تنفض مدينة طنجة الغبار عن مسار تقني وإداري معقد لإدراج تراثها المعماري والتاريخي، الذي يوثق لتعاقب حضارات وعهود دولية استثنائية، ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأممالمتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، عبر تحركات ميدانية ومؤسساتية لإنقاذ مشروع ترشيح تعثر لسنوات. ولا يشكل الاجتماع التنسيقي الذي انعقد، الأربعاء بطنجة، نقطة الصفر في هذا المسار، بل يندرج ضمن دينامية انطلقت مطلع العام الجاري لإحياء هذا الورش، ونقله من مسودات المجتمع المدني إلى مرحلة الصياغة التقنية الصارمة التي تشترطها المنظمة الأممية لتقييم الممتلكات الثقافية. وقد خصص هذا اللقاء، الذي بادر إليه "مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية" بشراكة مع المديرية الجهوية للثقافة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، وجمع ممثلين عن المندوبية الإقليمية للسياحة والوكالة الوطنية للمياه والغابات. لوضع خارطة طريق دقيقة لتحديث خطة الترشيح وتنزيلها وفق المعايير الدولية المعتمدة. وخلص المجتمعون إلى حتمية تقوية القدرات التقنية للفرق المحلية، حيث تقرر برمجة دورة تكوينية، بتنسيق مباشر مع خبراء من اليونسكو، لضبط آليات صياغة الوثائق وتحديد النطاقات الجغرافية. كما أُقِرَّ الشروع الفوري في التوثيق الطبوغرافي والمعماري لجرد المعالم المؤهلة، وتحديد حدود الممتلك المقترح ومناطقه العازلة (Zones tampons) باستخدام نظم المعلومات الجغرافية، مع إدماج المكون الغابوي والبيئي كجزء من الرؤية المندمجة للملف، وهو دور أنيط بالوكالة الوطنية للمياه والغابات. ملف يعود للواجهة وتعود مبادرات ترشيح طنجة للتراث العالمي إلى سنوات خلت، حيث باشر خبراء محليون ومهندسون إعداد مسودات أولية وعناصر تقنية للملف، غير أن المسطرة توقفت في مراحلها التمهيدية. وعزت مصادر متتبعة هذا التعثر لغياب إطار مؤسساتي موحد يتولى التنسيق بين القطاعات الحكومية والمجالس المنتخبة وتوفير التمويل اللازم للدراسات. ولتدارك هذا النقص المنهجي وتوفير الغطاء المؤسساتي، عقد وفد من المرصد في يناير 2026 لقاء مع عمدة المدينة، منير ليموري، بهدف إدراج الملف رسميا ضمن جدول أعمال المجلس الجماعي لطنجة، وتأمين التزام سياسي ومادي من الهيئة المنتخبة، وهو شرط أساسي لضمان استدامة المشروع. وتستند طنجة في طموحها إلى رصيد معماري غير نمطي يلبي نظريا عدة معايير لليونسكو، لاسيما المعيارين الثاني والرابع المتعلقين بتبادل القيم الإنسانية وتقديم نموذج معماري فريد. ويضم المجال الحضري للمدينة تمازجا استثنائيا بين العمارة الدفاعية والإسلامية في القصبة والمدينة العتيقة، والأنماط الكولونيالية المتعددة (الإسبانية، الفرنسية، والبريطانية) التي طبعت فترة "الإدارة الدولية" (1923-1956)، متجسدة في مباني المفوضيات الدبلوماسية التاريخية ومسارح وساحات تعود للقرن الماضي. وتعزز السلطات المحلية موقفها بوجود عشرات المباني والساحات المصنفة سلفا ضمن التراث الوطني وفق مقتضيات القانون المغربي (22.80) المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والمناظر والكتابات المنقوشة والتحف الفنية. ويوفر هذا الإطار الحماية القانونية المسبقة التي تشترطها لوائح اليونسكو لقبول أي ترشيح دولي. ويواجه المشرفون على الملف مسطرة تقنية دقيقة منبثقة عن المبادئ التوجيهية لتنفيذ اتفاقية 1972 لحماية التراث العالمي. وتبدأ الإجراءات بتقديم القطاع الحكومي الوصي طلبا رسميا لإدراج الموقع ضمن "اللائحة الإرشادية" (Tentative List) الخاصة بالمغرب، كشرط حصري يسبق التقدم بأي ترشيح. رحلة طويلة نحو التصنيف وتتطلب المرحلة الموالية صياغة "ملف ترشيح" شامل يثبت بالدلائل العلمية والتاريخية "القيمة العالمية الاستثنائية" (Déclaration de valeur universelle exceptionnelle) للموقع. ويتعين على الوثيقة إثبات توفر شروط الأصالة والسلامة، وإرفاق الملف ب"خطة تدبير" (Plan de gestion) تشاركية وملزمة، تضمن استدامة الموقع وحمايته من التهديدات المرتبطة بالضغط الديمغرافي والتوسع العمراني السريع، مع تحديد آليات تدبير التدفقات السياحية. وعقب الإيداع الرسمي للملف بمركز التراث العالمي في باريس، تبدأ دورة تقييم تستغرق 18 شهرا. وتتولى هيئات استشارية مستقلة، وتحديدا المجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس – ICOMOS)، إيفاد خبراء دوليين في مهام ميدانية لتدقيق المعطيات ومطابقتها للواقع. وتختتم المسطرة بعرض تقارير التقييم التقني على أنظار لجنة التراث العالمي، المكونة من ممثلي 21 دولة عضوا. وتتخذ اللجنة في دورتها السنوية القرار السيادي بإدراج الموقع ضمن القائمة العالمية، أو إعادته للدولة لتدارك النواقص والمزيد من الدراسة، أو رفض إدراجه بشكل نهائي.