كثّف الفيلسوف والمنظّر الروسي ألكسندر دوغين مواقفه السياسية والدينية في سلسلة من التغريدات المتلاحقة على منصة "إكس"، بالتوازي مع مقاله المنشور على منصة "أركتوس جورنال" بعنوان "إيران: المواجهة الأخيرة ضد بعل"، معتبراً أن الضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران لا تمثل مجرد حدث عسكري عابر، بل لحظة فاصلة تُسقط ما تبقى من قواعد النظام الدولي، وتفتح الباب أمام طور جديد من الصراع الكوني ذي الطابع الميتافيزيقي. كما صاغ دوغين رواية تمزج بين اللاهوت والسياسة، بين التاريخ الإمبراطوري والأساطير الأخروية، ليخلص إلى أن العالم دخل بالفعل زمن "المعركة الأخيرة". أما بشأن العالم العربي، فقد عبّر دوغين عن خيبة أمل واضحة، قائلاً إن "العرب مخيبون للآمال، فبدلاً من المقاومة يختارون التعاون مع أسوأ أعدائهم، يا لها من غرابة… أمة عظيمة بماضٍ مجيد وحاضر بائس". وفي تغريدة أخرى علّق بسخرية على ما سماه "وطنية دبيالجديدة"، واصفاً مشهداً من "شواطئ تحت أمطار من بقايا الصواريخ، فنادق تحترق، مطارات مغلقة، والناس في حالة ذعر في الشوارع، ومع ذلك يعلن وطنيّو دبي أن كل شيء على ما يرام، آمن نسبياً وهادئ، أفضل من أوروبا أو الولاياتالمتحدة".
وكتب دوغين أن "الشيعة هم بالفعل طليعة العالم الإسلامي، بينما يبدو السنة مخجلين"، في توصيف يعكس قراءته للموقف الإيراني باعتباره رأس حربة في مواجهة الغرب، مقابل ما يراه تراجعاً أو تردداً في المعسكر السني. كما أعلن أن "منذ عام 1979 بدأت إيران تستعد للمعركة الأخيرة، والمعركة الأخيرة هي الآن"، مضفياً بعداً أخروياً صريحاً على المواجهة. كما اتسم خطاب دوغين بحدة غير مسبوقة تجاه إسرائيل والتيارات المؤيدة لها، إذ كتب أن "الصهاينة و(المسيحيين الصهاينة) هم عبدة بعل، طائفة سبتائية/فرانكية متطرفة، ولهذا يعارضهم اليهود الأرثوذكس، إنهم العِرِف راف، الخليط غير اليهودي داخل اليهود، يتبعون مسيحاً زائفاً ويعتقدون أنهم آلهة بأنفسهم". كما حذر من أن "إسرائيل في الولاياتالمتحدة أصبحت سامة جداً، ويمكن أن يتحول الصهاينة بسهولة إلى كبش فداء، وليس في الولاياتالمتحدة فقط، بل في أماكن كثيرة". وفي مقاله المطوّل، كتب دوغين بوضوح قاطع: "ما حدث في اليوم الأول من الحرب الأميركية والإسرائيلية ضد إيران يغيّر بصورة جذرية ميزان القوى في العالم وقواعد السياسة الدولية"، مضيفاً أن "ترامب قال بالفعل إن القانون الدولي غير موجود: ما هو أخلاقي هو ما أعتبره أنا أخلاقياً". ويستنتج من ذلك أن "الحديث عن القواعد أو القوانين أو أي معايير في العلاقات الدولية لم يعد ممكناً"، لأن "الآن لا يسري إلا حق القوي وحق الأسرع؛ من يضرب أولاً هو الذي يكون على حق، وكل ما عدا ذلك مجرد تبريرات لاحقة. وربط دوغين بين ما جرى في إيران وسوابق يعتبرها دليلاً على نمط متكرر، مشيراً إلى أن "حضارة بعل بسيطة: تكرر السيناريو نفسه مرة بعد مرة، وينجح في كل مرة، لأن الجميع يظنون أن ذلك ينطبق على القذافي أو حسين أو ميلوشيفيتش أو مبارك أو نصر الله أو الأسد أو خامنئي، لكنه لن ينطبق عليهم هم". وفي منشور آخر، اعتبر أن "موت خامنئي ورؤوس إيران السياسية يقدم مثالاً لأولئك الذين يؤمنون بمحادثات السلام مع الولاياتالمتحدة"، في إشارة واضحة إلى أن أي رهان على التفاوض مع واشنطن هو، في رأيه، وهم قاتل. كما رأى أن "في اللحظات الأولى بدا أن ضربة ترامب/نتنياهو كانت نجاحاً لهما، لكن الآن لا يبدو الأمر كذلك، بل على العكس تماماً"، معتبراً أن تسارع الأحداث قد يقلب النتائج على منفذيها. في مقاله، يتوسع دوغين في هذا المنظور، معتبراً أن "إيران هي آخر ما يقف في طريق حرب مباشرة بين حضارة بعل وروسيا"، وأن سقوطها سيشجع الغرب على تطبيق السيناريو ذاته ضد موسكو، حتى "ربما بضربة نووية". ويكتب: "إذا لم تستسلم إيران، وإذا واصلت القتال تحت قيادة جديدة، فقد تكون لذلك عواقب خطيرة جداً على الغرب نفسه". لكنه يحذر في المقابل من أن تكرار "سيناريو فنزويلا" سيعني حرباً قصيرة تفتح الباب أمام استهداف قوى أخرى. كما أعلن الفيلسوف الروسي أن "الليبرالية تلاشت سريعاً واختفت من جدول الأعمال، ولم يعد أحد يتحدث عن القيم الليبرالية أو الديمقراطية، كل ذلك أصبح من الماضي. الآن يسود طقس بعل، طقس العجل الذهبي، طقس السلطة العالمية، طقس الولاياتالمتحدة وإسرائيل. إنها حضارة العنف والشيطانية وأكل لحوم البشر والانحراف والبيدوفيليا". يختزل هذا الوصف الصادم رؤية دوغين للصراع باعتباره مواجهة حضارية شاملة بين قوى "النور" وقوى "الظلام". وفي تغريدة أخرى كتب: "الرجال يمكنهم أن يبدأوا حرباً، لكن الله وحده يمنح النصر لأحد الطرفين. وزن أرواح المحاربين على الجانبين هو المهم. روح الغرب فاسدة تماماً. خمنوا من سيفوز؟".