د. محمد كرواوي الجمعة 6 فبراير 2026 - 19:49 النظام العسكري الجزائري في مرآة هيومن رايتس ووتش حين نقرأ التقرير الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش في الرابع من فبراير من هذا العام، فإننا لا نقف أمام مجرد وثيقة حقوقية ترصد انتهاكات عابرة، بل نحن بصدد كشف حساب لنيات القوى الفاعلة في صياغة مستقبل الدولة الجزائرية. إن التقارير الدولية في جوهرها هي كشافات إضاءة تسلط أنوارها على المناطق المعتمة في ممارسات السلطة، وهي محاولة لإخضاع السياسات العامة لمعايير المحاسبة التاريخية قبل الأخلاقية. في الجزائر، يبدو أن الصراع لم يعد بين حكومة ومعارضة، بل صار صراعا بين منطق الدولة المدنية التي يتوق إليها جيل الحراك، ومنطق الثكنة التي تأبى إلا أن تكون هي المرجع والمنتهى في كل شؤون الحياة، والموت، والرزق، والكرامة. إن القارئ المتفحص لبنية السلطة في الجزائر يدرك أننا أمام مشهد الازدواجية القلقة؛ واجهة مدنية تتحرك في مساحة مرسومة بدقة، وخلفها مؤسسة عسكرية تمسك بمفاتيح القرار، والميزانية، والمستقبل. هذا الوضع أدى إلى حالة من الانسداد التاريخي، حيث تصر النخبة الحاكمة على إعادة إنتاج ذاتها عبر هندسة القوانين لتصبح سيفا مسلطا على الرقاب، بدلا من أن تكون درعا للحريات. إن استخدام مواد مكافحة الإرهاب في ملاحقة الكلمة الحرة ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو قرار سياسي يهدف إلى تجفيف منابع الحلم بالتغيير، وتحويل الفضاء العام إلى رقعة جغرافية لا يسمع فيها إلا صدى الرواية الرسمية التي تجاوزها الزمن ولم تعد تقنع حتى صانعيها في الغرف المغلقة. دعنا نذهب إلى عمق المشهد الاستراتيجي، إننا أمام استراتيجية تعتمد على إدارة الخوف؛ فالسلطة في الجزائر توظف الحرائق الإقليمية المشتعلة في دول الساحل، وتستحضر شبح التدخلات الخارجية لتبرير القبضة الحديدية في الداخل. هي تسوق للمجتمع الدولي فكرة أنها الضامن الوحيد للاستقرار في شمال إفريقيا، بينما الواقع يقول إن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على حرمان الحقوقيين من السفر أو زج الصحفيين في غياهب السجون، بل يبنى على الشرعية التي تولد من صناديق الاقتراع لا من غرف العمليات الأمنية. هذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش هو ما يضع الدولة الجزائرية اليوم في حالة عزلة عن سياقها الديمقراطي الطبيعي، ويحولها إلى جزيرة مغلقة تخشى رياح التغيير القادمة من كل اتجاه. أما الملف الأكثر خطورة في هذا السياق، فهو ملف القضاء، الذي تحول في يد النظام العسكري من سلطة مستقلة إلى سلاح للمواجهة. إن تقرير هيومن رايتس ووتش يشير بوضوح إلى أن القضاء الجزائري فقد جوهره كحارس للعدالة، وصار مجرد صدى لقرارات الأجهزة الأمنية. إننا أمام قضاء بالهاتف وبالتعليمات، حيث يتم تكييف التهم الجنائية لتناسب الخصوم السياسيين. إن المحاكمات التي تفتقر لأدنى معايير النزاهة، وصدور أحكام قاسية بناء على منشورات في فيسبوك أو تعبير عن رأي مخالف، هي طعنة في قلب الدولة القانونية. عندما يتحول القاضي إلى أداة في يد السلطة التنفيذية، فإن مفهوم العدالة ينهار، ويصبح المواطن أعزلا أمام تغول الدولة. إن استقلالية القضاء هي الضمانة الوحيدة التي تحمي المجتمع من جنون العظمة الذي قد يصيب أي سلطة مطلقة، وفي غياب هذه الضمانة، تتحول المحاكم إلى مقصلة سياسية لتصفية الحسابات بدلا من كونها ملاذا للمظلومين. وفي الملف الاقتصادي، الذي هو عصب الحكم الحقيقي، نجد أننا أمام دولة الريع التي تم تطويعها لخدمة مركزية السلطة المطلقة. لقد تحول النفط والغاز من ثروة وطنية يفترض أن تشيد اقتصادا إنتاجيا، إلى أداة سياسية لإسكات الغضب الشعبي عبر توزيع المنح، أو لتمويل صفقات تسلح مليارية تهدف في المقام الأول إلى الحفاظ على توازن القوى داخل أجنحة الحكم واسترضاء مراكز القوى العسكرية. إن غياب الشفافية في إدارة كبريات الشركات الوطنية مثل سوناطراك ليس صدفة، بل هو تعبير عن رغبة المؤسسة الحاكمة في إبقاء عصب الحياة بعيدا عن أي رقابة شعبية قد تكشف حجم النهب الممنهج الذي استنزف مقدرات الشعب لسنوات طويلة تحت شعارات السيادة الوطنية الزائفة. إن هذا النظام الاقتصادي المغلق أفرز طبقة من رجال الأعمال المرتبطين عضويا بمراكز النفوذ العسكري، فيما يمكن تسميته بزواج المال والسلطة في أقبح صوره. هذه الطبقة لا تبتكر ولا تنتج، بل تعيش على فتات الصفقات العمومية، مما قتل روح المبادرة لدى الشباب الجزائري وحول الجامعة من منارة للعلم إلى مصنع للمهاجرين. إن الدولة التي تعجز عن توفير المواد الأساسية لمواطنيها في ظل فوائض مالية ضخمة، هي دولة تعاني من فشل بنيوي في الإدارة. وهذا الفشل ليس تقنيا، بل هو فشل سياسي بامتياز، لأن السلطة تخشى أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى ظهور مراكز قوى مالية مستقلة قد تطالب يوما ما بالمشاركة في صنع القرار السياسي، وهو ما ترفضه عقلية الثكنة جملة وتفصيلا. إن الانغلاق الذي تفرضه السلطة على المبادرة الفردية، وتهميش الكفاءات التي ترفض الولاء المطلق، أدى إلى نزيف بشري هائل لا يمكن تعويضه. فالعقل الجزائري الذي يجد الأبواب موصدة في وجهه في الداخل، يضطر للهجرة، تاركا البلاد تحت رحمة بيروقراطية عقيمة ترى في التطور خطرا على امتيازاتها التاريخية. إن النظام العسكري الجزائري يواجه اليوم أزمة شرعية أمام جيل جديد لا يعيش على ذكريات الماضي الجميل، بل يتطلع إلى وظيفة وكرامة وحق في التعبير. هذا الجيل يدرك أن شرعية الثورة، مهما كانت عظمتها، لا تعطي صكا مفتوحا لحكم الأبد بعقلية العقيد والجنرال، وأن الوطن لا يمكن اختزاله في شخص أو مؤسسة مهما غلت التضحيات وعظم التاريخ. وعندما ننظر إلى الفضاء الرقمي، نجد أن السلطة شنت حربا شاملة على منصات التواصل الاجتماعي، محولة إياها من فضاءات للحرية إلى حقول ألغام قانونية. إن الملاحقات التي تطال المدونين لمجرد منشور يعبر عن رأي مخالف، تعكس حالة من الرعب تسكن أروقة الحكم. السلطة تدرك أن السيطرة على العقول أصعب بكثير من السيطرة على الشوارع، ولذلك تلجأ إلى الترهيب القضائي كأداة وحيدة لضبط الإيقاع الاجتماعي. لكن التاريخ يعلمنا أن الضغط المستمر دون منافس لتفريغ الشحنات يؤدي حتما إلى الانفجار، وأن الرقابة مهما اشتدت لا يمكنها حجب شمس الحقيقة في عصر السماوات المفتوحة وتدفق المعلومات العابر للحدود. إن الجزائر تمتلك كل مقومات الدولة القائدة بفضل موقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة، لكنها مكبلة بقيود العقلية الأمنية التي ترى في كل حركة اجتماعية مؤامرة، وفي كل نقد خيانة وطنية. إن ما يحتاجه البلد اليوم ليس مزيدا من قوانين القمع أو صفقات السلاح، بل هو شجاعة العودة إلى ثكنات العمل الاحترافي، وترك إدارة الشأن العام للسياسيين الذين يملكون برامج اقتصادية واجتماعية حقيقية قادرة على إخراج البلاد من نفق التبعية للمحروقات. إن الاستمرار في هذا المسار لا يضعف الحريات فحسب، بل يهدد كيان الدولة نفسه من الداخل، لأن الدول التي تعجز عن التجدد والاعتراف بأخطائها تصبح هشة أمام الأزمات، وتفقد حصانتها الوطنية في مواجهة التحديات الكبرى والتقلبات الجيوسياسية التي لا ترحم الضعفاء. إن تقرير هيومن رايتس ووتش هو جرس إنذار أخير يقرع في آذان الذين يظنون أن القوة الأمنية يمكن أن تغني عن الرضا الشعبي. إن الطريق نحو المستقبل يبدأ بالاعتراف بأن زمن الأبوية السياسية قد انتهى، وأن الشعب الجزائري الذي حرر الأرض بدمائه قادر على إدارة شؤونه بحرية وكرامة. إن بناء دولة المؤسسات والقانون يتطلب تضحية من القابضين على السلطة من أجل مصلحة الوطن، فهل من مستمع في قصر المرادية قبل أن يجرف سيل الغضب الشعبي ما تبقى من جدران الصمت؟ إن المسؤولية التاريخية تقتضي اليوم فتح النوافذ لرياح الحرية، لأن البديل هو الغرق في رمال متحركة من الأزمات الاجتماعية والسياسية التي لن يسلم منها أحد، وسيدفع ثمنها الوطن من سيادته واستقراره ومستقبل أبنائه. كاتب وأكاديمي مغربي الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة