أمن تطوان يُواصل حربه المفتوحة على تجار المخدرات    تسجيل أول حالة وفاة بفيروس كورونا في كلميم واد نون    سوق الماشية ب"الڭفاف" يستأنف الرواج في خريبكة    بعد تصاعد الاحتجاجات.. القضاء الأمريكي يعلن عن إخضاع جميع الضباط الضالعين في مقتل جورج فلويد للمتابعة    9 إصابات جديدة بفيروس كورونا من 6 فرق في الدوري الانجليزي    اختلافات بشأن ملفّ الريسوني تختبر أكبر جمعية حقوقية بالمغرب    هولندا تدعو مواطنيها لعدم السفر إلى المغرب    الجديدة.. توقيف ثلاثة أشخاص متورطين في حيازة 2930 قرصا من “الإكستازي”    طقس حار وأمطار اليوم الخميس بهذه المناطق    المخرج المسرحي عبد الصمد دينية في ذمة الله    “آدم” الطرف المشتكي في ملف الصحافي سليمان الريسوني يعمم رسالة حول قضيته    إصابات كورونا حول العالم تتخطى حاجز ال 6.5 ملايين    الملك يدعو المقاولات للقيام بتشخيص مكثف لتدبير كورونا    المجلس الجهوي للسياحة طنجة-تطوان-الحسيمة يبث حملة "نمشيو للشمال؟"    لجنة الجهوية لليقظة الاقتصادية لجهة الدار البيضاء تعقد أولى اجتماعاتها    أخلاقيا، لا فرق بين الدَّنس “الواطي” والدنس “الراقي”    الإدارة "الاستبدادية" للرئيس دونالد ترامب تثير انتقادات في أمريكا    جلالة الملك يدعو المقاولات إلى إجراء عمليات تشخيص مكثفة لكورونا    مهاجم الأهلي أجايي: "رحيل أزارو؟ حتى ميسي يُمكن أن يغادر برشلونة إذا لم يقتنع مدرب جديد به.. !"    المغرب يعتزم تصنيع 10 آلاف اختبار تشخيص لكورونا قبل متم يونيو الجاري    برشلونة يتدرب بدون ميسي كإجراء وقائي    طنجاويون أمام المدرسة الثانوية الفرنسية: تعليمكم عن بعد رديء ونعم للتفاوض لا للابتزاز    وزير الدفاع يعلن معارضته لقرار ترامب.. والبيت الأبيض لايستبعد إقالته    الرجاء الرياضي يقترب من إبرام أولى صفقاته في الميركاتو الصيفي    جنوب إفريقيا الأكثر تأثرا والمغرب سادسا.. الحالة الوبائية بإفريقيا    وزارة التربية الوطنية تمول اللائحة الثانية من مشاريع البحث الخاصة بكورونا    بتعليمات ملكية..إطلاق حملة كشف واسعة عن كورونا في أوساط العاملين و الأجراء بالقطاع الخاص    قوات حكومة الوفاق الليبية تعلن استعادة السيطرة على مطار طرابلس الدولي    إسبانيا توجه صفعة قوية لجبهة البوليساريو    وزارة الصحة: "الحالات النشطة في المغرب يبلغ عددها 850 .. بمعدل 2.3 لكل 100 ألف نسمة"    الكرة الإسبانية تعود ب"إكمال الشوط الثاني" من مباراة رايو فايكانو-ألباسيتي!    مدير ديوان آيت الطالب يستقيل من منصبه..و اليوبي: محيط الوزير مسموم        الاتحاد الاشتراكي.. رسالة الراشدي تثير الجدل داخل المكتب السياسي    التحاليل المخبرية تؤكد خلو المغاربة العائدين من الجزائر من كورونا    إيواء 803 من الأطفال في “وضعية شارع” خلال فترة الحجر الصحي    الأوصيكا يخضع مكوناته للكشف عن “كوفيد 19”    «المسيح… النبي المفقود» لأحمد الدبش 2 الكنيسة المصرية طالبت بمصادرته    “تجفيف منابع الإرهاب” للدكتور محمد شحرور 34 – العقل النقدي يوصلنا إلى نمو المعرفة الإنسانية بالوجود الموضوعي    لقطات    عبد الوافي لفتيت: لجان المراقبة نفذت إلى غاية 31 ماي أزيد من 4 آلاف زيارة لوحدات للوقوف على مدى التزامها بالتدابير الوقائية    أكثر من 892 ألف أجير متوقف مؤقتا عن العمل استفادوا من تعويضات الCNSS خلال شهر أبريل الماضي    إسبانيا تجلي مواطنيها العالقين بالمغرب    هكذا يراهن المغرب على إقليم الناظور ليصبح قوة إقليمية في تخزين المحروقات    وفاة الفنان الفكاهي المغربي محمد بشار المعروف ب “زروال”    تأجيل برنامج يعوض “كي كنتي وكي وليتي”    جوادي يعرض “العظم”    دعاء من تمغربيت    المنظمة العالمية للصحة تتوقع موجة كورونا الثانية        إيطاليا تدخل مرحلة جديدة في رفع القيود وتفتح حدودها الداخلية والخارجية لإنقاذ السياحة    الحكومة تفوض مكتب الهيدروكاربورات مهمة استغلال على صهاريج لاسامير    العثماني يقدم خطة حكومته بخصوص رفع حالة الطوارئ الصحية    ألمانيا ترفع حظر السفر عن 31 دولة في 15 يونيو    مراكش.. وفاة السيناريست والكاتب المسرحي حسن لطفي    "التوحيد والإصلاح" تعود إلى "الأصالة المغربية" بطبع كتب "التراث الإسلامي" للبلاد    ما أحلاها    "مظاهر يقظة المغرب الحديث"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





تفاصيل مأساة 9 وداديين داخل المعتقلات التونسية
شرطي مزق العلم وأهان مقدسات البلاد وأسبوع داخل السجون تعرضوا خلاله لكل أنواع التعذيب
نشر في الصباح يوم 13 - 12 - 2011

هم تسعة مشجعين لفريق الوداد الرياضي، قضوا أسبوعا في سجن بتونس أشبه بغوانتناموا، ذنبهم الوحيد دفاعهم عن العلم الوطني، ورفضهم إهانة رجال الأمن لمقدسات البلاد، فوجدوا أنفسهم في رحلة طويلة من التعذيب وتلفيق التهم وترهيب لا علاقة له بكل عبارات ”الإخوة الأشقاء”. مسلسل طويل من العذاب ووجبات الضرب وتكسير الأصابع والصفع والإهانات يعتقد البعض أنها ولت إلى غير رجعة في البلاد العربية، إلا أنها مازالت تحكم عقليات أمنيين لا يراعون أبسط الحقوق الإنسانية، وكشفت أن حياة ما وراء القضبان في الشقيقة تونس تستحق النشر، حتى يطلع القراء على واقع مؤلم يلاقي فيه مغاربة الإهانات والتعذيب، ويطوي المسؤولون عنه الصفحة ”حرصا على العلاقات الأخوية” ، كما يقال دائما. حكايات لا تصدق، فهي أغرب من الخيال يرويها الشباب الودادي عبد الرحمان شوافني، أحد المعتقلين التسعة، بابتسامة تخفي مرارة مازالت جروحها لم تندمل، فقط للعبرة لا غير. فجأة، نزل خبر اعتقال تسعة وداديين بمطار قرطاج التونسي، في اليوم الموالي لنهاية مباراة عصبة الأبطال التي جمعت فريقي الوداد البيضاوي والترجي التونسي مثل قطعة ثلج في بركان ثائر... فكيف أوقف الوداديون بالمطار؟ وما هي حقيقة الاتهامات الموجهة إليهم؟ وما قصة رجل الأمن الذي مزق العلم الوطني وأهان مقدسات البلاد؟ وكيف تحولت مباراة في كرة القدم إلى قضية شغلت الرأي العام؟
تبدأ الحكاية بعد نهاية مباراة فريقي الوداد البيضاوي، إذ توجه حوالي 113 من الوداديين إلى فندق في المنطقة السياحية ”الحمامات”، التي تبعد عن العاصمة التونسية بحوالي 70 كيلومترا، إذ اختار المشجعون قضاء ليلة في الفندق قبل العودة إلى المغرب، من أجل الاستراحة من أعباء السفر، والتنزه والترويح عن النفس لنسيان هزيمة الفريق الأحمر. لكن لم يعتقد أحد أن قرارهم سيكون منعطفا في حياتهم الشخصية، وأن رحلتهم إلى تونس ليست كمثيلاتها، علما أن المجموعة نفسها سبق لها أن رافقت الفريق في كل رحلاته إلى خارج أرض الوطن، بل منهم من يفتخر أن عدد رحلاته وصل إلى 17 رحلة، دون إثارة مشكل.
عبد الرحمان شوافني، أحد هؤلاء الوداديين، طالب لا تفارق الابتسامة محياه جعلته أحد أبرز مشجعي الفريق، إذ سبق له أن رافق الفريق إلى أكثر من دولة في العالم، لكنه يشير إلى أن ذكرياته بتونس جعلته يشعر، لأول مرة، بالخوف، فما عاشه هناك لا يصدق أبدا، بدءا من الضرب والتهديد وتلفيق التهم والاستفزاز بتمزيق العلم والوطني وسب مقدسات البلاد.. أسبوع كامل من المعاناة رفقة طارق البقالي، وياسين الزياني، وأنس المنياري، والمهدي المنياري، ويوسف افيد، ويونس إضالي، ومحمد الزريري، وكريم الركيك.
يكاد عبد الرحمان يجن حين يتذكر تفاصيل رحلة ابتدأت بتشجيع الفريق، وانتهت خلف أسوار السجن، وحين يعيد الشريط إلى الوراء يقسم أن كوابيس الرحلة مازالت تراوده في أحلامه جميع أصدقائه، وصور رجال الأمن وهم يصفعون ويركلون ويصوبون بنادقهم أو يكسرون أصابعهم تجعلهم يستفيقون مذعورين.
يعيد عبدو، كما يحلو لأصدقائه مناداته، الشريط إلى الخلف، فبعد نهاية المباراة وتوجههم إلى الفندق كانت الأجواء حزينة، فنتيجة المباراة أحبطتهم، إلا أنهم استعادوا معنوياتهم، فالوداد البيضاوي وصل إلى النهاية وهي نتيجة جيدة.
لم تخف أجواء رفع المعنويات طيلة تلك الليلة، وفي السادسة صباحا بدأ الشباب يلمسون تغيرا غامضا، إذ أجبرتهم إدارة الفندق على الاستيقاظ باكرا وجمع أحقبتهم، فلم يبالوا بالأمر كثيرا، وامتثلوا إلى الأوامر، وظلوا في بهو الفندق جالسين.
في حدود الساعة الثالثة والنصف من اليوم الموالي للمباراة وصلت المجموعة إلى المطار وبدأت إجراءات تسجيل الأمتعة، وهناك عانى بعضهم مشاكل كثيرة خاصة في مصلحة ختم جواز السفر، ثم انطلقت سلسلة استفزاز رجال الأمن لهم بشكل غير مفهوم إطلاقا، يحكي أحدهم، وتطور الموقف من الاستفزاز إلى الإيقاف والاعتقال.
يحمل عبدو وأصدقاؤه مسؤولية الأحداث إلى رجال الأمن التونسيين، خاصة رجل أمن بالزي المدني نجحوا في تحديد هويته الكاملة، فهو السبب الرئيسي في تطور الأحداث، ففي بهو المطار كان المشجعون يمارسون طقوسهم الخاصة بترديد شعاراتهم بشكل عاد جدا، وجلسوا في كراس ينتظرون وصول الطائرة، حتى أن كل المسافرين التونسيين يشهدون ألا أحد ضايقهم، فالأمر لم يخرج عن ترديد الشعارات المتعارف عليها في كل الملاعب الرياضية.
فجأة تدخل عصام الدردودي، وهو رجل أمن بالزي المدني يحمله الوداديون مسؤولية كل الأحداث، وأمر مرددي الشعارات بالتوقف بلغة تهديدية، وحين رد أحد المشجعين بأنه التشجيع من حقهم خاطبهم بلغة أشد صرامة قائلا:» سيرو إلى بلادكم وغنيو».
لم يفهم المشجعون سبب تعامل رجل الأمن، سيما بعد أن واصل الأخير توجيه أوامره بلغة أكثر تهديدية وحين واجهه شباب سحب جواز سفره، ورماه على الأرض، ثم مزق العلم الوطني أمامهم.
لم يتمالك ودادي نفسه حين شاهد العلم ممزقا، فاحتج، وزاد غيض رجل الأمن الذي بدأ يسب مقدسات البلاد، بل كال للمؤسسة الملكية كل أنواع السب والقذف، حينها تدخل أحدهم ووجه إلى الشرطي لكمة..»لا يمكنني أن أرى علمي ممزقا ومقدسات بلادي تهان أمامي، وأظل صامتا، حتى ولو أعدمت، فالمهم بالنسبة إلي أن أدافع عن وطني وملكي»، يقول عبدو، سيما أن الشرطي لم يكتف بذلك بل نعت المغاربة أجمعين بأنهم جبناء، ولم يقوموا بالثورة، ويقتصرون على تقبيل يد الملك».
فقد رجل الأمن صوابه مباشرة بعد توجيه اللكمة، حينها حلت الكارثة بالمطار، إذ حل رجال أمن آخرين بعصيهم وبدؤوا يشبعونهم ضربا بشهادة تونسيين كانوا يوجدون في المطار، إذ حكى زكرياء بوقيرة، طالب تونسي (السنة الخامسة بكلية الطب)، وجد صدفة بمطار تونس، وهو يودع صديقته، يوم اعتداء الأمن التونسي على جماهير الوداد الرياضي، وقال» فتية يرتدون أقمصة بيضاء وحمراء، ملطخون بالدماء، يهرولون في كل الاتجاهات داخل بهو المطار، هروبا من «هراوات» رجال أمن منتشرين في كل مكان... ويضيف بوقيرة، ثلاثة ساعات من القسوة والعذاب، ومازالت أصداء صراخ المغاربة يصم أذني. اقشعر بدني، وارتفعت دقات قلبي، وأنا أبحث عن مبرر بداخلي لما تراه عيناي، قبل أن أتأكد أنه الواقع المرير لتونس ما بعد الثورة، «لم تعر الشرطة اهتماما للمسافرين، بل هدفها كان هو ضرب المغاربة في أي اتجاه».
تعالت أصوات التنديد بما يقع، وطالبت النساء بالتوقف عن ضرب المغاربة يقول بوقيرة «لكن للأسف، لا حياة لمن تنادي»، أما أنا يضيف الطالب التونسي» لم أعد قادرا على الحركة، قبل أن تفاجئني والدتي التي كانت برفقتي، حين تساءلت ما هذا البلد؟ وطلبت مني أن أصور ما يقع».
ومن شدة الارتباك، وهول ما يقع، يضيف بوقيرة، لم أتمكن من استخدام كاميرا هاتفي المحمول بالسرعة المطلوبة، وتابع» بمجرد أن اشتغلت الكاميرات، تلقيت صفعة من حيث لا أدري، قبل أن ألتفت لأجد رجل أمن، سحب مني هاتفي، ووصفني بالخائن الذي يريد أن يفضحه على الفايسبوك»، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الطالب التونسي، يشعر بما يحدث من حوله، «عشرات رجال تضرب من كل صوب وحدب، ومن من قال إنني مغربي...».
أصبح الانتماء إلى المغرب، في نظر أولئك رجال الأمن، تهمة تستدعي إهانة كرامتهم، إذ حل حوالي 40 رجل أمن بعصيهم ومسدساتهم لمحاصرة الوداديين والاعتداء عليهم، قبل إلقاء القبض على 13 منهم، معلنين بداية رحلة جديدة من العذاب. لكن تم الاقتصار على إيقاف 13 شابا، علما أن عدد المغاربة بالمطار قارب 190 شخصا؟
الجواب بسيط يقول أحدهم، فلتمويه الرأي العام اختير الشباب ذوي البنية الضخمة حتى يتسنى لهم الادعاء باعتدائهم على رجال الأمن، حينها سيق الوداديون إلى زنزانة صغيرة في المطار، وسلبت منهم أحذيتهم الرياضية وهواتفهم المحمولة، دون أن يتخلى رجال الأمن عن تعذيبهم، ف»وجبات» الضرب والصفع والإهانات ابتدأت، بل الغريب أنهم كانوا يحثون التونسسين المارين على الاعتداء عليهم، بل هناك رجال الأمن ضربوا ببندقياتهم أجساد الضحايا غير مبالين بالنتائج، و»كأننا لقطاء لا وطن لنا، ولا علاقات «شقيقة تربطنا»، كما اعتاد المسؤولون التونسيون الحديث بها أمام وسائل الإعلام.
توجه رجال الأمن بالمعتقلين إلى مركز أمني قرب المطار، وأقسم بعضهم بالانتقام من الحارس الدولي المياغري، لأسباب مجهولة، وتحت وابل الضرب واللكم بدأ مشوار إنجاز المحاضر.
«إنهم مرضى نفسانيون ويستحقون العلاج لا أن يحملوا زي رجال الأمن»، هكذا شبه أحد المعتقلين المحققين الذين يتلذذون بتعذيبهم إلى درجة لا تتصور، إذ يتناوبون على ضربهم، وحين يتعبون يتوجهون إلى فضاء للتدخين ثم يعودون أكثر قسوة، بل أحيانا يجبرون المغاربة على الركض لعرقلتهم .. أساليب قديمة لكنها فعالة في نظرهم.
بعد ساعتين تقريبا من عذاب التحقيق حل أحد المسؤولين الأمنيين، فتغير سلوك رجال الأمن، مما شجع الوداديين على سرد معاناتهم وقصة الاعتداء على العلم الوطني وسب مقدسات البلاد، وأوضحوا أنهم بريئون من كل اتهامات إلحاق خسائر بالمطار، بل هي نتيجة محاولة هروب عدد كبير من المسافرين من عصي رجال الأمن، فوعدهم المسؤول بحلول السفير المغربي وترحيلهم إلى المغرب.
تبخر وعد المسؤول الأمني، فهو مجرد وسيلة أخرى للزج بالوداديين في المتاهة، فقد اختار طريقة جديدة للإيقاع بهم، حينها حلت إحدى منظفات المطار بالكوميسارية، وسمع الحاضرون مساومة رجل الأمن عصام لها، إذ أمرها بإنجاز شهادة طبية، ووعدها بعطلة طويلة والحصول على مبالغ مالية، فقد كانت الخطة أن يتم إيهام بوجود ضحايا، في حين كانت المنظفة ستتلقى أموالا مقابل التنازل عن شكايتها، وهي الخطة التي نجحت بشكل كبير، علما أن كل الشهود ينفون إطلاقا وجود المنظفة في بهو المطار.
حان وقت التوقيع على المحاضر، فسحب شاب من المجموعة، وأدخل إلى غرفة ضيقة، وبعد فترة بدأ الباقون يسمعون صراخا وعويلا وصوت اللكمات، وفهموا أنهم في محاكم التفتيش وليس كوميسارية تحترم حقوق المتهمين، فقد رفض الشاب التوقيع على المحضر لأنه ببساطة لا يتضمن أقوالهم، ونسب إليهم وقائع لا وجود لها إلا في خيال مهندسيها.
تيقن رجال الأمن أن توقيع الشباب على المحاضر يمكن أن يؤدي إلى نتائج معكوسة، واختاروا الطريق السهل، ففجأة تحول أحدهم إلى حمل وديع حين أخبرهم أنه لا يفصلهم عن إطلاق سراحهم إلا التوقيع على المحاضر لإنهاء الأزمة، خصوصا أن السفير في الطريق إليهم، فصدقوا الأمر الذي كان بمثابة صك اتهام ضدهم، خصوصا أنه ضم تهما كبيرة، منها تخريب أملاك الدولة، والاعتداء على رجل أمن ومنظفة.
فطن رجال الأمن إلى نجاعة الحيلة، وبحلول الفترة المسائية أخبروهم أن الطائرة أقلعت من المطار، وأنهم على اتصال مباشر بالسفارة من أجل إيجاد طائرة أخرى، حينها استبشر الوداديون فرحا، وطلبوا من أحدهم جلب وجبة غذائية كلفتهم عشرات الأورو دسها أحد رجال الأمن في جيبه.
حمل الوداديون في حدود الثالثة صباحا في سيارة أمن إلى السجن الاحتياطي، متوهمين بتوجههم إلى فندق في انتظار وصول طائرة لترحيلهم، ثم اكتشفوا أخيرا الحيلة، إذ زج بهم في زنزانة بها حوالي 80 معتقلا بعد سلبهم كل متعلقاتهم، وحرص «الغول»، كما يناديه الوداديون، وهو حارس سجن على إهانتهم ومنحت لهم بطانية متسخة يقول عنها المعتقلون إن الحيوانات تعيفها، ولم يأبهوا إلى إصابة أحدهم بجروح، عاملوهم معاملة الكلاب.. خلاصة قالها أحدهم.
وفي الساعة السادسة صباحا أجبروا على الاستيقاظ من أجل تغيير الزنزانة، فحاول «الغول» توزيعهم على الزنازن، حينها بدأ الوداديون يتوسلون، إذ عاينوا أن مساجين كانوا يتوعدونهم بالانتقام، بتحريض من الحراس.
انطلق فصل آخر من المعاناة، فقد وجد الوداديون أنفسهم في مأزق خطير، ففي الوقت الذي لم يكن يفصلهم عن رحلة العودة إلى المغرب إلا لحظات قليلة، وجدوا أنفسهم في متاهة السجن الاحتياطي، محاصرين بحراس شداد ومعتقلين تونسيين يتوعدونهم بالانتقام... أصبحنا في عالم آخر، إذ لم نكن نعلم ما يجري في الخارج، وأصبحنا نحاول التكييف مع واقعنا الجديد، وتمكنا من نسج علاقات مع بعض السجناء الذين كشفوا أمامنا هول المعتقل، ففي تونس يحدث، مرارا، أن يزج بالمتهم داخل السجن، دون تقديمه إلى المحاكمة شهورا طويلة، مما ضاعف حيرتهم وخوفهم من ضياعهم وراء قضبان بلاد الغربة.
لم تدم حيرة الوداديين كثيرا، فقد أخبرهم الحراس أن عليهم التوجه إلى المحكمة، حينها أيقنوا أن كل وعود المسؤولين بإنهاء المشكل مجرد سراب، وأنهم أذكياء فقط في التحايل، ففي طريقهم إلى المحكمة أخبرهم رجل أمن بضرورة عدم الاعتراف بتعرضهم إلى التعذيب أمام القاضي حتى يتم إطلاق سراحهم بدل أن تتعقد المشكلة، ونصحهم بأسلوب هادئ باختراع حكايات حول آثار التعذيب التي تعلو أجسادهم، ف»صدقنا الأمر»، يقول شوافني، إذ أبدع خيالهم حكايات حول آثار الكدمات، ومنها مثلا سقوطهم، وأنها ناتجة عن التدافع في الملعب، دون أن يعتقدوا لحظة أن الأمر سينقلب ضدهم، سيما بعد أن تدخلت محامية السفارة المغربية بلغة صارمة اعتبارها القاضي تهديدا له، وذكرهم أن التهم المتابعين من أجلها يمكن أن تصل عقوبتها إلى عشر سنوات، فأجلت القضية.
رئيس وزراء ليبيا يساند الوداديين
يتذكر الوداديون وجه رئيس وزراء ليبيا السابق، البغدادي المحمودي، الذي يوجد في السجن نفسه، بسبب دخوله تونس بطريقة غير قانونية، ورغم أن محكمة الاستئناف ألغت حكما سابقا بحبسه لمدة ستة أشهر ، بقي المحمودي رهن الاعتقال بعد أن تقدمت ليبيا بطلب تسلمه.
ويحكي أحد الوداديين أنهم التقوا بالبغدادي في بهو السجن، وسألهم عن نتيجة المباراة، ووجه لهم نصائح قيمة من أجل التكيف مع الأوضاع داخل السجن، وطمأنهم أن قضيتهم في طريقها إلى الحل، حسب تجربته.
كما عاين الوداديون في السجن أفراد عائلة الطرابلسية، زوجة الرئيس الفار، زين العابدين بن علي، لكنهم لم يتواصلوا معهم، فعكس البغدادي ضربت حراسة مشددة على عائلة الطرابلسية، رغم أنهم يقطنون في الجناح نفسه، أي جناح الأجانب.
ويتذكر الوداديون لحظات غريبة رفقة مساجين مجانين، ومنهم أحد الذي لا يعرف إطلاقا هل قامت الثورة في بلاده أم لا؟
ومن المشاهد التي لم تستطع الأيام محوها من ذاكرة الوداديين رمي سيارات الشرطة للمعتقلين المفرج عنهم في الشارع، إذ كانوا يتخلصون من المعتقلين الذين انتهت عقوبتهم أوأطلق سراحهم في شوارع مظلمة بمناطق نائية عن المدينة، في مشهد غير إنساني.
ووسط كل هذه المعاناة هناك بارقة أمل، فلم يكف أنصار فريق النادي الإفريقي عن مساندتهم في محنتهم، بل احتفل بعضهم في الشوارع بعد الإفراج عن الوداديين، واصطحبوهم في حفاوة منقطعة النظير إلى المطار بمشاعر أنستهم عدوانية رجال الأمن وحراس السجن.
القاضي يصدر حكمه
كانت كلمات القاضي بمثابة المسمار الأخير في نعش مآساة المعتقلين، إذ رحلوا، مرة أخرى، إلى السجن المحلي حيث سلسلة جديدة من البطش والتعذيب النفسي وحكايات لا يصدقها العقل إطلاقا، إذ تعرضوا إلى الابتزاز من أجل الحصول على وجبة غذائية واستولى رجل أمن على حوالي 500 أورو، واختفى عن الأنظار.
ويبعد السجن الجديد عن المدينة بحوالي 24 كيلومترا، ويوجد وسط غابة كثيفة الأشجار وبمجرد أن وطأت أقدامهم السجن حتى وجهت إليهم التهمة الغريبة أمام السجناء:»إنهم المغاربة أصحاب المطار»، قالها حارس في تلميح إلى أهمية «معاملتهم بطريقة التونسية»، ثم منحوا رقم الاعتقال، والويل لكل من نسيه، حينها يتلقى كل أنواع الضرب والشتم،
ثم كشف الحارس عن عبقريته في التعذيب، إذ كان أحد الشباب مصابا في أصبعه، وحين صفعه الحارس ذكره بأنه مصاب، فما كان من الحارس إلى أن عمد إلى تكسير أصبع آخر في مشهد مقزز.
دخل المعتقلون السجن وسط مشهد تهديدات التونسيين بعد تسريب خبر وجود المغاربة، في حين تفاجؤوا بغياب أي مسؤول مغربي لحمايتهم من البطش، فكانوا مثل كرة تتقاذفها أرجل رجال الأمن والحراس والمساجين الحاقدين، لكنها كرة في ملعب غير محايد، وحكم غير عادل.
في اليوم الثالث وزع المعتقلون على الزنازن، رغم وعود بقائهم مجموعين، إلا أنها وكالعادة كانت وعودا كاذبة، حينها انطلقت رحلة جديدة من المعاناة استغرقت أياما ذاق خلالها الوداديون التسعة كل أصناف التعذيب، وانتهت بإدانتهم والحكم عليهم بالسجن النافذ، بل واصل الشرطي عصام استفزازهم، بعد إطلاق سراحهم، ففي بهو المطار التقاهم مجددا، وطلب منهم الحضور إلا أنهم استفادوا من أسبوع قضوه في ضيافة «الأشقاء التونسسين»، فأحجموا عنه، رغم شعورهم بالغضب ورغبة بعضهم في الانتقام.
تفاصيل كثيرة يرويها المشجعون التسعة، فأسبوع كامل كان كافيا للتأكد أن بطش قوات الأمن التونسية لا مثيل له، و»حفاوة» الاستقبال في السجن لا نظير لها، لكنهم سعداء جدا لسبب بسيط أنهم ثاروا حينما مست مقدسات البلاد، وذاك شرف لهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.