالقة بينها وبين الرباط، ودعت إلى حوار وتعاون استراتيجي في العلاقات الثنائية، وهو ما تجسد في الزيارة اللافتة التي قام بها رئيس الحكومة الإسبانية، على رأس وفد وزاري هام، مؤخرا، للمملكة التي أبدت تفهما ملموسا للانفتاح الإسباني على المغرب. براغماتية حكومة راخواي لم تقف عند توجيه الدعوة للفرق البرلمانية لدعم التوقيع على الاتفاقية المذكورة، بل أرفقتها بالتوقيع على "ميثاق الدفاع" عن اتفاقية الصيد البحري؛ بمعنى أن الوقت ليس وقت كلام وخطب، ولم يعد مناسبا لأي نوع من الجدل الذي لا فائدة من ورائه، بقدرما هي لحظة تاريخية على الأحزاب الإسبانية وفرقها البرلمانية أن تكون في مستوى التعامل معها واستثمارها وتسجيل موقفها من خلال التوقيع على الميثاق. والتوقيع معناه الالتزام، والالتزام معناه احترام البنود التي تتضمنها الاتفاقية. هذا ما يفسر النشاط الحكومي الإسباني اللافت للانتباه داخل أروقة البرلمان الأوربي بهدف تحقيق المصادقة على بروتوكول الاتفاق بين المغرب والهيئة الأوربية، والإسراع بدخوله حيز التنفيذ في أقرب وقت ممكن. لا ينبغي أن ننسى أن المغرب لعب دورا كبيرا من أجل إخراج إسبانيا من عنق الزجاجة، وهو دور تمليه مراعاة المصالح المشتركة بين المملكتين على أكثر من صعيد، وعلاقات حسن الجوار، وأيضا الرغبة في توسيع مجالات التعاون ليرتقي إلى المفهوم الاستراتيجي الذي لا يتأثر بالأحداث الظرفية والآنية التي تعطي فرصة لخصوم البلدين لاستغلالها من أجل خدمة أجندة ضيقة الأفق.