تتعدد أوجه الاحتفال بالشأن الثقافي، بتعدد اللجن الساهرة على تنظيم هذا النوع من التظاهرات. منها ما يجعلك تطمئن إلى أن الوضع الثقافي ببلادنا لا يزال بخير، من خلال حرص المنظمين على استدعاء الأسماء الفاعلة في هذا الحقل المتنوع والغني، أسماء محترمة وجادة، أسماء راكمت إنتاجا جديرا بالمتابعة. في حين هناك تظاهرات لا يجمعها بالثقافة غير الاسم، يقف وراءها أناس همهم الأساسي هو الربح المادي على حساب خدمة الفعل الثقافي. صارت هناك قناعة بأن ما يتم عرضه بالمجان، غالبا ما تشوبه الشوائب. المتلقي في هذه الحالة عليه أن يكون مستعدا لابتلاع أي شيء. بما في ذلك الإهانات، حيث يحدث أن يتأخر العرض أو الندوة عن موعدها المحدد في الدعوة، دون أن يخطر ببال المسؤولين الاعتذار عن التأخر وتفسير أسبابه. يحدث في العديد من المرات أن يكون جل المشاركين في اللقاء الثقافي حاضرين، غير أنهم لا يلتزمون باحترام موعد افتتاح اللقاء، وعندما نبحث عن سبب انشغالهم عن ذلك، نجد الأمر يتعلق بأمور تافهة وكان ينبغي عدم تفضيلها على النشاط الثقافي الذي حضروا للمشاركة فيه. هناك من ينشغل بالتقاط صور سيلفي مع أصدقائه ومعجبيه، وهناك من يصر على إتمام مشروبه ومواصلة الثرثرة مع جلسائه في قاعة الشاي.. إلى غير ذلك من الأسباب التي تحول دون انطلاق النشاط الثقافي في موعده المحدد، وهذا أضعف الإيمان. ومع ذلك هناك من لا يزال يتساءل عن سبب عزوف الجمهور عن الحضور للملتقيات الثقافية، خاصة تلك التي يجري عرضها بالمجان، ويحرص منظموها على توزيع الدعوات على المهتمين وغير المهتمين. بعض الجمعيات الفاعلة في المجال الثقافي والفني، صارت تشعر بالإحراج حين تنظيمها لنشاط ما ولا يحضره غير المشاركين فيه، وحتى هؤلاء المشاركون يتخلف بعضهم عن الحضور، خصوصا عندما لا يتم تخصيص تعويض مادي لمشاركتهم. ولأجل تفادي هذا النوع من الإحراج، صاروا يحرصون على تنظيم ملتقياتهم في الشارع، ملتقيات مفتوحة للمارة والعابرين، مستلهمين فكرة الحلايقي الذي عادة ما يحظى بمتابعة منتوجه من لدن جمهور متنوع ومتعدد، حتى دون تحمل عناء طبع دعوات وتوزيعها على المعنيين بها. ليس النشاط الثقافي، من قبيل الندوات الفكرية والأدبية والقراءات الشعرية والقصصية وما إلى ذلك، ما يشكو من شح المتابعة، بل مختلف المظاهر الثقافية؛ فالإصدارات الجديدة لا تنفد طبعتها الأولى، وإن كانت هذه الطبعة في حدود ألف نسخة لأكثر من ثلاثين مليون نسمة. القراء لم يعودوا - في ما يبدو- يتحملون عناء التنقل للبحث عن جديد الإصدارات في أماكنها التقليدية، رفوف المكتبات والأكشاك.. بل صاروا ينشدونها في النسخ الرقمية، أو يكتفون بقراءة مقاطع منها على صفحات التواصل الاجتماعي، علما بأن هناك من الكتاب من باتوا ينشرون فصول كتبهم صباح كل يوم على جدران صفحاتهم قبل جمعها وإرسالها للطبع ورقيا. الإقبال على المنتوج الثقافي، كيفما كان، من الواجب أن يأخذ الساهرون عليه في الاعتبار عدة عوامل، تأتي على رأسها احترام من يتم التوجه إليه بهذا المنتوج، أي المتلقي. هذا البريد الالكتروني محمى من المتطفلين , يجب عليك تفعيل الجافا سكر يبت لرؤيته