1. الرئيسية 2. المغرب قيوح يقرّ ب"الفشل" في استراتيجية الحد من حوادث السير.. ويُعيد تسويق نفس البرامج العاجزة بينما نزيف الطرق وصل إلى 4160 قتيلا و9560 إصابة خطيرة الصحيفة من الرباط الأربعاء 7 يناير 2026 - 15:46 قدّم عبد الصمد قيوح وزير النقل واللوجيستيك، أمس الثلاثاء، إقرارا رسميا بعجز وزارته والحكومة عن حماية أرواح المغاربة على طرقها حين اعترف بأن السلامة الطرقية تمر بمرحلة "خطيرة ودقيقة" ليس لأن البرامج تعثرت قليلا، بل لأن المؤشرات باعترافه تسير في اتجاه تصاعدي مرعب يُنذر بأسوأ حصيلة خلال السنوات الأخيرة رغم وجود استراتيجية وطنية تمتد على عقد كامل ورغم الميزانيات التي رُصدت، والمؤسسات التي أنشئت والوعود الحكومية التي بشّرت بإصلاح "هيكلي". وخرج عبد الصمد قيوح وزير النقل واللوجيستيك، ليعترف بأن السلامة الطرقية في المغرب تعيش واحدة من أسوأ فتراتها، في اعتراف نادر يعكس بشكل واضح فشل السياسة العمومية في هذا الملف الحساس، رغم كثرة الاستراتيجيات والشعارات والمؤسسات والبرامج التي قيل إنها ستحدّ من نزيف الأرواح على الطرقات غير أن لغة الأرقام التي قدّمها الوزير بنفسه جاءت فاضحة وصادمة، إلى درجة أن الخطاب الرسمي بدا وكأنه يعلن نهاية الثقة في المرحلة السابقة ويبحث عن تبرير سياسي وتقني لإطلاق مرحلة جديدة. الوزير، الذي كان يرأس اجتماع اللجنة الدائمة للسلامة الطرقية، وهو فضاء يُفترض أن يكون عنوانا للتقييم والمحاسبة تحوّل إلى منصة لإعلان فشل مؤكد فالمؤشرات كلها تسير في الاتجاه الخاطئ ذلك أنه خلال الأشهر الإحدى عشرة الأولى من سنة 2025، سُجل ارتفاع مهول في عدد القتلى بنسبة 25.7 في المائة مقارنة مع الفترة نفسها من 2024، ليبلغ عدد الضحايا 4160 قتيلا أما الإصابات البليغة، فقد ارتفعت بنسبة 13.5 في المائة، بما مجموعه 9560 إصابة خطيرة. وتعتبر هذه الأرقام، نتيجة مباشرة لعشر سنوات من الخطاب الرسمي حول "إصلاح السلامة الطرقية"، منذ إطلاق الاستراتيجية الوطنية 2017-2026، التي وعدت حينها بانخفاض تدريجي في عدد القتلى فيما اليوم، وبعد تسع سنوات من العمل المعلن يقر الوزير بأن الاتجاه ليس نحو الانخفاض بل نحو تصاعد ينذر بالمزيد. وبدل أن يذهب الوزير إلى اعتراف سياسي صريح يتحمل فيه قطاعه مسؤولية هذا الفشل، حاول إعادة توجيه النقاش نحو المستقبل، متحدثا عن "فرصة جديدة" لتدارك الاختلالات عبر استراتيجية حديثة للفترة 2026-2030. هذه الاستراتيجية الجديدة التي قال إنها جاءت بعد دراسة أنجزتها الوزارة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية بشراكة مع مختلف المتدخلين تُقدّم على أنها مراجعة شاملة لنتائج وتحديات المرحلة الأولى، وإعلان عن مخطط عمل جديد سيحاول ترميم ما أُهمل أو فُشل في تحقيقه. وتفادى المسؤول الحكومي، الحديث عن كيف يمكن لقطاع لم ينجح في تنزيل استراتيجية قائمة منذ 2017 أن يقنع اليوم بأن النسخة المحدّثة من الاستراتيجية ذاتها ستكون الحل السحري، خصوصا وأن الوزير عرض المحاور الكبرى دون أن تختلف كثيرا عمّا كان مطروحا سابقا بما فيها التدبير الناجع للسلامة الطرقية، تحسين البنيات التحتية، تعزيز سلامة المركبات، تعديل سلوك مستعملي الطريق، وتطوير منظومة التدخل بعد وقوع الحوادث. وهنا يتبدّى التناقض الأكبر، المتجلي في اعتماد الوزير قيوح على نفس الخطاب، نفس العناوين، نفس الآليات تقريبا، لكن بنتائج خطيرة ومؤشرات دموية متصاعدة فيما ما تغيّر اليوم ليس جوهر المقاربة بل مستوى الإقرار بالفشل. قيوح أكد أيضا أن رؤية 2030-2026 ستكون مدعومة بمخطط عمل مفصل يحدد الموارد اللازمة، والآجال الزمنية الدقيقة، ومؤشرات التتبع والتقييم كما شدد على ضرورة إشراك الجهات والسلطات المحلية والمنتخبين، وإعداد خرائط طريق ترابية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية كل مجال وهذه النقاط، رغم كونها تبدو تقنية ومهيكلة إلا أنها تعترف ضمنيا بأن المرحلة السابقة كانت تفتقر إلى الحكامة الفعلية، وأن الخلل لم يكن فقط في الطرق والسائقين، بل في قلب المنظومة التدبيرية نفسها. كما أعلن الوزير أن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية ستعمل على تقوية آليات القيادة والحكامة، عبر اعتماد أدوات حديثة للتتبع، وتطوير منصة رقمية لمراقبة برنامج المشاريع وفي السياق ذاته، تحدث عن تفعيل اللجان الجهوية للسلامة الطرقية باعتبارها "رافعة أساسية" لتنزيل الاستراتيجية على المستوى الترابي. غير أن هذه اللغة التقنية بالغالب تُستعمل للتخفيف من مسؤولية سياسية واضحة، فكل هذه الهياكل والمؤسسات كانت موجودة في الأصل فاللجان وُجدت، الوكالة تأسست، الميزانيات رُصدت، والشعارات الترابية والرقمية وُعد بها سابقا. ومع ذلك، انتهى المغرب إلى حصيلة كارثية بأكثر من 4160 قتيلا وقرابة 10 آلاف إصابة خطيرة خلال أقل من سنة لذلك، يصبح سؤال المحاسبة والمساءلة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى وهو من يتحمل مسؤولية هذا الفشل؟ ولماذا فشلت الاستراتيجية السابقة رغم كل ما أعلن عنها؟ الوزير عاد في ختام الاجتماع ليصف مناقشة الاستراتيجية الجديدة بأنها "محطة أساسية" في مسار تعزيز السلامة الطرقية، داعيا إلى تعبئة شاملة، وإلى توفير الموارد المالية والبشرية، وإلى إشراك جميع المتدخلين دون استثناء لكنه أغفل حقيقة محورية هي أن الموارد كانت موجودة، المؤسسات كانت مشتغلة، والبرامج كانت معلنة ومع ذلك، سقط آلاف المواطنات والمواطنين بين قتلى ومصابين بليغين. وما قاله الوزير بوضوح وبالأرقام هو أن الحكومة فشلت حتى الآن في حماية الأرواح على الطرق وما لم يقله صراحة هو أن المطلوب اليوم يتجاوز مجرد إطلاق استراتيجية جديدة، نحو فتح نقاش صريح حول حكامة القطاع، وفعالية المؤسسات، ومدى الجدية في تقييم السياسات العمومية ومحاسبة صانعي القرار وإلى أن يحدث ذلك، سيظل خطاب "المرحلة الدقيقة" يتكرر، بينما تستمر الطرق المغربية في دفع الثمن الأكبر عبر أرواح تُزهق، وأسر تُدمَّر، وخسائر اقتصادية واجتماعية تُعمّق شعور المواطنين بأن الوعود الحكومية لم تعد تقنع أحدا.