1. الرئيسية 2. اقتصاد تصاعدُ أسعار المحروقات يحدث موجة غضب في صفوف مهنيي النقل الطرقي بالمغرب الصحيفة - خولة اجعيفري الخميس 2 أبريل 2026 - 17:34 تسبب تصاعدُ أسعار المحروقات في موجة غضب عارمة في صفوف مهنيي النقل الطرقي بالمغرب، دافعا القطاع إلى حافة مواجهة مفتوحة مع الحكومة في ظل اتهامات صريحة بعجز الإجراءات المعتمدة عن كبح النزيف المتواصل لكلفة الاستغلال وعجزها عن حماية التوازنات الهشة لمهنيين يواجهون ضغطا مركبا بين غلاء الطاقة وارتفاع التكاليف، وتراجع القدرة الشرائية بما ينذر بانفجار اجتماعي داخل قطاع حيوي بات مهددا في استقراره واستمرارية خدماته. ففي قلب هذا التصعيد، انتقل التصعيد إلى مساءلة جوهر المقاربة الحكومية برمتها في تدبير ملف المحروقات حيث يرى مهنيون أن الإجراءات التي اعتمدتها الحكومة بما في ذلك الدعم الظرفي الاستثنائي الذي تم إقراره لم يعد قادرا على امتصاص الصدمات المتتالية التي تضرب كلفة الطاقة ولا تعكس حجم التحولات التي تعرفها الأسواق الدولية. ويجد المهنيون أنفسهم أمام معادلة صعبة مع كل زيادة إذ يكون أمامهم إما تحمل الخسائر أو تمرير جزء من الكلفة إلى الزبناء وهو خيار يظل محدودا في سياق يتسم بتراجع القدرة الشرائية ما يضعهم في حلقة ضغط مغلقة. وفي موازاة هذا الضغط، زادت معطيات رسمية حديثة من تأجيج الغضب بعدما كشف مجلس المنافسة عن اختلالات واضحة في طريقة نقل أسعار المحروقات من السوق الدولية إلى السوق الوطنية، مسجلا تفاوتا غير متوازن بين الغازوال والبنزين وهو ما أعاد طرح أسئلة حادة حول شفافية التسعير وهوامش الربح وطبيعة الممارسات داخل سوق يفترض أنه محرر. ففي الوقت الذي لم تُنقل فيه زيادات الغازوال بالكامل إلى السوق المحلية، تم تحميل البنزين زيادات تفوق كلفته الدولية وهو معطى عمّق شعور المهنيين بأن قواعد اللعبة داخل هذا السوق ليست واضحة وأن آليات الضبط غير المباشر لم تعد كافية لضمان عدالة في الأسعار. ووسط هذا المناخ المتوتر، عكس الاتحاد النقابي للنقل الطرقي حجم الاحتقان المتصاعد داخل القطاع، حيث حذر بشكل صريح من تفاقم الأوضاع داخل القطاع في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات معتبرا أن هذه الزيادات باتت تشكل ضغطا كبيرا على مهنيي النقل وتهدد استقرار الخدمات. وعبر المجلس، عقب اجتماعه العادي المنعقد بالدار البيضاء عن قلقه من انعكاسات ارتفاع تكاليف الطاقة على كلفة الاستغلال وتوازنات القطاع، خاصة في سياق يتسم بتراجع القدرة الشرائية وغلاء المعيشة كما سجل رفضه القاطع لما يتم تداوله بخصوص زيادات مرتقبة في أقساط التأمين مؤكدا أن أي قرار من هذا النوع سيزيد من حدة الأزمة وقد يدفع عددا من المهنيين إلى الإفلاس محملا الجهات المعنية مسؤولية التداعيات المحتملة. ودعا إلى تسقيف أسعار المحروقات وإقرار إعفاء مؤقت من الضريبة الداخلية على الاستهلاك إلى حين استقرار السوق الدولية، إلى جانب فتح حوار جاد مع الفاعلين النقابيين والمهنيين لإيجاد حلول مستدامة. وعلى المستوى التنظيمي، شدد المجلس على أهمية تقوية الإطار النقابي باعتباره مدخلا أساسيا لإصلاح القطاع وصون كرامة المهنيين، معلنا عن عقد اجتماع ثان في 26 أبريل المقبل لمواصلة التداول في مستجدات الوضع كما دعا في السياق ذاته إلى تعبئة شاملة داخل القطاع والاستعداد لخوض أشكال نضالية مشروعة دفاعا عن الحقوق والمصالح المهنية." وهذا الموقف الذي جاء بلغة تحذيرية مباشرة، يكشف أن المهنيين لم يعودوا يراهنون فقط على الحلول الظرفية باتوا يطالبون بإعادة نظر شاملة في قواعد اشتغال القطاع وعلى رأسها مسألة تسقيف الأسعار التي تعيد إلى الواجهة جدلا سياسيا واقتصاديا مؤجلا منذ تحرير سوق المحروقات سنة 2015 كما أن الدعوة إلى إعفاء مؤقت من الضريبة الداخلية على الاستهلاك تعكس إدراكا متزايدا داخل القطاع بأن جزءا مهما من كلفة المحروقات مرتبط بالعبء الضريبي، ما يجعل أي تخفيف في هذا المستوى كفيلا بإحداث أثر مباشر على الأسعار النهائية ولو بشكل مؤقت. وفي خلفية هذه المطالب، يلوح شبح أزمة أعمق تتجاوز مجرد ارتفاع الأسعار لتلامس بنية القطاع نفسها، حيث تشير المعطيات الميدانية إلى أن عددا من المهنيين خاصة الصغار منهم باتوا يواجهون صعوبات حقيقية في الاستمرار في ظل تزايد التكاليف وثبات أو تراجع المداخيل ما يفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة من بينها خروج فاعلين من السوق أو تراجع جودة الخدمات. في هذا السياق، يرى الخبير في السياسات الطاقية محمد العباسي أننا اليوم أمام نموذج تسعير يفتقد إلى التوازن والشفافية في آن واحد معتبرا أنه منذ تحرير أسعار المحروقات سنة 2015 كان الرهان هو خلق سوق تنافسية تخفض الأسعار وتحمي المستهلك لكن الواقع يُظهر أن هذا الهدف لم يتحقق بالشكل المطلوب. وأوضح العباسي في تصريحه ل "الصحيفة" أن المعطيات المتاحة اليوم تُبيّن أن السوق تعرف نوعا من التماثل في السلوك السعري بين الفاعلين مع هوامش لا تعكس دائما منطق المنافسة الحقيقية بل أقرب إلى التكيف الجماعي مع نفس المستويات. المشكل الأكبر، وفق قراءة الخبير هو أن الحكومة لم تُطوّر أدوات مواكبة لهذا التحرير لا على مستوى الضبط ولا على مستوى الشفافية مشيرا إلى أنه وفي أغلب الدول التي حررت السوق يتم نشر معطيات دقيقة حول بنية الأسعار (كلفة الاستيراد، التخزين، النقل، التوزيع، والضرائب)، وهو ما يتيح تتبع كيفية انتقال الأسعار بينما في الحالة المغربية لا تزال هذه المعطيات غير متاحة بشكل منتظم ومفصل ما يخلق ضبابية تُغذي الشكوك. وأضاف المتحدث: "ثم هناك عامل أساسي يتعلق بالتركيبة الضريبية، حيث تمثل الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة جزءا مهما من السعر النهائي وأحيانا تتجاوز ثلث الكلفة ومع ذلك لم يتم تفعيل أي آلية مرنة لتخفيض هذا العبء في فترات الارتفاع الحاد، كما تفعل عدة دول عبر آليات التعديل التلقائي أو المؤقت." الأخطر، وفق العباسي هو أن الحكومة تستمر في اعتماد مراجعة نصف شهرية للأسعار وهو نظام موروث من مرحلة التقنين ولم يعد مناسبا لسوق محررة يفترض أن تتفاعل بشكل يومي مع الأسعار الدولية و"هذا الجمود في آلية التحيين يفتح المجال أمام سلوكيات اصطفاف ويحدّ من دينامية المنافسة". وحذر المتحدث إلى أن ما يعيشه القطاع اليوم في المغرب هو أزمة حكامة في تدبير سوق استراتيجية ذلك أن "الدولة تخلّت عن دورها كمنظم دون أن تضمن شروط سوق تنافسية حقيقية وتركت الفاعلين الاقتصاديين خاصة في قطاعات حساسة كالنقل يتحملون وحدهم تقلبات خارجية حادة.. وهذا الوضع، إذا استمر سيؤدي ليس فقط إلى إضعاف المقاولات، بل إلى اختلالات أوسع تمس التوازن الاقتصادي والاجتماعي."