جزر القمر.. أول بلد عربي يفتتح قنصليته في العيون    المعارضة تنتقد رفع العثماني "الراية البيضاء" أمام لوبيات الفساد    رونالدو يفكر جديًا في الرحيل ويُحدد وجهته المقبلة    فوزي لقجع يحفز لاعبي المنتخب قبل لقاء موريتانيا    الجامعة تصدر عقوبة في حق فريق الوداد    سلا.. اعتقال مقدم شرطة بعد شكاية عن ابتزازه تاجر مخدرات ومشروبات كحولية    مندوبية السجون ترد على مجلس بوعياش وتنشر صورا لموظفين مصابين قالت إن هناك "استهانة غير مفهومة بحق الموظفين"    الشرطة الاسبانية تعتقل عشرات القاصرين المغاربة    ابنة عويطة “كزينة”: محاولتي بلوغ العالمية لصالح المغرب    لجنة التأديب تستدعي يحيى جبران والحكم الرداد    تقرير"المنتخب": الناخب الوطني في قلب الزوبعة    الأميرة للا حسناء تترأس ببوقنادل حفل تسليم جوائز للا حسناء "الساحل المستدام" في دورتها الثالثة 2019    الرئيس الكولومبي ينوه بالتجربة الديمقراطية المغربية وبالإصلاحات التي عرفتها المملكة المغربية خاصة بعد الإعلان عن دستور 2011 من طرف جلالة الملك محمد السادس    البرلماني الطيب البقالي يقدم لرئيس الحكومة مقترحات عملية لدعم تمويل المقاولات الوطنية وإنقاذها من الإفلاس    الPPS يطالب بتوفير حماية دولية للفلسطينيين ووقف جرائم الاغتيال الإسرائيلية في أعقاب التصعيد الإسرائيلي    انتخاب راشد الغنوشي رئيسا للبرلمان التونسي    تساقطات ثلجية مهمة ستعرفها عددا من المناطق بالمملكة خلال نهاية هذا الأسبوع    المحتجون الكاتالونيون يغلقون طريقا سريعا رئيسيا يربط بين إسبانيا وفرنسا    الهداف التاريخي الإسباني دافيد فيا يعلن اعتزاله كرة القدم    عرض الفيلم الريفي "الوحوش" يحظى بمتابعة قياسية بعدما غصّ المركب الثقافي بالناظور بجمهور غفير    أخنوش: تم انتقاء 214 مشروعا لتربية الأحياء البحرية في جهة الداخلة لإنتاج 78 ألف طن ولتوفير 2500 منصب شغل    نواب الفدرالية يطالبون بخفض ميزانية القصر    تصفيات أمم إفريقيا 2021: بداية مخيبة للكامرون وصعبة لنيجيريا    فارس: لا لاختزال نقاش القانون الجنائي في قضايا مثيرة للجدل.. المطلوب احتواء الأزمات    الشاعرة إمهاء مكاوي: بعض الشعراءيحاولون الظهور على حساب شعراء آخرين بتشويه صورتهمالأدبية    بنشعبون يعترف : إسناد نظم المعلومات إلى جهات خارجية ينطوي على عدة مخاطر    التلمودي يتحدث عن خلافه بالعلم ويصرح: الخلاف انتهى بكلمة طيبة    أب لأربعة أطفال ينهي حياته داخل مطبخ منزله    الأستاذ المشرف على ممثلة المغرب في “تحدي القراءة العربي” ل”اليوم24″: تفوقت على الجميع لغة ونقدا وعمقا فكريا    مصرع 13 شخصا وإصابة 1828 آخرين خلال أسبوع    الإسلاموفوبيا تهديد حقيقي لمسلمي إيطاليا    الجواهري: الرقمنة تطرح تحديات معقدة و »غير مسبوقة »    اللبنانيون يقطعون الطرق الرئيسية ويتظاهرون قرب القصر الرئاسي    صندوق التجهيز الجماعي يحقق ناتجا داخليا بقيمة 409 مليون درهم    الناخب الوطني يكشف النقاب عن أسباب إستبعاد حارث أمين عن المنتخب    استنفار داخل المستشفى الإقليمي محمد الخامس بالجديدة بعد إصابة طفلين بداء ''المينانجيت''    محكمة جزائرية تبرئ 5 متظاهرين في قضية رفع الراية الأمازيغية    بدء الجلسات العلنية بالكونغرس الأميركي في إطار إجراءات عزل ترامب    وزير العدل: القانون الجنائي يجب أن يحقق التوازن في احترام للحريات أكد أن المغرب قادر على ذلك    جنوب إفريقيا.. تعيين الباكوري رئيسا للجنة قيادة « ديزيرت تو باور »    الإله الفردي والإله الجماعي والحرية الفردية    الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري تمنح ترخيصا لخدمة إذاعية موضوعاتية موسيقية جديدة    نحو 25 ألف قاصر عرضوا على أنظار محاكم المغرب في 2018    الجواهري: التطورات الاقتصادية تضع القوانين على المحك    المغاربة في صدارة السياح الوافدين على أكادير خلال شتنبر 2019    بعد مسيرة مشرفة.. لقب تحدي القراءة العربي يضيع من فاطمة الزهراء أخيار    مهرجان طنجة للفنون المشهدية    المخرج المغربي علي الصافي ضمن لجنة التحكيم المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في دورته ال 18    النيابة السودانية تخاطب سلطات السجون بتسليم البشير وآخرين    الوصية في الفقه والقانون وتطبيقاتها الإرثية 1/2    خصائص الحركة الاحتجاجية العراقية .    رغم مطالبة الفرق البرلمانية.. رفض فرض الضريبة على البيسكويت والبسكوي والمنتجات المماثلة والبريتزي    البيضاء.. خبراء دوليون يتباحثون حول الامراض التنفسية    طنجة.. انتشار الكلاب الضالة يهدد سلامة الساكنة    كيف يفسر انتشار النفاق الاجتماعي في المجتمع المغربي؟    شاب يتعرض لسكتة قلبية يوميا طوال 14 عاما    شاهدوا بالفيديو.. أجواء "الحضرة" في الزاوية الكركرية بالعروي إحتفالا بذكرى المولد النبوي    جماعة العدل والإحسان بالقصر الكبير في بيان للرأي العام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





عبد الله ابن سبأ ، أسطورة في أسطورة 2
نشر في هسبريس يوم 28 - 07 - 2009


ابن سبأ وفضيحة ابن خلدون ""
ليس الغرض هنا بيان تهافت حكاية عبد الله بن سبأ ومحاولة ربطه بمدرسة إسلامية عتيدة فحسب ، بل الغرض هنا أن نظهر ومن خلال تهافتات بن خلدون في رصده لأحداث الفتنة الكبرى ما هي الأسباب الموضوعية التي تفسر هذا الإصرار العنيد على اختلاق شخصية وهمية ونسبة كافة الأدوار القذرة إليها. الأمر يتعلق بحجب فضيحة تاريخية كبرى وليس فتنة كبرى. وليس أفضل من المتن الخلدون مثالا على هذه "الشقلبة".
في البداية أخشى أن يثقل الأمر على من يحب التعبد بالخلدونية لمجرد ما ورد في المقدمة من آراء نثمنها أيضا ونحاسب ابن خلدون في ضوئها لأنه لم يطبقها على كل فصول كتاب العبر. وطبيعي أن يتبنى ابن خلدون هذه الخرافة لأنها ليس الأولى التي يتمسك بها دفاعا عن تحيزه. لقد اعتقد بالتنجيم في الكتابة التاريخية كما تظهر حواريته الغريبة مع تيمورلانك.. كما اعتقد بمقتل سعد بن عبادة من قبل الجن.. كما نسب الحفصيين الآمازيع إلى الخليفة الثاني. وفي هذا السياق سعى ابن خلدون بدوره إلى تكريس خرافة ابن سبأ لمنع الحديث عن المفاعيل الموضوعية للفتنة الكبرى. كان بن خلدون هنا متحيزا متمذهبا وليس مؤرخا منصفا. ومثل هذه الهنات عرفت عليه كما لا يخفى من قبل دارسيه الناقضين عليه أو المعجبين به. فكلما اقتربنا من الصدر الأول حاد ابن خلدون عن منهجه التأريخي على خلفية فلسفة العمران وازداد تحيزا وتقليدا وتبريرا. وكلما ابتعدنا عاد ليدخل القوم في سنة التاريخ والعمران من أوسع الأبواب. كيل بمكيالين وجب الحذر منه في تاريخ بن خلدون. هناك ثلاث محطات أساسية تطرق إليها هذا الأخير في حديثه عن خلافة عثمان. وهي تلك التي عنون لها ببدء الانتفاض على عثمان، وحصار عثمان ومقتله. كيف تناول ابن خلدون تلك الملابسات، وأي قدر من الصراحة ضمنها نصوصه حولها.. من ألّب على عثمان ومن قتله ولماذا.. ومن هم أنصاره ومن هم معارضوه وأعداءه..كيف تمت عملية القتل ومن تولاها؟
أسئلة كثيرة تضع تاريخ ابن خلدون أمام محك الحقيقة. هنا تركيز على نقطتين في استعراض ابن خلدون لأحداث ما يسمى بالفتنة الكبرى.
إن الذين ثاروا على عثمان وقتلوه كانوا يشكلون سفهاء القوم وغوغائهم.
إن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ.
وما يدل على المسألة الأولى، هو قول ابن خلدون في الجزء الثالث من حديثه عن أحوال الفتنة ومقتل عثمان: " كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم للمهاجرين والأنصار من قريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه، ووافق أيام عثمان، فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات، والاستبطاء عليهم في الطاعات، والتجني بسؤال الاستبدال منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان ". وقوله: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".
أما ما يؤكد المسألة الثانية، فهو قوله:
" إلا عمارا فإنه استماله قوم من الأشرار، انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء ".
" وكان ابن سبأ يأتيه - أي إلى أبي ذر - فيغريه بمعاوية ".
" وتأخر عمار ابن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه ".
" وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ".
والمعنى الإجمالي من هذا الكلام المبسوط في ثنايا الحديث عن حوادث الفتنة وتحرك الأمصار إلى مقتل الخليفة ، هو أن ابن خلدون يريد أن يثبت عبر التلبيس والتدليس أن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ من خلال تحريض الجماهير من الغوغاء ضد الخليفة، وإنها بالنتيجة لم تكن ثورة شعبية وإنما كانت مؤامرة مدبرة وفوضى مجنونة استغل فيها المتآمرون سوقة الناس ودهمائهم، وفساق القوم وسفهائهم.
وقد سبق أن أفضنا في هذه القضية ، ويكفي ما ثبته العالم النحرير والمحقق الرئيس السيد مرتضى العسكري في سفره النفيس " عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ". فقد أثبت بكامل الوسع ضعف هذه الرواية التي انفرد بها سيف بن عمر التميمي والذي أخذها عنه الطبري ثم سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم عند جل من رواها من المؤرخين. ولندع القارئ يواجه بنفسه تفاصيل تحقيق الأستاذ الكبير، كما ذكرنا ذلك آنفا، ونتوقف نحن عند ابن جرير الطبري الذي منه أخذ ابن خلدون رواية عبد الله بن سبأ من دون النظر في مدى صحتها. وقد سلك ابن خلدون في هذا مسلك المقلدة في الأخبار من أؤلئك الذين طالما عاتبهم على التلقي غير الواعي، واللامنتج للخبر من دون تمحيص وإعمال النظر ، حينما يقول : " هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير، فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن، والشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين ".
إذن، ابن خلدون أخذ هذه الرواية عن الطبري. ونلاحظ أنه لم يأخذ عنه الروايات التي تدين سياسات عثمان، لا سيما المالية وقسوته على بعض الصحابة ومحاباته لأقربائه. فهو إذن ينتقي. وفي انتقائه ذاك يعبر عن إعنات مفرط، وانتحال للأخبار موقع في التلبيس. وقد سبق أن رأينا كيف طوى كشحا عن تلك الروايات الكثيرة عند الطبري في أمر وفاة الرسول (ص) والسقيفة، ورأينا كيف كان من دأبه أن يروي الأساطير في تعزيز مذهبه التاريخي، نظير ما جاء في مقتل سعد بن عبادة من قبل الجن، وهو بذلك يؤكد على حالة الاستثناء السحرية في منهجه التأريخي. ومثل تلك الأساطير التي اعتمدها لما تنطوي عليه من تعتيم على واقع الأمور و مجريات الأحداث. ولا حاجة لتكرار الحديث عن ضعف والتباس الرواية المذكورة. يكفي أنه انفرد بها كاذب وضّاع متروك الرواية عند جهابدة السنة وأهل الحديث. فعجبا كيف يتمشدق بها من يزعمون أنهم يرجحون طريق المحدثين في تصحيح الأخبار على طريقة المؤرخين. وإنما أريد أن أؤكد على تهافت ابن خلدون في سرده لهذه الرواية بشكل مثير للتأمل. إنه مرة يؤكد أنه - أي ابن سبأ - ذهب إلى البصرة حيث يوجد حكيم بن جبلة ، أحد عمال علي بن أبي طالب ، وقائد وفد البصرة. وقد كان هذا الأخير حسب شهادة ابن خلدون ممن أخرج ابن سبأ إلى الكوفة. ومنها ذهب إلى مصر حيث التقى بعمار. من خلال هذه القصة يعتقد ابن خلدون بأن أتباع ابن سبأ الرموز كانوا هم عمار وأبو ذر.
وذلك لأن هؤلاء كانوا هم طليعة الثورة على عثمان. ومن هنا سنبدأ مناظرتنا لابن خلدون:
أولا: إن اعتراف ابن خلدون بتشيّع حكيم بن جبلة لعلي بن أبي طالب وإخراجه لعبد الله بن سبأ، دليلا واضحا على أن حكيم بن جبلة ممن رفض أفكار عبد الله بن سبأ. غير أن التاريخ يثبت أن حكيم بن جبلة كان من الثوار الكبار ضد عثمان. ومن الذين جاؤوا بوفد البصرة الذي شارك في حصار عثمان. ومن جهة أخرى، نجد أن الوفود كانت تتألف من الوفد المصري والكوفي والبصري. وكلهم كان على موقف واحد. وعلى مطلب مشترك. وكلهم من المتشيعين لعلي بن أبي طالب: " ونزل معهم أناس من أهل مصر وكان هواهم في علي ".
نستخلص من ذلك كله، أن حكيم بن جبلة لم يكن حسب ما ذهب إليه ابن خلدون موافقا على مطالب الوفود إذ زعم أنه رفض تحريض ابن السوداء. وأن هذا الأخير هو من كان وراء حركة الأمصار. ولو كان كذلك - إذن لزم عدم مجيئه في وفد كامل لقتل عثمان. فهناك إذن تناقض بيّن فيما ادعاه ابن خلدون .
ويثبت أن ابن السوداء فشل في إقناع حكيم بن جبلة وأهل البصرة. وليس ثمة ما يقنعهم به إلا أمران: التشيع لعلي، والثورة على عثمان. فأما الأولى فكانت من شأن حكيم بن جبلة وأهل البصرة وذلك بشهادة بن خلدون لا حاجة لأن يعلمهم ابن سبأ تعاليم دينهم وقد كانوا حواريين لعلي بن أبي طالب صاحب القولة الشهيرة: "اسألوني قبل أن تفقدوني". كيف لنخبة شيعة علي بن أبي طالب تتعلم دينها وتشيعها لعلي من شخص مجهول وهي على وصال دائم بباب مدينة العلم كما في الصحيح من الخبر.. وأما الثانية، فلو كانوا رفضوها، إذن لما جاؤوا بوفدهم لقتل عثمان. يقول ابن خلدون بعد ذلك: " وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن ". فإذن، التحريض على عثمان لم يكن من اختصاص ابن سبأ الأسطوري. بل ثمة احتقان شعبي ومطالب حقيقية للإصلاح استشرت في الأمصار فكانت ثورة. إن التناقض هنا واضح جدا لمن تأمل ثنايا الخبر.
ثانيا: نجد ابن خلدون الذي بذل الوسع في إعلائه من شأن الأمويين، ورفض مذاهب الشيعة إذ رفضها لغلوها في استنقاص الصحابة، هاهو الآن يحط من قدر جلة من الصحابة جعل منهم طراطير لا يفقهون حديثا ، لم ينفع معهم أن صاحبوا الرسول(ص) ولا علي بن أبي طالب(ع)، ليقودهم ويعلمهم دينهم يهودي حديث الإسلام بفترة وجيزة. وينزل ابن خلدون من شأن الصحابة كأشد ما يكون من الاستنقاص وكأحط ما يكون الاستنزال. فهو يتهم صحابة من ذوي الفضل والسابقة، وممن شهد لهم الرسول (ص) بالشأنية وعهد لهم بما سارت به الركبان وغنت به الشعراء. فيجعلهم أكثر دونية وصغارا، ويصورهم على أشكال تقع دون البله، وأقل تبصرا من الغرير. فيجعل من عمار بن ياسر ذي السابقة والبلاء ممن يستميلهم اليهودي المتزندق، ومن أبي ذر الغفاري العظيم، من يغريهم السفهاء والدخلاء بالتعرض للأمراء، وكأن ديننا ليست فيه فكرة عن مناهضة الظلم، ولا وازعا لمحاربة الفساد. وأي دين هو أحرص من ديننا في طلب الإصلاح وممارسة التغيير؟! وحسبك من ذلك التهافت، أن ابن خلدون ذهب إلى أن حكيم بن جبلة كان قد رفض على ابن السوداء دعوته وإخراجه من البصرة.. كيف يكون حكيم هذا أبصر بالأمور، وأكثر تمييزا لما بين الحق والباطل، ممن قام الإسلام على إخلاصهم، وماتوا على صدق في المواطن. ثم بالله عليك، ماذا سوف يعلمهم ابن السوداء، وكيف يغري أبا ذر ويستميل عمارا؟!
ابن خلدون يذهب إلى أن ابن سبأ أغرى أبا ذر بمعاوية، إذ قال:
" وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ".
" وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر". كما زعم أنه علم عمارا القول بالإمامة والرجعة. إن هذا لعمري هو صميم النيل من الصحابة. وإنه لازدراء ما بعده ازدراء. فهدي محمد(ص) لم يستطع أن يوفر أدنى حصانة دينية وعلمية لعمار وهو من أعمدة الدعوة وأركانها، حتى يأتي يهودي فيستميله، كاستمالة الحدث الصغير.
وإن أبا ذر الغفاري الذي تأله قبل الدعوة. وجاء طوعا يبحث عن الإسلام، وساهم بكل إخلاص في حروبه كلها، هل كان في حاجة إلى يهودي يعلمه الثورة على الظلم. وهل كل ما قام به معاوية لم يكن كافيا لإثارة الوازع الديني في أمثال أبي ذر وعمار. فهل بعد هذا كله يليق بابن خلدون أن يدعي أنه اعتمد على تاريخ فيه البعد عن المطاعن والشبه في كبار الأئمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين!!.
ثالثا: إن ابن خلدون وهو يمارس تدليسه هذا على القارئ كان على مقربة من فهم الأمور. فما يعز على محلل العمران ومفكك التاريخ أن تنطلي عليه مثل هذه القضايا. إنه يعترف بأن هؤلاء الثوار كانوا على علاقة وثيقة بالإمام علي . وهم من سمع رأيه في المرة الأولى فراوحوا الأمصار. وهم الذين بايعوه ودعوا إلى إمامته. وكان جديرا بابن سبأ وهو رمز الدعوة إلى الولاية لعلي بن أبي طالب فيما يزعمون، وهو الذي علّم عمارا القول بالإمامة، وعلم مثل ذلك لأبي ذر وهو الذي انتقل بين الأمصار المتمردة الكوفة والبصرة ومصر وهي مسقط رأس الوفود لكان إذن جدير أن يتقدم شيعة علي بن أبي طالب في زمانه، ويكون في طليعة الفاعلين. ولكان علي قد ولاه فيمن ولاهم على الأمصار.. ولكان له صيت بعيد وشأن يذكر، جزاء ولائه وإخلاصه وكفاءته ولما قدمه من جهود في الدعوة لإمامة علي . ولكن التاريخ - المبتذل - لا يجد ما يقوله لنا عن موقع عبد الله ابن سبأ في عهد علي بن أبي طالب، ولا أين كان موقعه يوم اختراق الدار على عثمان. ولا أين كان دوره داخل معسكر الإمام علي بن أبي طالب في حرب الجمل وصفين كما تساءل طه حسين في الفتنة الكبرى.
إن التاريخ المزيف يحتفظ لنا بصورة خفية عنه، سواء في عهد عثمان أو في عهد علي بن أبي طالب. فهو في كلا العهدين خفي ومتآمر. فإن كان هناك ما يدعوه في عصر عثمان إلى التستر فماذا يمنعه الآن بعد مقتله من الظهور؟! ولئن كان بقي بمصر، فأي مانع للأمويين في أن يقتلوه وقد تمكنوا من قتل وليها يومذاك.. ولكان قتلته العثمانية مثلما قتلوا محمد بن أبي بكر. وقد لفق بعض المؤرخين ما حدث من إحراق علي للسبئية على ما ذهبوا إليه من تأليهه، ولكنه لم يحرق بن سبأ، لأن بعضا من أصحابه اعترض عليه ونصحه بتركه. ولا أدري أين هذا من عدل علي بن أبي طالب أن يحرق الحواريين ويترك زعيمهم. وما هي المصلحة في تركه وقد حاول بن عباس وكثيرون أن ينصحوا علي بن أبي طالب بترك معاوية فأبى أن يمنحه فرصة يوم وليلة. إن أسطورة الحرق هذه، لم تكن سوى محاولة في تقريب عبد الله بن سبأ من دائرة الواقع، غير أنه كان ينفلت من قبضة الواقع، انفلات
الزئبق. فكيف يحرق علي أحدا من كان، وهو الذي اعترض على حرق أبي بكر للفجاءة؟! وكيف يحرق كل السبئيين ويبقى على زعيمهم ويطلق له العنان، وكيف ينال منهم ويحرقهم وهو يعظم ويجلل أحد رموز السبئية على حد زعم المؤرخين، وهو عمار بن ياسر. بل لقد ولاه وأعزه وكان ساعده الأيمن. ولست أدري إن كان عبد الله بن سبأ حقيقة معاصرة لتلك الأحداث، كيف لا يتعقبه معاوية بعد أن أثبتوا أن عبادة جاء به إلى معاوية، كيف لم يقتله أو يبعث من يقتله، ولم نعثر على قولة لمعاوية ولا للعثمانية فيه على الرغم من أنه هو الرقم الصعب في الأحداث التي عصفت بعثمان على حد تعبيرهم.. وبعد أن كان معاوية يترصد كل أعداء وقاتلي عثمان، وكان يقول اقتلوهم تحت كل حجر ومذر. إن الاضطراب في هذا الخبر يكشفه المحقق لأول وهلة، فابن سبأ هذا رجل لم يدقق فيه المخبرون، ولم يعطوا أدلة قاطعة تمكن المطلعين من معرفة حقيقة نسبه وطبيعة نشاطه، ماذا قال عنه أرباب السير ورواد التأريخ والتراجم، أكان حدادا أم نجارا، أكان طويلا أم قصيرا، نحيلا أم مربوعا، بل كل ما في الأمر إن أهل الملل والنحل دأبوا على تلقف الحكايات تلقف الصبية للكرة، من دون أعمال العقل فيها والنظر، فهمهم إضافة اسم جديد لفرقة يسودون بها أسفارهم، ويكشكلون، بالشاذ والغريب، رواياتهم.
عار إذن يا ناس، أن يتم التعسف على التاريخ بهذا الشكل البليد. إن التأليه لم يكن في عهد علي بن أبي طالب في أكثر التقادير. لم يكن أحد يدّعي أن عليا إله. إنها تهمة في ظني نشأت متأخرة، وبالضبط في العصرين الأموي والعباسي. لقد اعترفوا من حيث لا يشعرون أن التشيع لعلي في العصر الأول لم يكن يعني أكثر من الولاء السياسي. فلماذا يروون هذه الحكاية بأثر رجعي حينما يخلعون عليها اعتقادا ناشئا في القرن الرابع الهجري حسب زعمهم؟!
يبدو أن هناك محاولة للتلبيس. فلأن فضائل علي بن أبي طالب وما كان من شأنه أن يغطي على كل من عاصره ، افتعلوا فكرة التأليه وربما ساهموا في زرعها في عقول الكثير من المساكين الذين اضطهدوهم حتى بدت منهم ردود فعل تذهب إلى أقصى الأقصى. فالتفضيل لا يعني الغلو.. والولاء لا يعني التأليه.. لكن كان لا بد لخصوم علي أن يخترعوا ما يلبسون به على الرأي العام كمقدمة لإخراجهم من الملة. إذا كانت ثقافة التجديف والكذب لا زالت رائجة في عصرنا ونحن أحياء ، فكيف لا تتم هذه الفرية في زمن الحصار حيث فرض على الأمة جميعها في منابر بني أمية أن يسبوا ويلعنوا علي بن أبي طالب مدة قرن من الزمان..لقد حاولوا أن يسيؤوا إلى شخصية في مستوى علي بن أبي طالب فكيف لا يدفعهم التعصب أن يخترعوا لشيعته ومواليه أكاذيب تزول منها الجبال؟!
إذن هم يقولون أنه حتى عصر الإمام الصادق ، الإمام السادس من أئمة أهل البيت بدأ يأخذ التشيع صبغته الأيديولوجية والمذهبية. لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون التشيع من وحي عبد الله ابن سبأ الذي عاش في عصر عثمان؟!.
والمفارقة هنا أن بعض الباحثين اعتبر أن التشيع الأول، كان يأخذ طابعا سياسيا. يقول في ذلك مثلا، د. إبراهيم بيضون في (الدولة الأموية والمعارضة): والسبئية أسطورة كانت أم حقيقة، هي على هامش التشيع ومتناقضة في الصميم مع الفكر الشيعي، بخلفيته السياسية البحتة" . كما يذكر صاحب التاريخ الإسلامي (محمود شاكر) حول الخلفاء الراشدين والعهد الأموي: "بل لم تكن كلمة الشيعة تحمل أكثر من معنى التأييد والمناصرة. ولكنها غدت مع الزمن فكرا خاصا وعقيدة خاصة، ونسب إلى الأوائل أقوال لم يقولوها وأخبار لم يعرفوها، وأفكار لم تخطر على بالهم أبدا". وثبت عندي إن الجابري تلقفها من محمود شاكر، عندما قال: يجمع المؤرخون على أن التشيع لعلي ابن أبي طالب وأبنائه من بعده لم يتجاوز مستوى الولاء السياسي.
ولمزيد من الإيضاح، نقول : إنه لم يستمل أحد عمارا عندما بعثه عثمان إلى مصر. وإنما بقي هناك على اتصال بكل من محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة. وكانا من أقوى المحرضين على عثمان، وهما رئيسا الوفد المصري. إن تداخل خطة العمل بين كل من الوفود الثلاثة، ووحدة المشروع لكل رموز المعارضة كعمار، والأشتر، وحكيم بن جبلة ومحمد بن أبي بكر وابن أبي حذيفة، والإمام علي بن أبي طالب هو ما يجعل أسطورة السبئي لا مسوغ لها إلا في أذهان المدلسين. فهي في تهدلها ووهنها كبيت العنكبوت، وهي أوهن البيوت.
وجب حينئذ العودة للإطلاع على الوضع السياسي الذي أثار غضب الثوار وجلب الحنق على عثمان. ففي تاريخ ابن خلدون لم يكن عثمان إلا منفذا لتعاليم الدين، ولم يكن على ما ادعاه الخصوم، ولهذا اتهم الثائرين عليه وقاتليه بالسفاهة. لندرك كم تلوّى مؤرخنا لحجب الأسباب الحقيقية التي أججت الأوضاع على عثمان. يقول في السياق نفسه: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".
وعلى هذا الأساس يكون كل من عمار وأبي ذر وبن مسعود والذين تضرروا من سياسة عثمان وانتقدوها وكفروا سياساته سفهاء. ويدخل في ذلك عائشة عندما دعت إلى قتله في بداية الأمر، حينما كانت تقول: " اقتلوا نعثلا(أي عثمان) فقد كفر ".. ويدخل في ذلك حسب هذا المبنى الإمام علي نفسه الذي لم ينصره بل هو الذي حسب شهادة عثمان نفسه، قد جرأ عليه
الثوار. يقول ابن خلدون: " فأتاه عثمان إلى منزله ليلا يستلينه وبعده الثبات على رأيه معه، فقال: بعد أن أقام مروان على بابك يشتم الناس ويؤذيهم؟ فخرج عثمان وهو يقول خذلتني وجرأت علي الناس".
وحتى كان أبو هريرة الدوسي الذي عرف بملازمته الأمويين وانحرافه عن علي بن أبي طالب، ينقل له ابن خلدون موقفا عبقريا، يقول: "يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعوني إلى النار" ثم قاتل. ونتساءل كيف قاتل أبو هريرة وهل من سابقته أن رفع رمحا أو مسك قوسا.. كيف يدعو من اشتهر بإكثاره الرواية التي استغرقت أطول من مكثه القليل مع من كان يرعاه الرسول (ص) من أهل الصفة وممن أسلم أيام خيبر وضربه عمر بن الخطاب بالدرة لإكثاره في الرواية الصحابة الكبار إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار.. فهل يعقل أن يدعو الدوسي عليا، وعمارا، والأشتر، ومحمد بن أبي بكر إلى النجاة!.
وفي ظني أن الذي دعاهم لاختلاق ذلك الموقف، ما قاله الرسول (ص) عن عمار بن ياسر: " ما لهم وعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ". وعمار هذا كان قد كفّر عثمان وحرض على قتله. لقد حاول ابن خلدون أن يقلل من شأن تلك المآخذ التي أوردوها على عثمان، كإخراجه أبا ذر إلى الربذة. فحاول ابن خلدون كعادته أن يبرئ عثمان من ذلك كله. وإن اقتضى الأمر الازدراء بأبي ذر، واستصغار بصيرته وعلمه. والآن لماذا أخرج عثمان أبا ذر الغفاري إلى الربذة؟. ابن خلدون يجيب على الفور، بعد أن يحبك قصة كاملة، كالتالي:
1 / إن أبا ذر " يأخذ بالظاهر في ذم الادخار وبكنز الذهب والفضة. وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية، ويعيب قوله: المال مال الله ويوهم إن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر في ذلك معاوية فاستعتب له وقال:
سأقول ما للمسلمين وأتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال:
هذا الذي بعث عليك أبا ذر".
2 / ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال: " إن
رسول الله (ص) أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه صعلوكين وأجرى عليه رزقا، وكان يتعاهد المدينة.
فعد أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كانوا يعدون عليه من إعطاء مروان خمس مغانم إفريقيا، والصحيح أنه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه ".
من خلال الفقرتين، يتبين أن أبا ذر كان رجلا ظاهريا لا يأخذ بباطن الأمور. فهو إذن ينقصه العلم بالأحكام والدراية بقضايا الشريعة. وأن عبد الله بن سبأ أغرى أبا ذر وأوهمه بما يجعله يعاتب معاوية فاستعتب له هذا الأخير. وإنهم أتوا ب‍عبد الله بن سبأ إلى معاوية قائلين له: هذا الذي بعث عليك أبا ذر ثم إن خروج أبي ذر إلى الربذة، كان اختيارا منه وذلك بعهد من رسول الله (ص) وأقطعه عثمان ما يكفيه من الإبل وأعطاه ما يفضل عنه من الرزق فهو لم يكن ذا حاجة وإن اتهام عثمان بإخراج أبي ذر كان من ادعاء ذلك الرهط.
لنبدأ بطرح رأينا حول هذه العبارة وتفكيكها لنقف عند ثغراتها.
أولا: إن أبا ذر بشهادة الرسول (ص) كان أصدق لهجة.. كما جاء في الرواية الشهيرة:
" ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر ".
فهو ممن أوتوا الفطنة والعلم والصدق. ولا أدل على ذلك من التزامه وسلوكه الذي يعكس ذلك العلم الكبير والفطنة النافذة. لقد اعتبر (رض) مفاسد الأمويين يومها خطرا على الإسلام وصدقت فراسته فهو لم يكن كما ادعى مؤرخ المغرب، رجلا ظاهريا ولا أدل على علمه أيضا، والتزامه، ما جرى بينه وعثمان في حضرة كعب الأحبار. وإن كانت تلك الحادثة تدل على شيء فإنما على مدى قوة بصيرة أبي ذر. وحسبه من علم الباطن أن رد بأعنف العنف المتأسلم اليهودي المندس عن الإفتاء في دين الله. وأن تكون دعوته مما حملها المحرومون عبر تاريخ. ولا يزال أبو ذر الغفاري يمثل أروع نموذج لثورة الفقراء حتى جعله البعض الاشتراكي الأول في تاريخ الإسلام!.
ودعنا هنا، نعرض بعض الإحصائيات عن الممتلكات الضخمة التي كانت تدور بعين أبي ذر وتثير رفضه لنرى هل مثل ذلك الحجم من الثروات في أيدي عثمان وبني أمية الذين انقضوا على تراث الأمة ونهبوه واستغلوا مكانة عثمان لتمرير سياساتهم التقليدية المعادية لبني هاشم، ولنر هل كان ذلك الشكل من الفقر الذي تعانيه الطبقات السفلى من الناس شيئا طبيعيا بالنسبة لذوي الضمائر الحية والروح المسؤولة. لنر هل فعلا كان أبو ذر ينتظر من عبد الله ابن سبأ المجهول أن يعلمه الثورة على الإسراف والظلم ونهب المال العام. أم أن ذلك من تعاليم الإمام علي بن أبي طالب حين كان لا يفتر عن الإشارة إلى هذا الوضع وهو صاحب الكلمة الشهيرة كما جاء في نهج البلاغة: " ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع " وهو من قال بعدها: " الله الله في الطبقات السفلى من الناس ".
وكل ما قاله أبو ذر سبق من كلام علي بن أبي طالب. لكنهم استضعفوا أبا ذر، كما استضعفوا عمارا. ففي إحصاء صور الفساد المالي نقرأ ما يلي كما جاء في مروج الذهب وسواه:
" ذكر عبد الله بن عتبة إن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون ومائة ألف دينار وألف ألف درهم وقيمة ضياعه بوادي القرى وحنين وغيرهما مائة ألف دينار، وخلف خيلا كثيرا وإبلا ".
هذه هي ثروة عثمان الشخصية ناهيك عما أقطعه لبطانته، وما اغتصبه من بيت مال المسلمين.
وللبيب أن يتسأل، هل بعد هذا كله كان أبو ذر ضحية تمويه. وصدق طه حسين، حين استسرف الأمر قائلا في إسلامياته: " ومن هذا التلقين إلى أن يقال أنه (أي عبد الله بن سبأ)الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد الأمراء والأغنياء وتبشير الكانزين للذهب والفضة بمكاو من نار، وما أعرف إسراف يشبه هذا الاسراف".
وينقلب السحر على الساحر في عملية العرض المغرضة ليكون ابن خلدون أحيانا عراب فضيحته. فقد ذكر أنهم أتوا به إلى معاوية، وإنه لمن السذاجة قبول هذه الأكذوبة. فمعاوية الذي ضاق بأبي ذر الغفاري حتى أخرجه من الشام وشكاه إلى عثمان، كيف لا ينبس ببنت شفة أمام عبد الله بن سبأ وهو الذي أثار أبا ذر على معاوية حسب زعمهم. ثم كانت الطامة الكبرى والبطشة الأخرى، كما نسجها المنوال الرديء عندما اعتبر ابن خلدون خروج أبي ذر إلى الربذة محض اختيار.
ولا بد هنا من الاعتراض على ابن خلدون، ونقول له إن أبا ذر خرج ثلاث مرات وليس مرة واحدة. أخرج المرة الأولى من المدينة إلى الشام. وأخرج في الثانية من الشام إلى المدينة.ثم أخرج الثالثة من المدينة إلى الربذة. وكان عثمان هو من أجبره على كل ذلك. لقد نفي إلى الشام عندما شكاه مروان، ورجع إلى المدينة بطلب من عثمان بعد أن شكاه معاوية. ومن المدينة هجر إلى الربذة بعد أن ضاق به عثمان ذرعا. وسوف نتعرض فقط للصورة التي تم تهجير أبي ذر عليها من المدينة إلى الربذة، والطريقة التي جاء بها إلى المدينة من الشام. فعندما ضاق معاوية بأبي ذر الغفاري بالشام واستنجد عليه بعثمان، طلب منه هذا الأخير أن يشخصه إليه في أغلظ مركب وأوعره.
يذكر المسعودي: " إن معاوية كتب إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع، ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان لك في القوم حاجة فاحمله إليك، فكتب إليه عثمان بحمله، فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به، حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك، فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما ينزل به بعد، ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه في داره أيام، ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء.
وكان في ذلك اليوم قد أتى عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف من المال، فنثرت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم، فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا، لأنه كان يتصدق، ويقري الضيف، وترك ما ترون، فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبو ذر العصا، فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم وقال: يا ابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال: إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على الله بذلك، وأنا سمعت النبي (ص) يقول: " ما يسرني أن أموت وأودع ما يزن قيراطا " فقال له عثمان: وار عني وجهك، فقال: أسير إلى مكة، قال: لا والله، قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت؟ قال: إي والله، قال: فإلى الشام، قال: لا والله، فاختر غير هذه البلدان، قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك، ولو تركتني في دار الهجرة ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد، قال؟ فإني مسيرك إلى الربذة ".
أما ما ادعاه ابن خلدون من أن عثمان أعطى أبا ذر ما يكفيه من رزق، فهذا ما لا يصح ، لما علمنا من أن أبا ذر كانت له حساسية كبيرة من المال الحرام، وأنه ما ثار إذ ثار إلا على هذا التبذير والترف، والتصرف اللامسؤول في أموال المسلمين. والثابت في الرواية هو أن أبا ذر مات هو وأبناءه من شدة الجوع، حتى أن زوجته لم تجد له كفنا، وكان بعض السيارة قد دفنوه بعد ذلك. ذكر صاحب مروج الذهب: " قال عثمان: فإني مسيرك إلى الربذة، قال: الله أكبر، صدق رسول الله (ص) قد أخبرني بكل ما أنا لاق، قال عثمان: وما قال لك؟ قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة، ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز، وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته، وقيل: ابنتيه، وأمر عثمان أن يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة. ".
إن إخراج أبي ذر إلى الربذة من قبل عثمان وتضايق التيار الأموي به، هو من المشهورات في التاريخ الإسلامي. ولو كان اختيارا منه الخروج إلى الربذة، إذن لما أغلظ عثمان على من شيعه في الطريق بأشد ما تكون الغلظة. ولما حدث بينه والإمام علي بن أبي طالب في شأن نفيه أبي ذر، من تلك المشادة.
كان ابن خلدون يحاول من وراء ذلك تبرئة عثمان وتخطئة معارضيه مرة متهما إياهم بالسفه ومرة بقلة العلم وأخرى بسوء الفهم وهم جلّ الأمة حينئذ وينسى أنه اعترف أكثر من مرة ، هو نفسه بمفاسد سياسة عثمان من حيث لا يشعر، وعرض ما يؤكد ذلك الوضع السيئ وتلك الصورة البشعة التي كانت عليها خلافة عثمان. قال ابن خلدون: " وقيل: إن عليا لما رجع عن المصريين أشار على عثمان أن يسمع الناس ما اعتزم عليه من النزوع قبل أن يجئ غيرهم ففعل وخطب بذلك، وأعطى الناس من نفسه التوبة وقال: أنا أول من اتعظ، استغفر الله مما فعلت وأتوب إليه، فليأت أشرافكم يروني رأيهم، فوالله إن ردني الحق عبد لأستن بسنة العبد ولأذلن ذل العبد، وماعن الله مذهب إلا إليه فوالله لأعطينكم الرضى ولا أحتجب عنكم. ثم بكى وبكى الناس ودخل منزله ".
إذن، فابن خلدون يذكر أن عثمان اعترف بالذنب، وأنه استغفر الله وتاب و أعطى للناس من نفسه التوبة . ونقول لابن خلدون على أي شيء تقع هذه التوبة إن كان معارضوه ممن يجب في حقهم التوبة والاستغفار. وعلى من استغفر عثمان، وبماذا اتعظ؟؟ أفلا يدل ذلك على تراكم أخطائه التي جلبت عليه غضب الأمصار وطليعة الصحابة؟! فكيف يبرئ بن خلدون من اعترف بالذنب وأقر بالخطيئة. وما المانع من الاعتراف بأخطاء عثمان طالما أن القوم لا يقولون بعصمة الخليفة. أم أنها العصمة في العمل والكفر بها في النظر.
وعليه، فإن أبا ذر كان قد أخرجه عثمان قهرا. ويدل على ذلك ما رواه الواقدي :" إن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت الربذة، فقلت له: ألا تخبرني، خرجت من المدينة طائعا، أم أخرجت؟ فقال: " كنت في ثغر من ثغور المسلمين، أغنى عنهم فأخرجت إلى المدينة، فقلت: أصحابي، ودار هجرتي، فأخرجت منها إلى ما ترى ".
ويوم الدار أيضا حيث اقتحم الثوار بيت عثمان، ودخل محمد بن أبي بكر على عثمان، قال ابن خلدون: " ودخل عليه محمد بن أبي بكر فحاوره طويلا بما لا حاجة إلى ذكره، ثم استحيا وخرج. ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".
وليت شعري - هذه المرة - أي حوار طويل هذا الذي جرى بين الاثنين، وعلى أي أساس رأى ابن خلدون عدم الحاجة إلى ذكره، وكيف أن محمد بن أبي بكر استحيا وخرج؟!.
وهلا استحيا وهو يسير إليه من مصر إلى المدينة في وفد كبير؟!
دعنا ننقل ذلك الحوار الطويل لنرى إن كان فعلا لا تدعونا الحاجة إلى ذكره أم لا. فلما دخل محمد بن أبي بكر على عثمان قال له هذا الأخير: ويحك! أعلى الله تغضب! هل لي إليك جرم إلا أني أخذت حق الله منك؟ فأخذ محمد بلحيته، وقال: أخزاك الله يا نعثل!.
قال: لست بنعثل، ولكني عثمان وأمير المؤمنين، فقال: ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان!.
فقال عثمان: يا ابن أخي، دعها من يدك، فما كان أبوك ليقبض عليها، فقال: لو عملت ما عملت في حياة أبي ليقبض عليها، والذي أريد بك أشد من قبضتي عليها. فقال: استنصر الله عليك وأستعين به، فتركه وخرج، وقيل: بل طعنه في جبينه بمشقص كان في يده حسب بن أبي الحديد في شرح النهج.
ومن هنا تبين كيف أن الفائدة عمت عند ذكر الحوار. وأن محمدا لم يخرج مستحيا كما تخيله ابن خلدون، وإنما عنفه وضربه وأخلى بذلك الطريق للثوار كي يشرعوا في قتله. ولا أدل على ذلك مما ذكرنا من شكوى بنت الفرافصة ما فعل محمد بن أبي بكر، عندما سألها علي بن أبي طالب. ولو كان استحيا وخرج كما زعم، لما شكت الكلبية، ولكانت من الشاكرين له. ولما كانوا انتقموا منه شر انتقام حين ظفروا به وأحرقوه انتقاما ليوم الدار، ولقاء ما صدر عنه من عنف في قتل عثمان. ولقد ذكر ابن خلدون في مورد آخر، وفي لحظة تبرير جديد إن ابن حديج كان قد منع محمد ابن أبي بكر الماء جزاء بما فعل بعثمان، ثم أحرقه في جوف حمار.
أفلا يدل ذلك على أن موقف محمد العنيف من عثمان، كان مما اشتهر به في زمانه!. لقد امتنع ابن خلدون عن نقل تفاصيل الحوار الذي دار بين الاثنين، حتى يتسنى له القول: " ثم استحيا وخرج ". ويبقى أن نطرح سؤالا على ابن خلدون عن موقع وموقف عائشة من مقتل عثمان. لم يذكر ابن خلدون عائشة بشئ. وقصارى ما جادت به قريحته في هذا المجال قوله: ثم خرجت عائشة إلى الحج ودعت أخاها فأبى فقال له حنظلة الكاتب: " تدعوك أم المؤمنين فلا تتبعها، وتتبع سفهاء العرب فيما لا يحل؟ ولو قد صار الأمر إلى الغلبة غلبك عليه بنو عبد مناف ".
وفي مورد آخر قال: "وكان سبب اجتماعهم بمكة أن عائشة كانت خرجت إلى مكة وعثمان محصور كما قدمناه، فقضت نسكها وانقلبت تريد المدينة، فلقيت في طريقها رجلا من بني ليث أخوالها، فأخبرها بقتل عثمان وبيعة علي فقالت: قتل عثمان والله ظلما ولأطلبن بدمه فقال لها الرجل ولم أنت كنت تقولين ما قلت؟
فقالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه وانصرفت إلى مكة".
وفي نظري هذا تلبيس يهدف إلى وضع مقدمة مضللة لحادثة الجمل. وإذا كان ابن خلدون قد اعتمد في أمر الجمل على ابن جرير الطبري، فإنه لم يأخذ عنه موقف عائشة من مقتل عثمان. لقد أنهى كلامه من دون أن يهدم صرح التلبيس فيما ينتحله من مواقف وأحداث. يقول: " وهذا أمر الجمل ملخص من كتاب أبي جعفر الطبري اعتمدناه للوثوق به لسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة وغيره من المؤرخين ".
لقد عمل ابن خلدون على انتقاء الروايات التي من شأنها، التشويش على القارئ، فجعلها بحيث يختفي منها موقف عائشة من مقتل عثمان، حين قال:
فقال لها الرجل ولم أنت كنت تقولين ما قلت؟
وماذا قالت عائشة؟... ابن خلدون يسكت!.
لكن الطبري وهو المعتمد عند بن خلدون، ينقل ما كانت تقوله عائشة في عثمان. وهو قولها: اقتلوا نعثلا فقد كفر.
هذه الكلمة هي التي دفعت ابن خلدون إلى تعويضها ب‍: تقولين ما قلت؟ وسوف ننقل ما دار بين الرجل وعائشة، بمزيد من الإيضاح:
ذكر ابن خلدون، إن رجلا من بني ليث أخوالها لقيته في طريقها، وكان ذلك منه تلبيسا في القضية. وحتى يبعد القارئ عن الاسم الذي ذكره المؤرخون، كي لا يقفوا على تفاصيل الكلام. فالرجل الذي قال عنه ابن خلدون، من بني ليث أخوالها. هو ما عرفه المؤرخون بعبيد بن أم كلاب. وهو رجل ينسب إلى أمه. وهو عبيد بن أبي سلمة الليثي.. وباسم بن أم كلاب اشتهر. وكذلك ما دار بينه وبين عائشة من كلام. وذكر ذلك كل من الطبري وابن الأثير وآخرون.
والحوار الذي جرى بينهما كان كالتالي:
صاحت أم المؤمنين، ردوني، ردوني. فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلوما، والله لأطلبن بدمه! فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت، فلقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلا فقد كفر، قالت:
إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير من قولي الأول، فقال لها ابن أم كلاب فيما يروي الطبري في تاريخه وابن سعد في طبقاته:
فمنك البداء ومنك الغير *** ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام** * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعناك في قتله *** وقاتله عندنا من أمر
ولم يسقط السقف من فوقنا *** ولم تنكسف شمسنا والقمر
وقد بايع الناس ذا قدرأ *** يزيل الشبا ويقيم الصعر
ويلبس للحرب أثوابها * **ومامن وفى مثل من قد غدر
وكان ابن خلدون يهدف من وراء ذلك إلى غاية ذميمة. أن يجعل سبب اجتماع الثلاثة بمكة هو أن عائشة قد خرجت إلى مكة، وعثمان محاصرا، حتى ورد عليها هذا الرجل وأخبرها بالأمر. ونرى من الواجب فك هذا التهافت، وتوضيح هذا التضليل. فعائشة خرجت وهي تعلم بمقتل عثمان، وكانوا قد كلموها في الأمر فرفضت، وكان مروان قد جاء إلى عائشة، فقال حسب ما يروي اليعقوبي في تاريخه وابن الأثير في الكامل: " يا أم المؤمنين، لو قمت بين هذا الرجل وبين الناس؟ قالت: قد فرغت من جهازي، وأنا أريد الحج. قال: فيدفع إليك بكل درهم أنفقته درهمين، قالت: لعلك ترى إني في شك من صاحبك؟ أما والله لوددت أنه مقطع بغرارة من غرائري، وإني أطيق حمله، فأطرحه في البحر ".
وكانت عائشة شديدة عليه أيام خلافته. ومن المحرضين عليه أيضا. حتى
ورد عنها بينما عثمان يخطب إذ دلت قميص رسول الله (ص) ونادت حسب اليعقوبي وغيره: " يا معشر المسلمين، هذا جلباب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته، فقال عثمان رب اصرف عني كيدهن إن كيدهن عظيم ".
هذا هو موقفها منه وإنها لم ترجع عن ذلك إلا بعد أن قيل لها إن عليا قد بويع، فقالت عندها: " يا أيها الناس إن عثمان قتل مظلوما والله لأطلبن بدمه، وكانت تقول: يا معشر قريش إن عثمان قد قتل، قتله علي ابن أبي طالب، والله لأنملة - أو قالت - لليلة من عثمان خير من علي الدهر كله ".
والمستفاد من أخبار المؤرخين.. إنها لم تقل ذلك إلا بعد أن علمت بيعة علي من قول عبيد بن أم كلاب، السابق، وقبل ذلك كانت بمكة، وأخبرت بقتله من دون سماع بيعة علي. قالت: أبعده الله، ذاك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد.. وكانت تقول: أبعده الله، قتله ذنبه، وأماده الله بعمله، يا معشر قريش لا يسومنكم قتل عثمان كما سام أحمر ثمود قومه، إن أحق الناس بهذا الأمر ذو الإصبع - تقصد طلحة - ثم أقبلت مسرعة إلى المدينة، وهي لا تشك في أن طلحة هو صاحب الأمر، وكانت تقول: بعدا لنعثل وسحقا، إيه ذا الإصبع، إيه أبا شبل، إيه ابن عم، لك أبوك أما إنهم وجدوا طلحة لها كفؤا، لكأني أنظر إلى إصبعه وهو يبايع، حثو الإبل ودعدعوها، ولما انتهت إلى " سرف " قرب مكة في الطريق إلى المدينة، لقيها عبيد بن أم كلاب. فحدث بينهما ما قدمناه.
والآن تبين كيف أن عائشة كانت تريد الأمر لابن عمها، تعصبا لبني تيم بن مرة. وإنها لم تعدل عن قولها إلا بعد أن نزل عليها خبر المبايعة لعلي كالصاعقة. فصدر منها ما صدر.
تلك كانت عبقرية فيلسوف التاريخ وعالم العمران. ما يؤكد أن للتحيز والتملق ينهار بالعباقرة إلى السفح ويمنعهم العناد من الاعتراف بالحقيقة حينما تكون في ذاك الطرف وليس في هذا الطرف. ونحن هنا سعينا لعرض ملابسات الفتنة الكبرى لندرك لماذا تضخم الإصرار على اختلاق شخصية عبد الله بن سبأ ومنحه كل تلك الأدوار.
اختلاق وراءه وظيفة تاريخية
ربما هو شخص لا يستحق كل هذا الاحتفال مع فرض وجوده. لكن الأدوار التي صبوها صبّا فوق رأسه تفوق أدورا الدول والإمبراطوريات. ومع هذا لم يكن هذا الاختلاق محض مصادفة أو لغرض الإمتاع. هناك لا شك وظيفة تفسر كل هذا الخيال الجموح وذاك الإصرار البليد. لقد كانت تلك هي مجمل الحوادث التي سعى المؤرخ إلى إخفائها واختلاق حكاية السبئية لتمريرها فوق الرؤوس. وكان لهذا الاختلاق وظيفة أخرى أكل عليها الدهر وشرب واستهلكت حد الفحش، ألا وهي محاولة استئصال الشيعة من الخريطة الإسلامية والتشكيك في أصالة معتقداتهم بوصفها بدعية ولا تستند إلى المصادر الإسلامية نفسها. فلا وجود لما اعتقد به الشيعة غير مسنود بتلك الأصول. فهي بهذا المعنى وكما عبر عبد الله العروي: سنة في قبال سنة. وأنا أقول إنها السنة نفسها غير المتواصلة مع نفسها. ولكي نوضح أن تلك العقائد قائمة على الدليل وليس على فرية شخص مجهول أو تافه مثل عبد الله بن سبأ سأستعرض بعضا مما يسند وجهة النظر الشيعية بخصوص ما يدينون به من الكتاب والسنة أي من المصادر ذاتها لأهل السنة والجماعة. فالتشيع علوي النشأة لا سبئي، فافهم!
لقد كتب المحقق المرحوم السيد مرتضى العسكري تحقيقا رائعا لدحض حقيقة شخص إسمه عبد الله بن سبأ. وقد تابع منهجه ليكتشف أن صناعة الشخصيات الوهمية أمر جرت به العادة في تراثنا. وحينئذ كتب رائعته الأخرى 150 صحابي مختلق. وفي كل الأحوال بدا لي أن السيد المحقق سلك طريق الشك المنهجي مما أثمر كل هذه الحقائق. ولا أدري ما الذي يضير خصوم الشيعة إن كانوا لا يلزمون أنفسهم بتصديق هذه الحكاية. فهل إثبات شخصية وهمية مجهولة الحال في أقل التقادير ومنحها هذه القدرة السحرية العظمى جزء من الدين أم هي جزء من هندسة تاريخية أريد لها أن تصبح دينا يغدو منكرها في حكم من ينكر معلوما من الدين بالضرورة. شخصيا قد لا أمانع في عالم الإمكان أن يوجد شخص كعبد الله بن سبأ أو سبئيين بعدد الأدوار التي نسبت إليهم في التاريخ تنطلق من أقصى التأليه لعلي بن أبي طالب إلى أقصى التكفير لعليّ بن أبي طالب؛ ليس ثمة مشكلة في هذه الشقلبة التأريخية ، فالتناقض هنا سائغ نشربه زلالا ثم نتحدث عن تعقيل الأشياء وتعقيل التراث؛ أجل ، قد أفترض وجوده فلا يشكل هذا أي إشكال، لكن ترى ، كيف يمكننا منحه كل هذه الأدوار الأسطورية التي لا تقوم بها أمة بالأحرى أن يقوم بها غلبان سبئي لا يدري ما يقول ، أسلم زمن عثمان بن عفان. لكن الوظيفة الكامنة خلف هذا الاختلاق وهذا العناد في تكريس هذا الاختلاق يطرح أكثر من نقطة استفهام. فهب أننا هضمنا هذا الوجود الأسطوري المختلق لعبد الله ابن سبأ على علاته وترنح أخباره وتناقض أحواله ، فكيف يتسنى هضم تلك الأدوار الأسطورية الخيالية المسنودة إليه كما لو كانت شريطا سينمائيا بالغ التمثيل. إنه في نهاية المطاف، أسطورة شخص مختلق وأسطورة أدوار غامضة، حبكها أسوء خيال وأبلد تأريخ!
هل التشيع صناعة لعبد الله بن سبأ؟
الآن فقط ندرك ما معنى العبارة التي عنونت بها للمقال (أسطورة في أسطورة). لأن فعل الأسطرة لم يقف عند مجرد اختلاق شخصية هي أقرب إلى الوهم منها إلى الواقع، بل تعدى الأمر إلى أسطرة أدواره وحركاته وعبقريته إلى حد يفوق الخيال. فهي أسطورة وجود وأسطورة وظيفة. هو إذن ابن السوداء في أسطورة سوداء. أجل ، لقد كانت تلك حقا الوظيفة التي على خلفيتها تقرر ابتكار شخصية غامضة في سياق ملتبس. وبذلك تقرر عند القوم أن مصادر التشيع ليست هي مصادر السنة ، وأن المسألة ليس مسألة اختلاف في التأويل ، بل هي خروج عن الدين ومروق وامتحاء من أصول أجنبية ليس لها من السنة نصيب. وقد كان الدكتور أحمد محمد صبحي أكثر نباهة حينما علّل سبب اختلاق هذه الشخصية لتحميلها أوزارا ما كان العقل العربي يقبل تحميلها للصحابة أنفسهم بعد أن قالوا بعدالتهم مطلقا. لذا رأى أن "مبالغة المؤرخين وكتاب الفرق في حقيقة الدور الذي قام به عبد الله بن سبأ ، يرجع إلى سبب آخر غير ما ذكره الدكتور طه حسين. فلقد حدثت في الإسلام أحداث سياسية ضخمة كمقتل عثمان ثم حرب الجمل وقد شارك فيها كبار الصحابة وزوجة الرسول (ص) وكلّهم يتفرقون ويتحاربون وكل هذه الأحداث تصدم وجدان المسلم المتتبع لتاريخه السياسي(...) ولم يكن من المعقول أن يتحمل وزر ذلك كله صحابة أجلاء أبلوا مع رسول الله(ص) بلاءاً حسناً فكان لابد أن يقع عبء ذلك كله على ابن سبأ".
هناك إذن شريحة واسعة من الباحثين لم تهضم وجود هذا الشخص بله القبول بأدواره الضخام. طه حسين عبر عن ذلك "في الفتنة الكبرى" ، بأن "الذي نخلص إليه في بحثنا هذا أن ابن سبأ، شخصية وهمية لم يكن لها وجود , فإن وجد شخص بهذا الاسم فمن المؤكد أنه لم يقم بالدور الذي أسنده إليه سيف وأصحاب كتب الفرق , لا من الناحية السياسية ,ولا من ناحية العقيد".
وحتى من أهل الحديث من أنكر وجوده وشكك في أمره بعد أن وقف على ضعف إسناد تلك الأخبار. من أولئك العلامة المحدث محمد العربي التباني يذكر في كتابه تحذير العبقري كحاية تعظيم الخضيري من شأن عبد الله بن سبأ مكررا هذا التهويل ، في حين كان أمر عبد الله بن سبأ فيما يقول محمد العربي التباني:" وهو أقل وأذل من كونه أحد الأسباب في مقتله فضلاً عن كونه قائد الفتنة ". بل أكثر من ذلك في القبول بهذه الشخصية ما يشتمل إجمالا على " رمي جميع العرب والصحابة وعثمان وعماله بالتغفيل".
وحيث أظهرنا ضحالة هذه النسبة الخاطئة والغريبة ، وجب أن نتحدث عن مصادر الاعتقاد الشيعي وفقهيه الأكبر والأصغر بالمختصر المفيد من خلال عيّنات ليس إلاّ، لغرض تثبيت فكرة أن مصادر الشيعة هي مصادر السنة نفسها: كتاب وسنة والباقي لا يخفى. وهذا يعزز ليس فقط أكذوبة الأصل السبئي للتشيع بل يؤكد على أن المسألة في المعتقد الشيعي لا تقبل حتى مجرد التأويل ، لأنها متصلة بالنص ومأخوذة من منطوقه قبل مفهومه. إذن لنتساءل أولا: هل حقا كان اعتقاد الشيعة في أفضلية وإمامة أئمتهم خرافة ناشئة من خارج السنة ومن وحي اليهودي السبئي..وهل حقا وجب أن نصدق أن أصل التشيع مرّة يكون من وحي عبد الله بن سبأ منذ الصدر الأول ومرّة هو بدعة فارسية صفوية في القرون المتأخرة.. تارة يهودي الأصل وتارة مجوسي الأصل وتارة كل هذا وذاك.. وهل ما انفردوا به فقها سلكوا فيه مسلك غير السنة؟ بعض من هاتيك الشذرات سنفرد لها مقالا خاصا إن شاء الله ، فابقوا معنا.

من مراجع المقال لمزيد من التوسع:
ابن جرير الطبري : تاريخ الأمم والملوك ، ط دار إحياء التراث العربي ، بيروت
المسعودي : مروج الذهب ، تحقيق محيي الدين ، دار المعرفة بيروت
الذهبي : ميزان الاعتدال ،1382 دار المعرفة ، بيروت
أحمد بن يحيى البلاذري : أنساب الأشراف ، تحقيق:سهيل زكار، ورياض زركلي. دار الفكر. 1417
ابن الأثير الجزري: أسد الغابة في معرفة الصحابة ط 1459 ه‍ دار
ابن قتيبة : تاريخ الخلفاء - مؤسسة الوفاء - بيروت لبنان
أبو علي مسكويه الرازي: تجارب الأمم دار سروش للطباعة والنشر - 1987 م طهران
تاريخ اليعقوبي ، دار صادر – بيروت
الكامل في التاريخ - ابن الأثير - الطبعة 1385 ه‍ - دار
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة بن حجر الهيثمي الطبعة الثانية 1385 ه‍ مكتبة القاهرة
محمد بن سعد: الطبقات الكبرى ،الناشر : دار صادر - بيروت
ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ط 3 ، دار الفكر 1979م ، بيروت
تبديد الظلام وتنبيه النيام: ابراهيم السليمان الجبهان ، الناشر دار المجمع العلمي بجدة ، 1979م
حامد حفني داود: عبد الله بن سبأ، ط 1 ، القاهرة 1979م
السيد مرتضى العسكري: عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع 01/01/1991
محمود أبو رية: أضواء على السنة المحمدية، ط5 ، الناشر : مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ، بيروت 1996
طه حسين : إسلاميات ، الطبعة الأولى 1967 م
محمود شاكر : التاريخ الإسلامي ، الطبعة : الثامنة ، 1421 ه الناشر : المكتب الإسلامي
الدولة الأموية والمعارضة ، الطبعة الثانية بيروت
محمد عابد الجابري : بنية العقل العربي، ط1 ، 1686م المركز الثقافي العربي، بيروت
[email protected]
ليس الغرض هنا بيان تهافت حكاية عبد الله بن سبأ ومحاولة ربطه بمدرسة إسلامية عتيدة فحسب ، بل الغرض هنا أن نظهر ومن خلال تهافتات بن خلدون في رصده لأحداث الفتنة الكبرى ما هي الأسباب الموضوعية التي تفسر هذا الإصرار العنيد على اختلاق شخصية وهمية ونسبة كافة الأدوار القذرة إليها. الأمر يتعلق بحجب فضيحة تاريخية كبرى وليس فتنة كبرى. وليس أفضل من المتن الخلدون مثالا على هذه "الشقلبة".
في البداية أخشى أن يثقل الأمر على من يحب التعبد بالخلدونية لمجرد ما ورد في المقدمة من آراء نثمنها أيضا ونحاسب ابن خلدون في ضوئها لأنه لم يطبقها على كل فصول كتاب العبر. وطبيعي أن يتبنى ابن خلدون هذه الخرافة لأنها ليس الأولى التي يتمسك بها دفاعا عن تحيزه. لقد اعتقد بالتنجيم في الكتابة التاريخية كما تظهر حواريته الغريبة مع تيمورلانك.. كما اعتقد بمقتل سعد بن عبادة من قبل الجن.. كما نسب الحفصيين الآمازيع إلى الخليفة الثاني. وفي هذا السياق سعى ابن خلدون بدوره إلى تكريس خرافة ابن سبأ لمنع الحديث عن المفاعيل الموضوعية للفتنة الكبرى. كان بن خلدون هنا متحيزا متمذهبا وليس مؤرخا منصفا. ومثل هذه الهنات عرفت عليه كما لا يخفى من قبل دارسيه الناقضين عليه أو المعجبين به. فكلما اقتربنا من الصدر الأول حاد ابن خلدون عن منهجه التأريخي على خلفية فلسفة العمران وازداد تحيزا وتقليدا وتبريرا. وكلما ابتعدنا عاد ليدخل القوم في سنة التاريخ والعمران من أوسع الأبواب. كيل بمكيالين وجب الحذر منه في تاريخ بن خلدون. هناك ثلاث محطات أساسية تطرق إليها هذا الأخير في حديثه عن خلافة عثمان. وهي تلك التي عنون لها ببدء الانتفاض على عثمان، وحصار عثمان ومقتله. كيف تناول ابن خلدون تلك الملابسات، وأي قدر من الصراحة ضمنها نصوصه حولها.. من ألّب على عثمان ومن قتله ولماذا.. ومن هم أنصاره ومن هم معارضوه وأعداءه..كيف تمت عملية القتل ومن تولاها؟
أسئلة كثيرة تضع تاريخ ابن خلدون أمام محك الحقيقة. هنا تركيز على نقطتين في استعراض ابن خلدون لأحداث ما يسمى بالفتنة الكبرى.
إن الذين ثاروا على عثمان وقتلوه كانوا يشكلون سفهاء القوم وغوغائهم.
إن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ.
وما يدل على المسألة الأولى، هو قول ابن خلدون في الجزء الثالث من حديثه عن أحوال الفتنة ومقتل عثمان: " كانت عروق الجاهلية تنبض ووجدوا الرياسة عليهم للمهاجرين والأنصار من قريش وسواهم فأنفت نفوسهم منه، ووافق أيام عثمان، فكانوا يظهرون الطعن في ولاته بالأمصار، والمؤاخذة لهم باللحظات والخطرات، والاستبطاء عليهم في الطاعات، والتجني بسؤال الاستبدال منهم والعزل، ويفيضون في النكير على عثمان ". وقوله: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".
أما ما يؤكد المسألة الثانية، فهو قوله:
" إلا عمارا فإنه استماله قوم من الأشرار، انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن سبأ ويعرف بابن السوداء ".
" وكان ابن سبأ يأتيه - أي إلى أبي ذر - فيغريه بمعاوية ".
" وتأخر عمار ابن ياسر بمصر واستماله ابن السوداء وأصحابه ".
" وكان بدؤه فيما يقال شأن عبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء ".
والمعنى الإجمالي من هذا الكلام المبسوط في ثنايا الحديث عن حوادث الفتنة وتحرك الأمصار إلى مقتل الخليفة ، هو أن ابن خلدون يريد أن يثبت عبر التلبيس والتدليس أن الثورة على عثمان كانت من وحي عبد الله بن سبأ من خلال تحريض الجماهير من الغوغاء ضد الخليفة، وإنها بالنتيجة لم تكن ثورة شعبية وإنما كانت مؤامرة مدبرة وفوضى مجنونة استغل فيها المتآمرون سوقة الناس ودهمائهم، وفساق القوم وسفهائهم.
وقد سبق أن أفضنا في هذه القضية ، ويكفي ما ثبته العالم النحرير والمحقق الرئيس السيد مرتضى العسكري في سفره النفيس " عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ". فقد أثبت بكامل الوسع ضعف هذه الرواية التي انفرد بها سيف بن عمر التميمي والذي أخذها عنه الطبري ثم سرعان ما انتشرت كالنار في الهشيم عند جل من رواها من المؤرخين. ولندع القارئ يواجه بنفسه تفاصيل تحقيق الأستاذ الكبير، كما ذكرنا ذلك آنفا، ونتوقف نحن عند ابن جرير الطبري الذي منه أخذ ابن خلدون رواية عبد الله بن سبأ من دون النظر في مدى صحتها. وقد سلك ابن خلدون في هذا مسلك المقلدة في الأخبار من أؤلئك الذين طالما عاتبهم على التلقي غير الواعي، واللامنتج للخبر من دون تمحيص وإعمال النظر ، حينما يقول : " هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية وما كان فيها من الردة والفتوحات والحروب، ثم الاتفاق والجماعة أوردتها ملخصة عيونها ومجامعها من كتب محمد بن جرير الطبري، وهو تاريخه الكبير، فإنه أوثق ما رأيناه في ذلك وأبعد عن المطاعن، والشبه في كبار الأمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين ".
إذن، ابن خلدون أخذ هذه الرواية عن الطبري. ونلاحظ أنه لم يأخذ عنه الروايات التي تدين سياسات عثمان، لا سيما المالية وقسوته على بعض الصحابة ومحاباته لأقربائه. فهو إذن ينتقي. وفي انتقائه ذاك يعبر عن إعنات مفرط، وانتحال للأخبار موقع في التلبيس. وقد سبق أن رأينا كيف طوى كشحا عن تلك الروايات الكثيرة عند الطبري في أمر وفاة الرسول (ص) والسقيفة، ورأينا كيف كان من دأبه أن يروي الأساطير في تعزيز مذهبه التاريخي، نظير ما جاء في مقتل سعد بن عبادة من قبل الجن، وهو بذلك يؤكد على حالة الاستثناء السحرية في منهجه التأريخي. ومثل تلك الأساطير التي اعتمدها لما تنطوي عليه من تعتيم على واقع الأمور و مجريات الأحداث. ولا حاجة لتكرار الحديث عن ضعف والتباس الرواية المذكورة. يكفي أنه انفرد بها كاذب وضّاع متروك الرواية عند جهابدة السنة وأهل الحديث. فعجبا كيف يتمشدق بها من يزعمون أنهم يرجحون طريق المحدثين في تصحيح الأخبار على طريقة المؤرخين. وإنما أريد أن أؤكد على تهافت ابن خلدون في سرده لهذه الرواية بشكل مثير للتأمل. إنه مرة يؤكد أنه - أي ابن سبأ - ذهب إلى البصرة حيث يوجد حكيم بن جبلة ، أحد عمال علي بن أبي طالب ، وقائد وفد البصرة. وقد كان هذا الأخير حسب شهادة ابن خلدون ممن أخرج ابن سبأ إلى الكوفة. ومنها ذهب إلى مصر حيث التقى بعمار. من خلال هذه القصة يعتقد ابن خلدون بأن أتباع ابن سبأ الرموز كانوا هم عمار وأبو ذر.
وذلك لأن هؤلاء كانوا هم طليعة الثورة على عثمان. ومن هنا سنبدأ مناظرتنا لابن خلدون:
أولا: إن اعتراف ابن خلدون بتشيّع حكيم بن جبلة لعلي بن أبي طالب وإخراجه لعبد الله بن سبأ، دليلا واضحا على أن حكيم بن جبلة ممن رفض أفكار عبد الله بن سبأ. غير أن التاريخ يثبت أن حكيم بن جبلة كان من الثوار الكبار ضد عثمان. ومن الذين جاؤوا بوفد البصرة الذي شارك في حصار عثمان. ومن جهة أخرى، نجد أن الوفود كانت تتألف من الوفد المصري والكوفي والبصري. وكلهم كان على موقف واحد. وعلى مطلب مشترك. وكلهم من المتشيعين لعلي بن أبي طالب: " ونزل معهم أناس من أهل مصر وكان هواهم في علي ".
نستخلص من ذلك كله، أن حكيم بن جبلة لم يكن حسب ما ذهب إليه ابن خلدون موافقا على مطالب الوفود إذ زعم أنه رفض تحريض ابن السوداء. وأن هذا الأخير هو من كان وراء حركة الأمصار. ولو كان كذلك - إذن لزم عدم مجيئه في وفد كامل لقتل عثمان. فهناك إذن تناقض بيّن فيما ادعاه ابن خلدون .
ويثبت أن ابن السوداء فشل في إقناع حكيم بن جبلة وأهل البصرة. وليس ثمة ما يقنعهم به إلا أمران: التشيع لعلي، والثورة على عثمان. فأما الأولى فكانت من شأن حكيم بن جبلة وأهل البصرة وذلك بشهادة بن خلدون لا حاجة لأن يعلمهم ابن سبأ تعاليم دينهم وقد كانوا حواريين لعلي بن أبي طالب صاحب القولة الشهيرة: "اسألوني قبل أن تفقدوني". كيف لنخبة شيعة علي بن أبي طالب تتعلم دينها وتشيعها لعلي من شخص مجهول وهي على وصال دائم بباب مدينة العلم كما في الصحيح من الخبر.. وأما الثانية، فلو كانوا رفضوها، إذن لما جاؤوا بوفدهم لقتل عثمان. يقول ابن خلدون بعد ذلك: " وحدث بالبصرة مثل ذلك من الطعن ". فإذن، التحريض على عثمان لم يكن من اختصاص ابن سبأ الأسطوري. بل ثمة احتقان شعبي ومطالب حقيقية للإصلاح استشرت في الأمصار فكانت ثورة. إن التناقض هنا واضح جدا لمن تأمل ثنايا الخبر.
ثانيا: نجد ابن خلدون الذي بذل الوسع في إعلائه من شأن الأمويين، ورفض مذاهب الشيعة إذ رفضها لغلوها في استنقاص الصحابة، هاهو الآن يحط من قدر جلة من الصحابة جعل منهم طراطير لا يفقهون حديثا ، لم ينفع معهم أن صاحبوا الرسول(ص) ولا علي بن أبي طالب(ع)، ليقودهم ويعلمهم دينهم يهودي حديث الإسلام بفترة وجيزة. وينزل ابن خلدون من شأن الصحابة كأشد ما يكون من الاستنقاص وكأحط ما يكون الاستنزال. فهو يتهم صحابة من ذوي الفضل والسابقة، وممن شهد لهم الرسول (ص) بالشأنية وعهد لهم بما سارت به الركبان وغنت به الشعراء. فيجعلهم أكثر دونية وصغارا، ويصورهم على أشكال تقع دون البله، وأقل تبصرا من الغرير. فيجعل من عمار بن ياسر ذي السابقة والبلاء ممن يستميلهم اليهودي المتزندق، ومن أبي ذر الغفاري العظيم، من يغريهم السفهاء والدخلاء بالتعرض للأمراء، وكأن ديننا ليست فيه فكرة عن مناهضة الظلم، ولا وازعا لمحاربة الفساد. وأي دين هو أحرص من ديننا في طلب الإصلاح وممارسة التغيير؟! وحسبك من ذلك التهافت، أن ابن خلدون ذهب إلى أن حكيم بن جبلة كان قد رفض على ابن السوداء دعوته وإخراجه من البصرة.. كيف يكون حكيم هذا أبصر بالأمور، وأكثر تمييزا لما بين الحق والباطل، ممن قام الإسلام على إخلاصهم، وماتوا على صدق في المواطن. ثم بالله عليك، ماذا سوف يعلمهم ابن السوداء، وكيف يغري أبا ذر ويستميل عمارا؟!
ابن خلدون يذهب إلى أن ابن سبأ أغرى أبا ذر بمعاوية، إذ قال:
" وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ".
" وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر". كما زعم أنه علم عمارا القول بالإمامة والرجعة. إن هذا لعمري هو صميم النيل من الصحابة. وإنه لازدراء ما بعده ازدراء. فهدي محمد(ص) لم يستطع أن يوفر أدنى حصانة دينية وعلمية لعمار وهو من أعمدة الدعوة وأركانها، حتى يأتي يهودي فيستميله، كاستمالة الحدث الصغير.
وإن أبا ذر الغفاري الذي تأله قبل الدعوة. وجاء طوعا يبحث عن الإسلام، وساهم بكل إخلاص في حروبه كلها، هل كان في حاجة إلى يهودي يعلمه الثورة على الظلم. وهل كل ما قام به معاوية لم يكن كافيا لإثارة الوازع الديني في أمثال أبي ذر وعمار. فهل بعد هذا كله يليق بابن خلدون أن يدعي أنه اعتمد على تاريخ فيه البعد عن المطاعن والشبه في كبار الأئمة من خيارهم وعدولهم من الصحابة والتابعين!!.
ثالثا: إن ابن خلدون وهو يمارس تدليسه هذا على القارئ كان على مقربة من فهم الأمور. فما يعز على محلل العمران ومفكك التاريخ أن تنطلي عليه مثل هذه القضايا. إنه يعترف بأن هؤلاء الثوار كانوا على علاقة وثيقة بالإمام علي . وهم من سمع رأيه في المرة الأولى فراوحوا الأمصار. وهم الذين بايعوه ودعوا إلى إمامته. وكان جديرا بابن سبأ وهو رمز الدعوة إلى الولاية لعلي بن أبي طالب فيما يزعمون، وهو الذي علّم عمارا القول بالإمامة، وعلم مثل ذلك لأبي ذر وهو الذي انتقل بين الأمصار المتمردة الكوفة والبصرة ومصر وهي مسقط رأس الوفود لكان إذن جدير أن يتقدم شيعة علي بن أبي طالب في زمانه، ويكون في طليعة الفاعلين. ولكان علي قد ولاه فيمن ولاهم على الأمصار.. ولكان له صيت بعيد وشأن يذكر، جزاء ولائه وإخلاصه وكفاءته ولما قدمه من جهود في الدعوة لإمامة علي . ولكن التاريخ - المبتذل - لا يجد ما يقوله لنا عن موقع عبد الله ابن سبأ في عهد علي بن أبي طالب، ولا أين كان موقعه يوم اختراق الدار على عثمان. ولا أين كان دوره داخل معسكر الإمام علي بن أبي طالب في حرب الجمل وصفين كما تساءل طه حسين في الفتنة الكبرى.
إن التاريخ المزيف يحتفظ لنا بصورة خفية عنه، سواء في عهد عثمان أو في عهد علي بن أبي طالب. فهو في كلا العهدين خفي ومتآمر. فإن كان هناك ما يدعوه في عصر عثمان إلى التستر فماذا يمنعه الآن بعد مقتله من الظهور؟! ولئن كان بقي بمصر، فأي مانع للأمويين في أن يقتلوه وقد تمكنوا من قتل وليها يومذاك.. ولكان قتلته العثمانية مثلما قتلوا محمد بن أبي بكر. وقد لفق بعض المؤرخين ما حدث من إحراق علي للسبئية على ما ذهبوا إليه من تأليهه، ولكنه لم يحرق بن سبأ، لأن بعضا من أصحابه اعترض عليه ونصحه بتركه. ولا أدري أين هذا من عدل علي بن أبي طالب أن يحرق الحواريين ويترك زعيمهم. وما هي المصلحة في تركه وقد حاول بن عباس وكثيرون أن ينصحوا علي بن أبي طالب بترك معاوية فأبى أن يمنحه فرصة يوم وليلة. إن أسطورة الحرق هذه، لم تكن سوى محاولة في تقريب عبد الله بن سبأ من دائرة الواقع، غير أنه كان ينفلت من قبضة الواقع، انفلات
الزئبق. فكيف يحرق علي أحدا من كان، وهو الذي اعترض على حرق أبي بكر للفجاءة؟! وكيف يحرق كل السبئيين ويبقى على زعيمهم ويطلق له العنان، وكيف ينال منهم ويحرقهم وهو يعظم ويجلل أحد رموز السبئية على حد زعم المؤرخين، وهو عمار بن ياسر. بل لقد ولاه وأعزه وكان ساعده الأيمن. ولست أدري إن كان عبد الله بن سبأ حقيقة معاصرة لتلك الأحداث، كيف لا يتعقبه معاوية بعد أن أثبتوا أن عبادة جاء به إلى معاوية، كيف لم يقتله أو يبعث من يقتله، ولم نعثر على قولة لمعاوية ولا للعثمانية فيه على الرغم من أنه هو الرقم الصعب في الأحداث التي عصفت بعثمان على حد تعبيرهم.. وبعد أن كان معاوية يترصد كل أعداء وقاتلي عثمان، وكان يقول اقتلوهم تحت كل حجر ومذر. إن الاضطراب في هذا الخبر يكشفه المحقق لأول وهلة، فابن سبأ هذا رجل لم يدقق فيه المخبرون، ولم يعطوا أدلة قاطعة تمكن المطلعين من معرفة حقيقة نسبه وطبيعة نشاطه، ماذا قال عنه أرباب السير ورواد التأريخ والتراجم، أكان حدادا أم نجارا، أكان طويلا أم قصيرا، نحيلا أم مربوعا، بل كل ما في الأمر إن أهل الملل والنحل دأبوا على تلقف الحكايات تلقف الصبية للكرة، من دون أعمال العقل فيها والنظر، فهمهم إضافة اسم جديد لفرقة يسودون بها أسفارهم، ويكشكلون، بالشاذ والغريب، رواياتهم.
عار إذن يا ناس، أن يتم التعسف على التاريخ بهذا الشكل البليد. إن التأليه لم يكن في عهد علي بن أبي طالب في أكثر التقادير. لم يكن أحد يدّعي أن عليا إله. إنها تهمة في ظني نشأت متأخرة، وبالضبط في العصرين الأموي والعباسي. لقد اعترفوا من حيث لا يشعرون أن التشيع لعلي في العصر الأول لم يكن يعني أكثر من الولاء السياسي. فلماذا يروون هذه الحكاية بأثر رجعي حينما يخلعون عليها اعتقادا ناشئا في القرن الرابع الهجري حسب زعمهم؟!
يبدو أن هناك محاولة للتلبيس. فلأن فضائل علي بن أبي طالب وما كان من شأنه أن يغطي على كل من عاصره ، افتعلوا فكرة التأليه وربما ساهموا في زرعها في عقول الكثير من المساكين الذين اضطهدوهم حتى بدت منهم ردود فعل تذهب إلى أقصى الأقصى. فالتفضيل لا يعني الغلو.. والولاء لا يعني التأليه.. لكن كان لا بد لخصوم علي أن يخترعوا ما يلبسون به على الرأي العام كمقدمة لإخراجهم من الملة. إذا كانت ثقافة التجديف والكذب لا زالت رائجة في عصرنا ونحن أحياء ، فكيف لا تتم هذه الفرية في زمن الحصار حيث فرض على الأمة جميعها في منابر بني أمية أن يسبوا ويلعنوا علي بن أبي طالب مدة قرن من الزمان..لقد حاولوا أن يسيؤوا إلى شخصية في مستوى علي بن أبي طالب فكيف لا يدفعهم التعصب أن يخترعوا لشيعته ومواليه أكاذيب تزول منها الجبال؟!
إذن هم يقولون أنه حتى عصر الإمام الصادق ، الإمام السادس من أئمة أهل البيت بدأ يأخذ التشيع صبغته الأيديولوجية والمذهبية. لكنهم في الوقت نفسه يعتبرون التشيع من وحي عبد الله ابن سبأ الذي عاش في عصر عثمان؟!.
والمفارقة هنا أن بعض الباحثين اعتبر أن التشيع الأول، كان يأخذ طابعا سياسيا. يقول في ذلك مثلا، د. إبراهيم بيضون في (الدولة الأموية والمعارضة): والسبئية أسطورة كانت أم حقيقة، هي على هامش التشيع ومتناقضة في الصميم مع الفكر الشيعي، بخلفيته السياسية البحتة" . كما يذكر صاحب التاريخ الإسلامي (محمود شاكر) حول الخلفاء الراشدين والعهد الأموي: "بل لم تكن كلمة الشيعة تحمل أكثر من معنى التأييد والمناصرة. ولكنها غدت مع الزمن فكرا خاصا وعقيدة خاصة، ونسب إلى الأوائل أقوال لم يقولوها وأخبار لم يعرفوها، وأفكار لم تخطر على بالهم أبدا". وثبت عندي إن الجابري تلقفها من محمود شاكر، عندما قال: يجمع المؤرخون على أن التشيع لعلي ابن أبي طالب وأبنائه من بعده لم يتجاوز مستوى الولاء السياسي.
ولمزيد من الإيضاح، نقول : إنه لم يستمل أحد عمارا عندما بعثه عثمان إلى مصر. وإنما بقي هناك على اتصال بكل من محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة. وكانا من أقوى المحرضين على عثمان، وهما رئيسا الوفد المصري. إن تداخل خطة العمل بين كل من الوفود الثلاثة، ووحدة المشروع لكل رموز المعارضة كعمار، والأشتر، وحكيم بن جبلة ومحمد بن أبي بكر وابن أبي حذيفة، والإمام علي بن أبي طالب هو ما يجعل أسطورة السبئي لا مسوغ لها إلا في أذهان المدلسين. فهي في تهدلها ووهنها كبيت العنكبوت، وهي أوهن البيوت.
وجب حينئذ العودة للإطلاع على الوضع السياسي الذي أثار غضب الثوار وجلب الحنق على عثمان. ففي تاريخ ابن خلدون لم يكن عثمان إلا منفذا لتعاليم الدين، ولم يكن على ما ادعاه الخصوم، ولهذا اتهم الثائرين عليه وقاتليه بالسفاهة. لندرك كم تلوّى مؤرخنا لحجب الأسباب الحقيقية التي أججت الأوضاع على عثمان. يقول في السياق نفسه: " ثم دخل عليه السفهاء فضربه أحدهم ".
وعلى هذا الأساس يكون كل من عمار وأبي ذر وبن مسعود والذين تضرروا من سياسة عثمان وانتقدوها وكفروا سياساته سفهاء. ويدخل في ذلك عائشة عندما دعت إلى قتله في بداية الأمر، حينما كانت تقول: " اقتلوا نعثلا(أي عثمان) فقد كفر ".. ويدخل في ذلك حسب هذا المبنى الإمام علي نفسه الذي لم ينصره بل هو الذي حسب شهادة عثمان نفسه، قد جرأ عليه
الثوار. يقول ابن خلدون: " فأتاه عثمان إلى منزله ليلا يستلينه وبعده الثبات على رأيه معه، فقال: بعد أن أقام مروان على بابك يشتم الناس ويؤذيهم؟ فخرج عثمان وهو يقول خذلتني وجرأت علي الناس".
وحتى كان أبو هريرة الدوسي الذي عرف بملازمته الأمويين وانحرافه عن علي بن أبي طالب، ينقل له ابن خلدون موقفا عبقريا، يقول: "يا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعوني إلى النار" ثم قاتل. ونتساءل كيف قاتل أبو هريرة وهل من سابقته أن رفع رمحا أو مسك قوسا.. كيف يدعو من اشتهر بإكثاره الرواية التي استغرقت أطول من مكثه القليل مع من كان يرعاه الرسول (ص) من أهل الصفة وممن أسلم أيام خيبر وضربه عمر بن الخطاب بالدرة لإكثاره في الرواية الصحابة الكبار إلى النجاة، وهم يدعونه إلى النار.. فهل يعقل أن يدعو الدوسي عليا، وعمارا، والأشتر، ومحمد بن أبي بكر إلى النجاة!.
وفي ظني أن الذي دعاهم لاختلاق ذلك الموقف، ما قاله الرسول (ص) عن عمار بن ياسر: " ما لهم وعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار ". وعمار هذا كان قد كفّر عثمان وحرض على قتله. لقد حاول ابن خلدون أن يقلل من شأن تلك المآخذ التي أوردوها على عثمان، كإخراجه أبا ذر إلى الربذة. فحاول ابن خلدون كعادته أن يبرئ عثمان من ذلك كله. وإن اقتضى الأمر الازدراء بأبي ذر، واستصغار بصيرته وعلمه. والآن لماذا أخرج عثمان أبا ذر الغفاري إلى الربذة؟. ابن خلدون يجيب على الفور، بعد أن يحبك قصة كاملة، كالتالي:
1 / إن أبا ذر " يأخذ بالظاهر في ذم الادخار وبكنز الذهب والفضة. وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية، ويعيب قوله: المال مال الله ويوهم إن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر في ذلك معاوية فاستعتب له وقال:
سأقول ما للمسلمين وأتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال:
هذا الذي بعث عليك أبا ذر".
2 / ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال: " إن
رسول الله (ص) أمرني بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعا فأذن له ونزل الربذة وبنى بها مسجدا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه صعلوكين وأجرى عليه رزقا، وكان يتعاهد المدينة.
فعد أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان مع ما كانوا يعدون عليه من إعطاء مروان خمس مغانم إفريقيا، والصحيح أنه اشتراه بخمسمائة ألف فوضعها عنه ".
من خلال الفقرتين، يتبين أن أبا ذر كان رجلا ظاهريا لا يأخذ بباطن الأمور. فهو إذن ينقصه العلم بالأحكام والدراية بقضايا الشريعة. وأن عبد الله بن سبأ أغرى أبا ذر وأوهمه بما يجعله يعاتب معاوية فاستعتب له هذا الأخير. وإنهم أتوا ب‍عبد الله بن سبأ إلى معاوية قائلين له: هذا الذي بعث عليك أبا ذر ثم إن خروج أبي ذر إلى الربذة، كان اختيارا منه وذلك بعهد من رسول الله (ص) وأقطعه عثمان ما يكفيه من الإبل وأعطاه ما يفضل عنه من الرزق فهو لم يكن ذا حاجة وإن اتهام عثمان بإخراج أبي ذر كان من ادعاء ذلك الرهط.
لنبدأ بطرح رأينا حول هذه العبارة وتفكيكها لنقف عند ثغراتها.
أولا: إن أبا ذر بشهادة الرسول (ص) كان أصدق لهجة.. كما جاء في الرواية الشهيرة:
" ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر ".
فهو ممن أوتوا الفطنة والعلم والصدق. ولا أدل على ذلك من التزامه وسلوكه الذي يعكس ذلك العلم الكبير والفطنة النافذة. لقد اعتبر (رض) مفاسد الأمويين يومها خطرا على الإسلام وصدقت فراسته فهو لم يكن كما ادعى مؤرخ المغرب، رجلا ظاهريا ولا أدل على علمه أيضا، والتزامه، ما جرى بينه وعثمان في حضرة كعب الأحبار. وإن كانت تلك الحادثة تدل على شيء فإنما على مدى قوة بصيرة أبي ذر. وحسبه من علم الباطن أن رد بأعنف العنف المتأسلم اليهودي المندس عن الإفتاء في دين الله. وأن تكون دعوته مما حملها المحرومون عبر تاريخ. ولا يزال أبو ذر الغفاري يمثل أروع نموذج لثورة الفقراء حتى جعله البعض الاشتراكي الأول في تاريخ الإسلام!.
ودعنا هنا، نعرض بعض الإحصائيات عن الممتلكات الضخمة التي كانت تدور بعين أبي ذر وتثير رفضه لنرى هل مثل ذلك الحجم من الثروات في أيدي عثمان وبني أمية الذين انقضوا على تراث الأمة ونهبوه واستغلوا مكانة عثمان لتمرير سياساتهم التقليدية المعادية لبني هاشم، ولنر هل كان ذلك الشكل من الفقر الذي تعانيه الطبقات السفلى من الناس شيئا طبيعيا بالنسبة لذوي الضمائر الحية والروح المسؤولة. لنر هل فعلا كان أبو ذر ينتظر من عبد الله ابن سبأ المجهول أن يعلمه الثورة على الإسراف والظلم ونهب المال العام. أم أن ذلك من تعاليم الإمام علي بن أبي طالب حين كان لا يفتر عن الإشارة إلى هذا الوضع وهو صاحب الكلمة الشهيرة كما جاء في نهج البلاغة: " ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيع " وهو من قال بعدها: " الله الله في الطبقات السفلى من الناس ".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.