محمد سعد عبد اللطيف الثلاثاء 30 دجنبر 2025 - 1:32 السودان.. حين تتحوّل الجغرافيا إلى فخ، والدولة إلى ساحة اختبار إقليمي في لحظات التحوّل الكبرى في الإقليم، لا تكون الحروب مجرد اشتباك سلاح، بل انكشاف خرائط. وحين تشتعل دولة بحجم السودان، فإن النار لا تلتهم أطرافها وحدها، بل تمتد إلى التوازنات العميقة في البحر الأحمر، والقرن الإفريقي، والخليج، وحتى دوائر التفكير الإستراتيجي في تل أبيب. فالسودان اليوم لا يعيش حربًا أهلية فقط، بل يقف عند تقاطع صراع نفوذ صامت، تتقدّم فيه القوى الإقليمية خطوة خطوة، بلا مواجهة معلنة، وبلا اكتراث حقيقي بثمن الانهيار الإنساني والسيادي. منذ اندلاع المواجهة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لم يعد السؤال الحقيقي من سينتصر عسكريًا، بل من سيرث السودان سياسيًا وجيوسياسيًا إن انهارت الدولة. فالحرب تجاوزت إطارها الداخلي، وتحولت إلى اختبار مفتوح لمعادلات النفوذ في منطقة شديدة الحساسية. في القراءة الجيوسياسية الباردة، يبدو السودان دولة مثالية للصراع بالوكالة: موقع استراتيجي يتحكم في خاصرة البحر الأحمر، ثروات طبيعية ضخمة، هشاشة سياسية مزمنة، ونخبة عسكرية منقسمة. هنا تحديدًا يتقاطع المساران السعودي والإماراتي، لا بوصفهما حليفين متكاملين، بل قوتين تسعيان إلى إعادة صياغة مستقبل الإقليم وفق رؤيتين مختلفتين. تنظر السعودية إلى السودان من زاوية الأمن الوقائي. فاستقرار هذا البلد يعني حماية العمق الغربي للبحر الأحمر، ومنع تحوّله إلى فضاء للفوضى أو منصة لتصدير التطرف والجريمة العابرة للحدود، أو ساحة نفوذ لقوى دولية منافسة. لذلك تميل الرياض إلى دعم الدولة المركزية ممثلة في الجيش النظامي، لا بدافع أيديولوجي، بل خوفًا من الفراغ. فالفراغ في الجغرافيا أخطر من الاستبداد في السياسة. في المقابل، تتحرك الإمارات بعقلية إدارة الصراعات لا حلّها. فهي لا تنظر إلى السودان كدولة يجب إنقاذها، بل كساحة يمكن توظيفها ضمن معركة أوسع ضد الإسلام السياسي، وضد أي بنية قد تعيد إنتاج دولة مركزية قوية خارج نطاق السيطرة الإقليمية. ومن هنا جاء الانفتاح على الفاعلين غير الدولتيين بوصفهم أدوات نفوذ مرنة، قابلة للاستخدام وإعادة التشكيل. هذا التباين لا يعني قطيعة بين الرياض وأبوظبي، لكنه يكشف تصدّعًا مكتومًا في الرؤية. فالسعودية تريد سودانًا مستقرًا ولو بحده الأدنى، بينما لا تمانع الإمارات سودانًا ضعيفًا طالما يخدم شبكة مصالحها الممتدة من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر. في قلب هذا المشهد، يتحرك قائد الجيش السوداني لا كصاحب مشروع دولة، بل كلاعب يسعى إلى البقاء. فزياراته الخارجية، وخصوصًا إلى الرياض، لا تنفصل عن محاولة خلق توازن سياسي أمام الدعم الذي يتلقاه خصومه. هو يدرك أن المعركة لم تعد تُحسم في شوارع الخرطوم وحدها، بل في العواصم التي تملك المال والشرعية والقدرة على التأثير الدولي. غير أن المأساة السودانية تتجلى في حقيقة أكثر قسوة: الأطراف المحلية لم تعد تفاوض من أجل السودان، بل تفاوض باسمه، بينما تتحول الدولة نفسها إلى ورقة في بازار إقليمي مفتوح. اللافت في هذا الصراع ليس فقط الدور الخليجي، بل الاهتمام المتزايد لدوائر بحثية وأكاديمية إسرائيلية بما يجري في السودان. فإسرائيل، التي تقرأ الإقليم بمنطق الفراغات الإستراتيجية، ترى في انهيار الدول فرصًا بقدر ما ترى فيها تهديدات. من منظور تل أبيب، لا يُختزل السودان في كونه دولة عربية أخرى، بل يُنظر إليه كعقدة جيوسياسية حساسة: بوابة محتملة للنفوذ الإيراني، ساحة مفتوحة للتغلغل الروسي عبر الموانئ والذهب، ودولة يمكن – في حال استقرارها – أن تؤثر في معادلات البحر الأحمر والأمن الإقليمي. ومع ذلك، تتعامل إسرائيل مع هذا الملف بحذر مزدوج. فهي لا تريد الانحياز الكامل لأي من المحورين الخليجيين، لأن كليهما يشكل ركيزة في حسابات التطبيع الإقليمي. كما أن استمرار الحرب، رغم كلفته الإنسانية الفادحة، يُنتج واقعًا سودانيًا ضعيفًا وقابلًا للاختراق، وهو سيناريو خبرته إسرائيل جيدًا في تجارب إقليمية سابقة. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في شكل السلام المحتمل. فحتى لو توقفت المعارك، يبقى السودان مهددًا بالتحول إلى دولة منقوصة السيادة، موزعة الولاءات، مرتهنة للداعمين الخارجيين؛ سلام بلا دولة، واستقرار بلا مشروع وطني جامع. وهنا تتبدى المفارقة الفلسفية القاسية: الدول لا تنهار حين تخسر الحرب، بل حين يصبح بقاؤها مرهونًا بإرادة الآخرين. ما يجري في السودان ليس استثناءً، بل تعبير مكثف عن لحظة عربية مأزومة، تُدار فيها الصراعات من فوق الخرائط، بينما تُترك الشعوب تحت الأنقاض. هو صراع لا تُسمع فيه طبول الحرب بين السعودية والإمارات، لكنه يُخاض عبر الآخرين وعلى أرض الآخرين. والسؤال الذي يفرض نفسه في النهاية ليس من سينتصر في السودان، بل: هل سيُسمح للسودان أصلًا أن يكون دولة، أم سيظل مجرد ساحة؟ كاتب صحفي مصري وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة