من معارض ومحلات "تالبورجت" والمدينة الجديدة، إلى سوق الأحد وأحياء السلام والهدى وكورنيش مدينة أكادير، عكست هذه الفضاءات خلال أيام منافسات كأس إفريقيا للأمم 2025 بأكادير مسرحا لاكتشاف آخر من نوع مختلف: اكتشاف المطبخ الأمازيغي الذي تحول إلى لغة مشتركة بين الضيوف القادمين من مختلف بلدان القارة. رائحة زيت الأركان، ودخان طواجين "أملو"، وأقراص "تاكلا" الساخنة بدقيق الشعير، استقبلت الزوار والضيوف قبل أن تستقبلهم الكاميرات والمدرجات في ملعب "أدرار". منذ الساعات الأولى للصباح، تبدو المحلات المنتشرة في تلك المواقع كخلايا نحل. نادلات بلباس سوسي مطرز يشرحن للزبناء معنى "البصارة بتكمّارت"، وأصحاب محلات يعرضون العسل الحر واللوز و"إيدوكان" المجفف. كثير من مشجعي المنتخبات الكروية الإفريقية جاؤوا لاستكشاف الأمكنة والتسوّق، لكن أغلبهم انتهى به المطاف حول موائد صغيرة يتقاسمون أطباقا لم يعتادوها.
كسكس يتحدث بكل لهجات إفريقيا داخل مطعم عتيق بزنقة قريبة من باب 9 في السوق، جلس جوزيف أوديرو، مشجع بنيني جاء لمتابعة مباراة بلاده أمام مصر. قال وهو يرفع ملعقته: "تذوقت الكسكس في أماكن كثيرة، لكن هذا بطعم الخُضَر السبعة وزيت الأركان شيء آخر. أحس أنه طبق يحمل تاريخ الأرض التي جئتُ إليها". وإلى جانبه، كانت زوجته ماري تصوّر طريقة تزيين القصعة، قائلة: "أدهشني أن الكسكس يُقدم يوم الجمعة كعيد صغير. الناس هنا يطبخون بحب وشغف، وليس فقط لإشباع الجوع". الكسكس، والطاجين بالدجاج البلدي والزعفران، وشراب "أزكّيف" و"أملو"، تصدّرت لائحة الطلبات، وفق إفادات مهنيي القطاع، إذ إن نسبة استهلاك الأطباق المحلية ارتفعت بأكثر من 60 بالمائة خلال فترة المنافسات الكروية الإفريقية، ما جعل المزوِّدين يضاعفون طلبيات المنتجات المحلية، التي ساهمت المعارض المنتشرة في كبريات ساحات عاصمة سوس في الترويج لها أكثر. أركان… الذهب الذي يؤكل على الواجهة البحرية وأمام القصر البلدي وساحة ولي العهد، على مقربة من ساحة الأمل، نُصبت خيام صغيرة للتذوق المجاني لمنتجات التعاونيات النسوية. هنا التقت الجماهير بطبق "أملّو" الممزوج باللوز والعسل وزيت الأركان. أميناتا تراوري، صحفية إيفوارية غطت أجواء البطولة، قالت بعد أن تذوّقت قطعة خبز مدهونة: "كنتُ أعرف الأركان كمنتج تجميلي فقط. اليوم أكتشفه كنكهة. إنه يشبه الفول السوداني عندنا، لكنه أرقى وأكثر عمقا". أما اللاعب الغاني السابق كوادو أسامواه، الذي حلَّ ضيفًا على إحدى القنوات الرياضية، فقال: "أخذت معي علبتين من "أملو" لأبنائي. أريدهم أن يتعرفوا على هذا التراث الغذائي. المطبخ جزء من هوية كرة القدم". طاجين يوقف الزمن أكثر ما كان يثير فضول الضيوف هو الطاجين بلحم الماعز. في مطعم ب"تالبورجت"، انتظر مشجعون من البنين قرابة نصف ساعة حتى ينضج الطاجين على الجمر الهادئ. قال تشيبوكي إيز: "الانتظار نفسه طقس جميل. في بلادي كل شيء سريع. هنا تعلمت أن اللذة تحتاج صبرًا". وأضاف صديقه أحمد موسى: "الطاجين حار لكنه متوازن، والتوابل ليست عدوانية. أشعر أنني أتناول طبقا عائليا". تاكلا وتكمّارت: دهشة دقيق الشعير غير بعيد عن ساحة الأمل، كان مطعم متخصص في أكلات الشعير يقدم طبق "تاكلا بتكمّارت"، وهو مرق سميك بأعشاب عطرية. يشرح خالد بن ساسي، مشجع مصري، قائلاً: "هذا يشبه عصيدة أمهاتنا في الجنوب، لكن مع إضافة أعشاب لم أتعرّف عليها. الأمازيغية تجمعنا من حيث لا ندري". صاحبة المطعم، الحاجة رقية، أكدت أن كثيرًا من الضيوف يطلبون شرحًا مكتوبًا لمكونات الأطباق بلغات مختلفة، ما دفعها إلى إعداد قوائم بالعربية والفرنسية والإنجليزية. حلويات من قلب الجبال النساء العارضات قدمن "أغروم أوزلاف" (خبز اللوز)، و"سفوف تيفي" بحبات السمسم. تقول ليلى ديوف من السنغال: "الحلويات هنا ليست شديدة السكر. تعتمد على العسل والمكسرات، وهذا صحي. سأحاول تحضيرها في داكار". المطبخ كدبلوماسية موازية أجواء البطولة الإفريقية "للكَان 2025" أبرزت دورا اقتصاديا وثقافيا للمطبخ المحلي الأمازيغي. مطاعم عديدة نظمت أمسيات فنية أمازيغية مرفوقة بالطهي الحي، وتحولت بعض التعاونيات إلى قبلة لوفود رسمية في معارض تَؤم ساحات مدينة أكادير. يقول أحد الطباخين الشباب، إلياس أوسوس: "كرة القدم فتحت لنا بابا لنعرض ما نملك. الضيوف صاروا سفراء للأركان والعسل واللوز". ومع اقتراب إسدال الستار على المنافسات القارية للكَان، لم تعد أكادير فقط مدينة البحر والكرة، بل مدينة النكهات الأمازيغية. كثير من الضيوف سيغادرون بعد مباراة ربع النهائي، وهم يحملون قصصا عن موائد صغيرة التقت حولها القلوب. قال جوزيف الكيني مودعا: "سأعود يوما ليس من أجل مباراة، بل من أجل قصعة كسكس وطاجين يوقف الزمن".