مروان الفاهم الأربعاء 18 مارس 2026 - 3:07 هل للقاضي الدستوري المغربي الكلمة الأخيرة؟ مقاربة تحليلية لجدلية العدالة الدستورية والسلطة التأسيسية الأصلية / المشتقة. شكلت العلاقة التراتبية، بين القاضي الدستوري والمشرع، محورا جوهريا في الفقه الدستوري المعاصر، حيث أفلح العميد جورج فيديل (GEORGES VEDEL) في هندسة توازن مؤسس، يكفل احتواء "التوتر" القائم بين متطلبات العدالة الدستورية من جهة، وبين مبادئ الديمقراطية التمثيلية من جهة أخرى (O. CAYLA, 2023, p. 66-79)، ويتأسس هذا الطرح، وفق صياغة فيديل الشهيرة، على قاعدة مفادها أنه، "إذا كان القضاة لا يمارسون الحكم، فلأن صاحب السيادة يستطيع، في كل لحظة، متى تجلى بصفته سلطةً تأسيسية أصلية / مشتقة، وبهيبةٍ سيادية، أن يكسر قراراتهم، من خلال مراجعة الدستور" (G. VEDEL, 1992, p. 173). وإذا كان تنامي الرقابة الدستورية قد رسخ مبدأ أن "القانون لا يعبر عن الإرادة العامة إلا باحترامه للدستور"، فإن هذه القاعدة لا تكتسب شرعيتها ومبرر وجودها إلا باقترانها بضمانة عليا؛ تتمثل في قدرة الشعب أو ممثليه على تذليل العقبة الدستورية التي تعترض القانون، وذلك عبر اللجوء إلى أسمى آليات التعبير السيادي: المراجعة الدستورية (Ibid). للوهلة الأولى، تبدو هذه المصالحة الفقهية، جديرة بالتأييد المطلق؛ فهي تؤسس لنسق دستوري متناغم لا يلغي الإرادة الشعبية بل يؤطرها، حيث إنه، بموجب هذا النسق، تظل الديمقراطية محصنة وفي مأمن من أي تعسف قضائي، طالما أن الشعب أو من ينوب عنه يحتفظ دائماً ب "الكلمة الأخيرة" من خلال آلية التعديل الدستوري. وفي هذا الإطار، يتحدد الدور الوظيفي للقاضي الدستوري باعتباره "مشرعا سلبيا" وحارسا للوثيقة المعيارية المرجعية، دون أن يخول له ذلك "اعتلاء عرش صاحب السيادة" أو الحلول محله (F. CHALTIEL, 2008, p. 73-87). غير أن هذه التوليفة النظرية التي طالما شكلت عقيدة مستقرة، لم تسلم من الانتقادات السياسية والفقهية المتصاعدة، التي أعادت إحياء النقاش حول حدود السلطة القضائية الدستورية، وهو ما سلطت عليه الضوء حديثا مجلة (Pouvoirs) الفرنسية، حيث كشف تقديم ملفها الأخير عن تنامي تيار يسعى للتحرر من "القيود القانونية" التي تفرضها قرارات القضاء الدستوري (J. BENETTI, T. HOCHMANN, N. MOLFESSIS, 2025, p. 3). وفي هذا السياق، فككت الأستاذة ستيفاني هينيت-فوشيز الإجماع الفقهي التقليدي الذي كان يطمئن إلى احتفاظ الفاعل السياسي بالكلمة الأخيرة عبر التعديل الدستوري، معتبرة أن نظرية "سرير العدالة" باتت اليوم محل تشكيك مقلق، حيث ترى الكاتبة أن آلية المراجعة الدستورية لم تعد مخرجا كافيا في نظر بعض فقهاء القانون الدستوري، أمثال جان إيريك شوتيل وبرتراند ماتيو، الذين باتوا ينتقدون بحدة ما يصفونه ب "الإكراه القانوني المفرط" الذي يمارسه القاضي الدستوري على الفاعل السياسي (S. HENNETTE-VAUCHEZ, 2025, p. 49-62) . وعلى ضوء هذا التأصيل النظري، وإسقاطا على التجربة الدستورية المغربية، يبرز تساؤل يمكن اعتباره ك"منطلق": هل يمكن عمليا تجاوز قرار صادر عن مؤسسة القضاء الدستوري يقضي بعدم دستورية مقتضى تشريعي معين؟ إن المقاربة التحليلية تقودنا إلى الإجابة بالإيجاب، بيد أن هذا التجاوز لا يتأتى عبر التمرد المباشر على الحجية المطلقة للقرار القضائي، بل يشترط تدخلا سياديا لتعديل النص الدستوري الذي اتخذه القاضي مرجعية لمعياريته. إن هذه المراجعة الدستورية، تعيد تشكيل الإطار الدستوري الذي تأسس عليه القرار القضائي، عبر انتزاع "الأساس الدستوري" الذي استند إليه القاضي في تأسيس وتعليل منطوقه، مما يعيد الكلمة الفصل للسلطة التأسيسية الأصلية / المشتقة. تجسد الذاكرة المؤسساتية للقضاء الدستوري المغربي تطبيقا حيا لهذه الجدلية، من خلال الاصطدام التاريخي الذي وقع بين الغرفة الدستورية ومجلس النواب، حيث تبنت، آنذاك، الغرفة الدستورية موقفا فقهيا مستقرا، اتسم بالصلابة والمقاومة الشرسة لأي محاولة نيابية تهدف إلى تضمين النظام الداخلي لمجلس النواب مقتضيات تؤسس لتشكيل "لجان لتقصي الحقائق". وقد أسس القاضي الدستوري رفضه على تعليل شكلي وموضوعي مؤسس، متمسكا بأن هذه الآلية الرقابية لا تجد لها سندا في الوثيقة الدستورية، وأنه يمنع بالتالي على نظام داخلي، باعتباره نصا أدنى في الهرمية القانونية، أن يبتدع آلية رقابية مستحدثة تخل بالتوازن الدستوري للسلطات. لقد تبلورت الإرهاصات الأولى لهذا الموقف الرافض في وقت مبكر من عمر التجربة الدستورية، حيث أقرت الغرفة الدستورية في مقررها (عدد 1، الصادر بتاريخ 31 دجنبر 1963)، بأن إحداث "لجنة تفتيشية" داخل مجلس النواب هو مسلك مخالف للدستور. واعتمد القاضي الدستوري آنذاك في تعليله على مبدأ جوهري يمثل حجر الزاوية في الهندسة الدستورية، معتبرا أن "قيام لجنة ما بالتفتيش من شأنه أن يخل بمبدأ فصل السلط". وقد تعزز هذا الاتجاه لاحقا في مقرر الغرفة الدستورية (عدد 4، الصادر في 20 أبريل 1978)، والذي صرح بعدم دستورية الفصول المتعلقة بتكوين "لجان البحث والمراقبة" لعلة صريحة ومباشرة تتمثل في كون هذه اللجان "لا تدخل في عداد وسائل مراقبة عمل الحكومة المنصوص عليها في الدستور أو القوانين التنظيمية الجاري العمل بها حاليا". بيد أن هذا التوجه القضائي بلغ ذروة نضجه التحليلي مع مقرر الغرفة الدستورية (عدد 18، بتاريخ 5 يوليوز 1979)، حيث نحت القاضي الدستوري نظرية "الحصر الدستوري للاختصاصات"، لما أكد القرار أن الدستور حدد اختصاصات كل من مجلس النواب والحكومة "على سبيل الحصر"، ورغم إقراره بوجود تعاون ومراقبة، إلا أنه "لم يجعل هذه المراقبة مطلقة وبدون حدود". وذهب القاضي إلى جرد وسائل الرقابة الدستورية تفصيلا (قانون المالية، الأسئلة، مسألة الثقة، ملتمس الرقابة)، ليخلص إلى قاعدة مانعة تفيد بأنه "لا يسوغ أن تضاف إلى وسائل الرقابة هذه وسائل أخرى بواسطة القانون الداخلي"، محصنا بذلك مجال العلاقات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وحاصرا حق تعديله في الدستور والقوانين التنظيمية. ورغم محاولات البرلمان المتكررة لتجاوز هذه الرقابة بتغيير مسميات اللجان، ظل القاضي الدستوري متمسكا بقراءته الحرفية للنص الدستوري، حيث إنها، أي الغرفة الدستورية، في مقررها (عدد 182، بتاريخ 22 غشت 1985)، تصدت مجددا لمحاولة إحداث "لجان مؤقتة للبحث"، مجترة نفس الحيثيات التي تؤكد على أن الرقابة البرلمانية مؤطرة بموجب فصول الدستور (49 و55 و74 و75)، وأن أي محاولة للمساس بالتوازن المؤسساتي عبر آلية النظام الداخلي تعد تطاولا على اختصاص السلطة التأسيسية، وبذلك، شكلت سلسلة هذه المقررات "كتلة صلبة" من الاجتهاد القضائي المانع للتمدد البرلماني خارج النص الدستوري. أمام هذا الانغلاق القانوني، الذي فرضه توظيف القاضي الدستوري لمنهج التأويل الحرفي (l'interprétation littérale)، في قراءة الوثيقة المعيارية المرجعية، لم يكن من سبيل لتجاوز هذه العقبة الفقهية إلا بتفعيل نظرية فيديل عبر تدخل "السلطة التأسيسية". وقد تجلى هذا التدخل السيادي بمناسبة التعديل الدستوري لسنة 1992 (وتحديدا عبر الفصل 40 من دستور 9 أكتوبر 1992). لقد شكل هذا التعديل لحظة فارقة في التاريخ المؤسساتي المغربي، حيث أقر صراحة إمكانية إحداث لجان لتقصي الحقائق من قبل مجلس النواب، مما أدى عمليا إلى إسقاط الاجتهاد القضائي للغرفة الدستورية عبر تدمير أساسه النصي، في مشهد يجسد أسمى تجليات آلية "سرير العدالة" الدستوري. إن هذه التجربة الدستورية تبرهن، بما لا يدع مجالا للشك، على أن القاضي الدستوري، وإن كان يمارس سلطة رقابية نافذة تحصن سمو الدستور، وتكبح جماح السلطة التقديرية للمشرع، فإنه لا يمتلك مطلقا "الكلمة الأخيرة". إن القضاء الدستوري يتحرك ضمن حدود الوثيقة التي كلف بحمايتها، وعندما يصطدم اجتهاده بضرورات التطور المؤسساتي والسياسي، تنهض السلطة التأسيسية الأصلية / المشتقة، لتصحيح المسار وتكييف القاعدة الأسمى، وبذلك تتجسد العلاقة السليمة في دولة القانون: القاضي يحكم باسم الدستور، والملك، رئيس الحكومة، ومجلسي البرلمان (الفصل 172، دستور 2011)، يحكمون الدستور ذاته. باحث بسلك الدكتوراه || جامعة محمد الخامس الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة