مساهمتنا في النقاش السياسي في ما يجري في فنزويلا بعد اعتقال الرئيس مادورو، في 3 يناير الجاري، بتدخل عسكري أمريكي، طبقا للقانون الأمريكي الملقب بقانون " مانرو "، والذي يسمح بالتدخل في الدول للدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، يجعلنا أمام وضعية صعبة نظرا لتداخل ما هو سيادي وسياسي وقانوني من جهة وما هو مصلحي اقتصادي وجيو استراتيجي يكرس منطق القوة والهيمنة الإمبريالية، ولهذه الاعتبارات نرى من موقعنا كمحلل سياسي مغربي أن أي موقف مما حدث من انتهاك للسيادة الوطنية لدولة فنزويلا الاشتراكية من طرف أمريكا يجب أن يتحلى بالموضوعية والواقعية، وباعتبار المصلحة أولا، والوطن أولا، وهذا ما يلتقي مع ما كتبته، يوم الأحد الماضي، في تدوينة سريعة، على أن الوطن أولا، وعلى أن الصحراء المغربية أولا، ولا تضامن مع الأنظمة الاستبدادية، وعلى أن المصلحة الوطنية أولا، مع التأكيد على المواقف المبدئية للدفاع عن السيادة الوطنية لكل الدول في العالم، لكن بالنسبة لنا في المغرب، نذكر العالم بالخطاب الملكي التاريخي بأن المنظار المغربي le prisme ، الذي يعني الصحراء المغربية، هو المعيار لتحديد مواقفنا الدبلوماسية والشراكات الاقتصادية مع الدول، ومنذ ذلك الحين والمغرب يسجل المكتسبات الدبلوماسية لصالح مغربية الصحراء، أولها الموقف الأمريكي ثم الإسباني ثم الفرنسي ثم البريطاني وثم الدول العديدة الأوروبية والإفريقية الأخرى. إن إدانتنا المبدئية للتدخلات العسكرية الأمريكية لمناهضة الشعوب والقوى الديمقراطية في العديد من الدول، مثلا في حرب الفيتنام وفي الشيلي وفي أفغانستان لمدة عشرين سنة، وفي العراق سنة 2003، ودعمها العسكري لإسرائيل في عدوانها الأخير على غزة المحاصرة، كانت، باستمرار، مواقف واضحة تضامنا مع الشعوب ودعما لوحدتها الترابية. وبنفس الوضوح نعبر عن تضامننا مع الشعب الفنزويلي وقواه الوطنية والطامحة للديموقراطية والكرامة ومحاربة الفساد وحقه في اختيار رئيسه عبر انتخابات نزيهة، وعلاقة بالانتخابات الرئاسية الأخيرة للرئيس مادورو نتذكر مواقف المعارضة، والتي رفضت نتائجها وعدم الاعتراف بشرعية الرئيس الفنزويلي، كما عبرت عنه بعض الدول منها إسبانيا والمغرب وواشنطن، مثلا، بسبب الخروقات المسجلة في تنظيمها، ما دفع الرئيس مادورو إلى فرض نظامه الديكتاتوري وهيمنته على خيرات البلاد، الشيء الذي عمق نسبة الفقر وشجع على الهجرة السرية نحو أمريكا، التي كانت تعارضه كما هو الحال بالنسبة للمكسيك، وسوف لن ننتظر طويلا نتائج محاكمة مادورو وزوجته بالتهم الخطيرة الموجهة ضدهم بقلم الرئيس الأمريكي، في غياب شروط المحاكمة العادلة، بما يضمن حقوق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم حسب المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لكن علينا أن نختار في هذه الواقعة الدولية بين احترام القانون الدولي وميثاق الأممالمتحدة والفصل السابع ومجلسها الأمني، وبين الحق في التدخل الأجنبي بالقوة في الدول دفاعا عن المصالح الاستراتيجية للدول العظمى، وفي مقدمتها الولاياتالمتحدةالأمريكية، وهنا تكمن الصعوبة في اتخاذ الموقف الصحيح وبجرأة سياسية، وهذا النقاش السياسي قد فرض نفسه خاصة خلال حرب الخليج الثانية، وخاصة قبل وخلال التدخل العسكري الأمريكي البريطاني في بغداد، في غياب قرار من مجلس الأمن، ورغم معارضة العديد من الدول بما فيها فرنساوروسياوالصين كأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن. إن الموقف السياسي الواقعي في مثل هذه الأوضاع الدولية وما يميزها من تناقضات رئيسية وثانوية، ومن تحالفات غير طبيعية بين الدول، يذكرنا بما كنا نقوم به من التحليل الموضوعي إبان النزاع العراقي الأمريكي، حيت عرف بتضامن أغلبية الشعوب العربية والإسلامية ومن ضمنها المغرب مع العراق المحاصر، وبتضامن جماعي للأحزاب المغربية مع الشعب العراقي، وخلافا لبعض المواقف القومية المساندة لنظام صدام حسين بعد غزوه الكويت، وما تبع ذلك من تدخل غربي وأمريكي لتحرير هذا البلد، هذا وبالرغم من تنديدنا بتدخل الجيش العراقي في الكويت، وبالرغم من معارضتنا لصدام وسياسته القمعية للشعب العراقي وأحزاب المعارضة، ظل تضامننا الشعبي المغربي مع الشعب العراقي متواصلا، ولنتذكر المسيرة الشعبية التضامنية في الرباط بمشاركة زعماء المعارضة سنة 1991، للتنديد بالتدخل الأمريكي، وكان لي شرف المساهمة في تنظيمها كممثل لحزب التقدم والاشتراكية في اللجنة الوطنية للتضامن مع العراق، التي كانت تضم أغلب الأحزاب الوطنية والنقابات التي كانت تقدم الدعم السياسي والإنساني والمادي والإعلامي لصمود الشعب العراقي إلى حدود التدخل العسكري الأمريكي سنة 2003 . وبمناسبة الحديث عن فنزويلا وعلاقتها مع المغرب وقضيتنا الوطنية، لابد من التذكير كذلك بالمساهمة الفعلية للشبيبات الحزبية الثلاث لحزب التقدم والاشتراكية ولحزب الاتحاد الاشتراكي ولحزب الاستقلال في المهرجان الدولي للشباب المقام في كراكاس، عاصمة فنزويلا سنة 2005، في وقت كان النظام اليساري الفنزويلي بزعامة شافيز يدعم البوليساريو عسكريا وسياسيا ودبلوماسيا وماديا، كما كانت عليها مواقف كوبا والعديد من دول أمريكا اللاتينية، والتي كانت تعارض وحدتنا الترابية وتدعم الانفصال، وأطروحة الجزائر بدافع أيديولوجي إبّان الحرب الباردة. الآن، وأمام هذا التصعيد الخطير بين فنزويلاوالولاياتالمتحدةالأمريكية بزعامة الرئيس ترامب، وبعد اعتقال الرئيس مادورو لمحاكمته طبقا للقانون الأمريكي الخاص، والمعمول به في الماضي لتبرير سياستها الخارجية، وليس طبقا للقانون الدولي والشرعية الدولية، والتي لا تسمح بأي تدخل أجنبي في الشؤون الداخلية للدول. وأمام هذا الوضع الجيوسياسي الجديد في أمريكا اللاتينية، بعد ما وقع في 3 يناير الجاري، وما خلفه من تداعيات سياسية وعسكرية، وكذلك اقتصادية، على دول المنطقة الجنوبية لأمريكا الغنية بالنفط وبالمعادن، قد يتطلب منا في المغرب التريث وعدم التسرع في أخذ الموقف السياسي، حفاظا على مصالحه الوطنية، كما عودتنا الدبلوماسية الرسمية في العديد من النزاعات الإقليمية، والتي تعتمد الواقعية السياسية واحترام الشرعية الدولية. وفي الأزمة الحالية في فنزويلا، هناك من يسعى إلى الدفاع عن المصالح الاستراتيجية الأمريكية ورغبتها في الهيمنة على النفط والغاز لدول أمريكا اللاتينية كمنطقة نفوذ لأمريكا، وهذا ما عبر عنه من قبل الرئيس الأمريكي ترامب بوضوح لصالح الاقتصاد الأمريكي في مواجهة الصين. وهناك دول تعارض هذه السياسة الإمبريالية والتوسعية الأمريكية، والمتشبثة بسيادتها الوطنية وباستقلال قرارها الاقتصادي، وفي مقدمتها كوبا المحاصرة وفنزويلا المعارضة لأمريكا. ولفهم الوضع الدولي الحالي وما نعيشه من مخاض لبناء نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، يجرنا ما تعرفه الحرب بين روسيا وأوكرانيا منذ سنة 2014، بعد أزمة القرم، لتقييم موضوعي لها، وما ترتب عنها من تحالفات جديدة، وبروز ما يسمى خلايا الجنوب الشمولي أو le sud global، بعد قراءة دقيقة للأصوات المعبر عنها داخل الأممالمتحدة للقرارات التي كانت تندد بموقف روسيا في تلك الحرب، وما سجلناه من مواقف العديد من الدول، ومنها المغرب، ومن تصويتها على تلك القرارات الأممية ورفضها دعم مواقف الغرب ضد روسيا حفاظا على مصالحها الحيوية وعلاقتها الدولية مع الجميع. وقد تميز موقف المغرب آنذاك بتشبثه بالشرعية الدولية والوحدة الترابية لأوكرانيا، وفي نفس الوقت بالحفاظ على شراكته الاستراتيجية مع روسيا، بعدم التصويت ضدها وأمنها القومي، ما مكنه من تطوير علاقاته السياسية والدبلوماسية والاقتصادية معها، وهذا ما جعلها تساند قضيتنا الوطنية فعليا، وبامتناعها عن قرار مجلس الأمن رقم 2797 ل31 أكتوبر 2024. إنها السياسة والدبلوماسية الحكيمة والواقعية لجلالة الملك محمد السادس، والتي مكنت المغرب من التوفيق بين الدفاع عن المصلحة الوطنية ومواقفه المبدئية والتضامنية مع الشعوب المكافحة من أجل الاستقلال والحرية، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، وبين تعزيز علاقاته المتعددة مع باقي الدول العظمى. (*) نائب رئيس المعهد المغربي للعلاقات الدولية ومحلل سياسي