كشفت الأرقام الواردة في تقرير حديث لمعهد الدراسات الاجتماعية والإعلامية حول أثر مضيق هرمز الجيوسياسية لعام 2026 على سوق المحروقات المغربي، عن واقع اقتصادي مقلق يعيشه المغرب على وقع تداعيات أزمة مضيق هرمز، حيث سجلت أسعار المحروقات قفزة مفاجئة في 16 مارس 2026 بلغت درهمين للتر الغازوال و1.44 درهم للبنزين، في زيادة وصفت بالصاروخية، تزامنت مع توقعات ببلوغ فاتورة استيراد الطاقة سقف 120 مليار درهم مع نهاية السنة، واتساع عجز الحساب الجاري إلى حدود 3.1% من الناتج الداخلي الإجمالي، ما يعكس حجم الضغط الذي بات يثقل كاهل التوازنات الماكرو اقتصادية ويضع القدرة الشرائية للمواطنين في قلب العاصفة. ولا تقف دلالات هذه الأرقام عند حدود تأثير التوترات الجيوسياسية في منطقة حيوية تمر عبرها نسبة مهمة من التجارة النفطية العالمية، وإنما تكشف، في العمق، حسب التقرير، عن اختلالات بنيوية داخل السوق الوطنية، حيث يبرز بوضوح ما يعرف بعدم تماثلية انتقال الأسعار، إذ يتم تمرير الزيادات الدولية بسرعة قياسية إلى المستهلك، بينما يتأخر انعكاس الانخفاضات بشكل لافت، في مشهد يعكس خللا في آليات المنافسة ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة تشكل الأسعار في سوق يهيمن عليه عدد محدود من الفاعلين، وهو ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية لفئات واسعة من المغاربة، إذ تشير المعطيات إلى أن 93.3% من المواطنين كانوا يعانون أصلا من صعوبة تغطية تكاليف المعيشة الأساسية قبل تفاقم الأزمة. هذا الارتفاع لم يبق حبيس محطات الوقود، إذ سرعان ما انتقل إلى مختلف مناحي الاستهلاك اليومي عبر ما يمكن تسميته بعدوى التضخم، حيث ارتفعت أسعار الأسماك بنسبة 5.4% والفواكه بنسبة 2.1% نتيجة الزيادة في تكاليف النقل والإنتاج، وهو ما يؤكد أن المحروقات تظل المحرك الأساسي لسلسلة الأسعار داخل الاقتصاد الوطني، خاصة في ظل تبعية طاقية تتجاوز 94%، تجعل المغرب عرضة بشكل مباشر لأي اضطراب في الأسواق الدولية، مهما كان حجمه أو مدته. وفي خضم هذه المؤشرات القاتمة، يرصد التقرير تحولا لافتا في سلوك المستهلك المغربي، الذي بدأ يبحث عن بدائل أقل تقلبا، حيث ارتفعت حصة السيارات الكهربائية والهجينة إلى 12.5% من السوق الوطنية مع بداية 2026، مدفوعة بدخول علامات تجارية جديدة تقدم خيارات أكثر تنافسية، في مقابل تراجع تدريجي لهيمنة سيارات الديزل التي انخفضت حصتها من حوالي 90% إلى نحو 70%، في مؤشر واضح على بداية تحول بنيوي في أنماط الاستهلاك الطاقي، فرضته الضغوط الاقتصادية أكثر مما أملته الاختيارات البيئية. وأمام هذا الوضع، يخلص التقرير إلى أن مواجهة الأزمة لا يمكن أن تتم بمنطق رد الفعل الظرفي، وإنما تستدعي إجراءات متكاملة تجمع بين البعد المالي والاستراتيجي، من خلال مراجعة مؤقتة للضرائب المفروضة على المحروقات، خاصة الضريبة الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة، لتخفيف العبء عن المستهلك، إلى جانب تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية الطاقية، وعلى رأسها مشاريع التخزين الاستراتيجي مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، بما يمكن من امتصاص الصدمات الخارجية وتقليص درجة التبعية للممرات البحرية المتوترة، فضلا عن مواصلة دعم مهنيي النقل عبر آليات رقمية تضمن استقرار التعريفات وتفادي انتقال موجات الغلاء إلى باقي القطاعات. وتؤكد أرقام سنة 2026 أن المشكلة ليست أزمة ظرفية في أسعار المحروقات، بقدر ما تضع النموذج الطاقي الوطني أمام اختبار حقيقي، وتطرح بإلحاح ضرورة تحقيق توازن دقيق بين متطلبات السوق وحماية السلم الاجتماعي، حتى لا يظل المواطن المغربي وحده من يدفع كلفة تقلبات الخارج واختلالات الداخل.