نلمس من خلال تصريحات السياسيين و تحاليل المعلقين الصحفيين حول موضوع الحرب على العراق و حتى من خلال التعليقات المتضاربة لبعض معارضي الحرب غيابا لنقطة جوهرية في خضم كل هذا الجدل الدائر . الكلام عموما هو عن الاستراتيجيات و التكتيكات و الجيوسياسية و الشخصيات و الغارات الجوية و الحرب البرية و أسلحة الدمار الشامل و التفتيش على الأسلحة و التحالفات و النفط و تغيير النظام . و لكن ما أغلفه هؤلاء هو الذي ستقدمه الحرب لعشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المواطنين العاديين الذين لا يهتمون بالاستراتيجية العسكرية و الجيوسياسية و لا هم لهم إلا حياة و تربية أبنائهم . هم لا يعيرون الأمن القومي اهتماما بل الذي يشغل بالهم هو فقط الخبز و الملجأ و المستشفى و السلام . أنا أتحدث هنا عن أولئك العراقيين و الأمريكيين الذين سيقتلون لا محالة في هكذا حرب أو يفقدون أيديهم أو أرجلهم أو يصابون بأمراض مزمنة تخرّج لنا أطفالا مشوهين كما حصل لعائلات في فيتنام و العراق و الولاياتالمتحدة . صحيح انه كان هناك نقاش حاد حول الخسائر الأمريكية المحتملة من اجتياح ما للعراق و لكن هذا النقاش و ككل نقاشات الاستراتيجيين لا يهتم بعدد الضحايا من القتلى و الجرحى بل بعدد الضحايا من الأمريكيين الذي يمكن أن يدفع بالرأي العام للمطالبة بالانسحاب من الحرب و يزيد من حدة المعارضة لها و أيضا بالآثار المتوقعة لهذه الحرب على الانتخابات النيابية و الرئاسية الأمريكية . و كان هذا بالضبط ما أقلق الرئيس السابق ليندن جونسون كما علمنا من حواراته المسجلة في البيت الأبيض . فلقد كان قلقا من احتمال ارتفاع عدد القتلى الأمريكيين في الحرب على فيتنام إذا ما صعّد من وتيرتها و لكن ما أقلقه اكثر من أي شيء آخر هو مستقبله السياسي . يقول ليندن جونسن لصديقه السيناتور ريتشارد راسل : " إذا انسحبنا من فيتنام فسيحاكمونني , أليس كذلك ؟ " فيتنام هذه كانت حربا ملأت رؤوسنا بالإحصائيات و الأرقام الكثيرة . و لعل أبرز هذه الأرقام يقف ممثلا في نصب تذكاري في واشنطن يرمز إلى 58 ألف قتيل أمريكي قتلوا في هذه الحرب . و لو أردنا معرفة الجانب الإنساني و بعيدا عن هذه الأرقام لقرأنا مذكرات و رسائل الجنود قبل موتهم في فيتنام أو حتى من نجوا من جحيم الحرب ليعيشوا حياة غير طبيعية إما فاقدا لأحد أطراف جسمه أو مدمرا نفسيا . و لعل أبرزها رسالة رون كوفيش الذي تهشم معظم عموده الفقري و تغيرت حياته بعدها إلى الأبد . أما عدد الضحايا في صفوف العدو فهذا شيء ليس له أدنى أهمية في نظر زعمائنا السياسيين و جنرالاتنا العسكريين و صحفنا و مجلاتنا و شبكاتنا التلفزيونية . و حتى اليوم فغالبية الأمريكيين ليس لديهم أدنى فكرة عن عدد القتلى في صفوف العسكريين و المدنيين الفيتناميين و الذي تجاوز الثلاثة ملايين فقدوا حياتهم تحت ضربات القنابل الأمريكية المدمرة . و حتى من هم على اطلاع بالأرقام و الإحصائيات فقد غاب عنهم معرفة تفاصيل تلك الأحداث و ضحاياها من الرجال و النساء و الأطفال إلى أن ظهرت صورة لطفلة فيتنامية و قد قطع جسدها بعدما صلبت على نخلة و ألي أن رأى الأمريكيون صورا مريعة لنساء و أطفال مكدسون داخل حفر و خنادق ضيقة و الجنود الأمريكيون يطلقون النار باتجاههم . و حتى بعد عشر سنوات على الحرب الأولى ضد العراق فان زعماءنا فخورون جدا لان عدد القتلى الأمريكان لم يتجاوز المائة في تلك الحرب و الواحد منا يتساءل هل عائلات القتلى يمكنها أن تتقبل مثل هذا الكلام . و حين سئل الجنرال كولين باول هل هو على علم بعدد الضحايا العراقيين أجاب بعدم اهتمام أن الأمر لا يهمه على الإطلاق . فيما أجاب مسئول كبير في البانتغون قائلا : " بصراحة نحن لا نهتم بهذا السؤال أبدا " . وكان الأمريكيون على علم بأن خسائرهم في الشرق الأوسط كانت بسيطة جدا و لكن ما حدث فعلا هو أن الحكومة الأمريكية جندت معها الإعلام للحيلولة دون وصول حقائق القتلى العراقيين . و بالرغم من هذا التعتيم فقد كانت هناك من حين لآخر بعض الإشارات الخاطفة لمدى الدمار الذي لحق بالشعب العراقي . لكنها كانت حقائق نشرت في بعض الصحف ثم اختفت بسرعة البرق . ففي منتصف فبراير من سنة 1991 قامت بعض الطائرات الحربية الأمريكية بإلقاء قنابل بكثافة شديدة على أحد الملاجئ في بغداد مما أودى بحياة ما بين 400 إلى 500 عراقي معظمهم من النساء و الأطفال لجئوا إلى الملجأ لعلهم ينجون من ويلات الغارات الأمريكية . و قد استطاع مراسل الاسوشيتد برس و هو أحد القلائل الذين سمح لهم بزيارة موقع الغارة و علق على ما شاهده من فظائع قائلا : " لم يستطع أحد التعرف إلى الجثث لأنها تفحمت و مزقت إلى أشلاء " . و في آخر مراحل الحرب حين شرع الأمريكيون في الحرب البرية على المواقع العراقية داخل الكويت لم يواجهوا بأي مقاومة تذكر تماما كما حصل خلال الغارات الجوية . و بالرغم من أن الانتصار كان أكيدا إلا أن الأمريكيين استمروا في استهداف الجنود العراقيين الفارين من ميدان الحرب , حتى أن أحد المراسلين وصف الوضع بأنه جحيم مشتعلة بأجساد العراقيين في صحراء قاحلة لا منفذ لهم منها لا شرقا و لا غربا . و في نشوة الانتصار نشرت بعض هذه المشاهد المريعة في بعض الصحف لكنها سرعان ما اختفت . فالانتصار لم يترك فرصة لتلك الحقائق حتى أن الرئيس بوش الأب صرخ قائلا :" لقد دفنا شبح فيتنام للابد في رمال الصحراء العربية " . و خصصت مجلتي التايم و نيوزويك أعداد خاصة للاحتفاء بالنصر و بالخسائر الأمريكية القليلة . لكنهم تجاهلوا تماما عشرات الآلاف من العراقيين جنودا و مدنيين الذين كانوا ضحايا لديكتاتورية صدام و لهمجية بوش . لم تتوفر حتى صورة واحدة لأي طفل عراقي من الذين قتلوا في الحرب أو أي مشهد من مشاهد المعاناة العراقية لنقدم للأمريكيين صورة عن ما فعلته الألة العسكرية الأمريكية في حق أناس أبرياء . و في حرب أفغانستان تم التعامل باستخفاف مع الضحايا من المدنيين . و قدمت الحرب على أنها حرب ضد الإرهاب و ليست حربا ضد الرجال و النساء و الاطفال . و في كل مرة ينشر خبر ما عن بعض الحوادث تتبعه التكذيبات و محاولات التبرير و إيجاد الأعذار . و ادعوا أن الأمر لا يتعدى بعض الأرقام الصغيرة للضحايا المدنيين الذين قتلوا في حرب أفغانستان . و في المرات القلائل التي وصلتنا قصة مصورة مع الأسماء لما كان يحصل خلال الحرب استطعت أن أتعرف على طفل أفغاني اسمه نور محمد لم يتعدى العاشرة من العمر. شاهدته و هو ينام على سرير المستشفى فاقدا لبصره و لأرجله . و هذا الطفل ليس إلا نموذجا من ضحايا القنابل الأمريكية . و من الواضح أنه إذا تكلمنا في الأمور السياسية فيما يخص العراق فإننا سنجد أن مثل هذه الحرب هي انتهاك صارخ للقانون الدولي . و كلنا يعلم أن امتلاك أي دولة لأسلحة الدمار الشامل ليس سببا كافيا لشن الحرب عليها و إلا لأعلنا الحرب على العشرات من الدول . و من الواضح للجميع أيضا أن اكبر دولة تمتلك اضخم كمية من أسلحة الدمار الشامل هي الولاياتالمتحدة التي استخدمتها في اكثر من مرة و تسببت في كوارث إنسانية لم تتسبب فيها أية دولة معتدية أخرى . فتاريخنا الوطني يحوي حقائق الاعتداءات التي قامت بها بلادنا في حق دول أخرى . و هناك أيضا دلائل قوية تبرز السجل الحافل بسياسة النفاق و الخداع التي اعتمدت عليها الحكومات الأمريكية المتعاقبة طوال الفترات السابقة . و لكن و نحن نتحدث عن الهجوم الأمريكي المتوقع ضد العراق يجب علينا أن لا ننسى الاجندة الخفية للسياسيين و الخبراء . أليس حريا بنا أن نطلب من الجميع التوقف عن الكلام في الحرب و تخيل مدى الدمار الذي ستلحقه هذه الحرب بأناس أبرياء سوف لن تصلنا أخبارهم بسبب التعتيم الإعلامي الأمريكي . لو استطاع الأمريكيون رؤية هذه الأمور لربما لن تحصل حرب ضد العراق . هوارد زين زد نيوز ترجمة : حميد نعمان