ذ. محمد بن الديوس الأربعاء 1 أبريل 2026 - 16:27 مات المُرشد.. عاش المُرشد في الأسابيع الأخيرة، عادت إيران لتصبح محور النقاش الدولي، ولكن كلما ازداد الاهتمام وتصاعدت التوترات، كلما تحولت الرواية المتعلقة بإيران إلى مجرد سرد دعائي، لفهم نطاق ما يحدث وتداعياته فهما كاملا، علينا أولا أن نسأل أنفسنا: لماذا؟ وكيف وصلت إيران لما هي عليه اليوم؟، كيف نشأت الحكومة الثيوقراطية المعروفة بالجمهورية الإسلامية؟ ولماذا أصبحت إيران دولة معادية بشدة للغرب، خاصة الولاياتالمتحدةالامريكية؟ هي مجموعة من الأسئلة للإجابة عليها علينا أن نعود بعقارب الساعة إلى الوراء، في خمسينيات القرن الماضي، قام رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق باتخاد قرار تاريخي سيغير معه مجرى تاريخ البلد إلى الأبد، فقد قام مصدق بتأميم قطاع النفط، الذي كان حتى ذلك الحين تحت سيطرة المملكة المتحدة. كان هدف رئيس الوزراء محمد مصدق من تأميم قطاع النفط، هو استعادة سيطرة الشعب الإيراني على موارده، بعد عقود وعقود من استغلال الغرب لثروته الطبيعية، خاصة بريطانيا، إلا ان خطة مصدق لم تدم طويلا، فقد تم الانقلاب عليه سنة 1953 بعملية أطلق عليها اسم "أياكس"، كان خلفها كل من بريطانيا واللاعب الجديد في المنطقة في تلك الفترة، الولاياتالمتحدةالامريكية. إقالة مصدق من منصبه أدت إلى عودة الشاه رضا بهلوي إلى السلطة، وتم إعدام المعارضين السياسيين وأنصار الديمقراطية، وبذلك عادت إيران سنوات إلى الوراء تحت حكم ملكية مطلقة-مستبدة مدعومة من الغرب، اتسم عهد الشاه رضا بهلوي بتحديث قسري للبلاد، حيث أقر حق المرأة في التصويت وسن قوانين سعت إلى تسهيل تحررها، لكن بالمقابل تجاهل التوترات الاجتماعية في البلاد، مما زاد من السخط بين قطاعات واسعة من الشعب الإيراني، وهو الأمر الذي أدى في الأخير إلى قيام الثورة ضد نظامه سنة 1979، وهي السنة التي عرفت ميلاد الجمهورية الإسلامية. تجدر الإشارة إلى أن الثورة، في بداياتها، كانت حركة شعبية، محركها الرئيسي هم الشباب، حيث خاض طلاب الجامعات الثورة للإطاحة بالشاه، الذي كان خاضعا للغرب، بعد ذلك بوقت قصير، تحولت الحكومة الثورية إلى نظام ديني، لكن نشأة النظام الإيراني كانت عملية تاريخية اتسمت بالقمع والتناقضات الأيديولوجية والشعور الواسع بالتدخل الأجنبي، وبموقفها المعارض للنظام الذي تم الثورة عليه، لم يكن أمامها إلا أن ترفض كل ما أقره الشاه. فبعدما بدأ الشعب الإيراني أخيرا في التشكيك في النظام بعد أربعين عاما، وعندما بدأت الاحتجاجات في الشوارع، والتي قمعت بوحشية، في إحداث تغيير في الوعي الجماعي للبلاد، تدخلت الولاياتالمتحدةالأمريكية وإسرائيل. لقد قوض ترامب ومعه نتنياهو 25 سنة من حراك المجتمع المدني، فقد عززت الحرب النظام وأعادت إليه قوته، وما تعيين مجتبى خامنئي مرشدا أعلى جديد للجمهورية إلى دليل على ذلك، فهذا الخيار ما كان أن يتم لولا وجود الحرب. النتيجة الوحيدة التي تحققت حتى الآن من هذه الحرب، هي مقتل علي خامنئي المرشد الأعلى السابق، وهو رجل كان يبلغ من العمر 86 عاما، وكان على مشارف الموت، إلا أن الهجوم المشترك التي شنته أمريكا وإسرائيل، منح خامنئي موتا مجيدا، وهو الموت شهيدا، وهكذا سيخلد في الذاكرة، رجل جعل من مقاومة الغرب غاية حياته، اغتيل بسببها. ربما قوبلت وفاة خامنئي بهتافات الفرح والاحتفالات من قبل شريحة من الشعب الإيراني، لكن التعيين السريع لخامنئي الإبن، يؤكد الحقيقة التي يمكن تلخيصها باختصار على النحو التالي : "مات المرشد، عاش المرشد". إن الإيحاء بأن النظام الإيراني، تحت وقع الحرب وعمليات الاغتيالات التي تتم، سيسقط أو ستؤدي إلى تحول جذري في بنية النظام ومؤسساته، ما هو إلا انعكاس للغطرسة والجهل الغربيين، إن إمكانية إصلاح مجتمع ما أو نظام حكم من أعلى، ما هي إلا نتاج عقلية استعمارية لا تزال حاضرة بقوة اليوم أكثر من أي وقت مضى. مع الأسف، العالم اليوم لا يزال عنيفا ودمويا كما كان بالأمس، والقانون الوحيد الذي يحكم العلاقات بين الدول هو قانون الأقوى. الآراء الواردة في مقالات الرأي تعبر عن مواقف كاتبيها وليس على الخط التحريري لمؤسسة الصحيفة