مخطئ من يظن أن وأد البنات يقتصر فقط على دفنهن أحياء ، وأن الوأد له معنى واحد فقط هو ذاك الذي رأيناه في الأفلام المتعلقة بالجاهلية والذي يختصر الوأد في التخلص من البنت الصغيرة والطفلة التي لم تبلغ الحلم بدسها تحت الثرى وهي حية تسعى خوفا من عار قد تلحقه بأهلها أو بمن يئدها . الوأد المشار إليه في قوله تعالى ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأيّ ذَنْبٍ قُتلَتْ ) أبعد من ذلك بكثير ، فهناك الوأد المباشر وهو المتعارف عليه بين الجميع وهو الذي أشرنا إليه أعلاه ، وهناك الوأد الذي يتم بطريقة غير مباشرة ويتخذ أشكالا متعددة وسبلا لا تعد ولا تحصى تساهم جميعها في وأد البنات داخل مجتمعاتنا ومن ذلك مثلا : 1 وأد روح الطفلة في الطفلة : وهذا النوع من الوأد غالبا ما نراه في الأسرة التي يسيرها الأب بقبضة حديدية ، فيمنع بنته من ممارسة ألعاب " أنثوية " أو الاتيان بأفعال لها علاقة بطبيعتها التكوينية ، ويعاقبها مثلا على الرقص أو على وضع أحمر الشفاه داخل البيت أو يمنعها من تمثيل دور العروس أمامه وينهاها عن هذه الأمور وغيرها بعنف يبتعد عن التوجيه وأسلوب يقع في وأد يقتل البنت من الطفولة 2 وأد روح الاكتشاف : وهو وأد يتم على الجنسين الذكر والأنثى ، وهو ما نراه ونسمعه في قاموس " العيب " والحشومة " وما جاورهما ، فالطفل بطبعه مكتشف ، وروح الاكتشاف عنده تدفعه إلى طرح أسئلة متنوعة قد تفاجئ الآباء في بعض الأحيان بما لا يتوقعون ، ومن ذلك مثلا طرح أسئلة لها علاقة بكيفية ولادته وبجهازه التناسلي وبما يفعله الأب والأم في غرفة النوم ، وهنا غالبا ما يستنجد الآباء بقاموس الحشمة والعيب لينهروا الأبناء عن طرح مثل هذه الأسئلة وهو وأد كبير لا يتجنب الإتيان به إلا من أوتي حظا من الحكمة وحسن التصرف . 3 وأد الحرية : وهو وأد يبدأ مع البنات في بعض الأسر من المهد ويستمر إلى اللحد ، وكما الأنظمة الديكتاتورية التي تئد حرية التفكير وحرية التعبير في بلداننا ، يتقمص بعض الآباء وبعض الأمهات دور السلطة المستبدة فيعيثون داخل أسرهم فسادا في تصرفاتهم مع البنات على وجه الخصوص من دون أن يشعروا بهول ما يقترفون من جرم ، فالبنت في هذه الأسر ليس لها الحرية في اللعب مع الأولاد من الصغر ، وليس لها حق اختيار صويحباتها ، وليس لها حق التأخر عن البيت أو المبيت عند إحدى زميلاتها ، وليس لها حق اختيار ملابسها أو شراؤها على ذوقها هي ، وليس لها حق إكمال مسيرتها التعليمية ، وليس لها حق التعبير عن مشاعرها العاطفية ، وليس لها حق اختيار الزوج ، وليس لها الحق في قول لا ، وهذ لعمري وأد ما بعده وأد . 4 وأد الأخوة : وهذا الوأد نجده عند الأسر التي تفضل الذكور عن الإناث ، ويبدأ بفسح المجال للذكر ليقول ويفعل ما يشاء متى يشاء ، ومنع الأنثى من ذلك بدعوى أنها ليست ذكرا ، وهذا التفضيل للذكر على الأنثى يولد لديها كرها للأخ وغيرة منه يئدان صداقة الأخ لأخته وراحتها معه . 5 وأد الأمن : البنت التي تعنف في كل صغيرة وكبيرة ، والبنت التي ترى أمها تضرب أمامها ، والبنت التي تصبح خادمة في بيت أبيها ، والبنت التي طلق أبوها أمها فمنعها من زيارتها ، والبنت التي تمنع من الكلام في حضرة أبيها ، هي بنت موؤودة لأن الأمن الذي تبحث عنه تم وأده بجرة جهل من سلطة أب . 6 وأد الشراكة : وهو وأد يظهر في عدم إشراك الزوج لزوجته في اتخاذ القرارات ، وعدم استشارة الأب مع ابنته في كل ما يتعلق بها . يتبع بإذن الله