أثارت قرارات لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) موجة واسعة من الجدل والاستياء في الأوساط الرياضية والإعلامية المغربية، عقب العقوبات التي صدرت على خلفية الأحداث التي رافقت نهائي كأس إفريقيا بين المنتخبين المغربي والسنغالي، الذي احتضنه ملعب الرباط يوم 18 يناير الجاري. وبينما أعلنت اللجنة فرض عقوبات بالإيقاف وأخرى مالية على الطرفين رفضت في المقابل الاحتجاج الذي تقدمت به الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وهو ما اعتُبر لدى عدد من المتابعين قراراً يفتقر إلى التوازن والإنصاف. في هذا السياق اعتبر الإعلامي أمين السبتي أن الجدل المحيط بما وصفه البعض ب"اختطاف الكاف" لا يعدو أن يكون ضجيجاً إعلامياً مُنح حجماً أكبر من قيمته الحقيقية، وأوضح ضمن "تدوينة" على "فايسبوك" أن هذا الضجيج مر بمراحل متتالية، بدأت بالتشكيك في أحقية المغرب في الاستضافة وجاهزية الملاعب، ثم انتقل إلى انتقاد الحضور الجماهيري وتدبير التذاكر، قبل أن تصطدم هذه السرديات بواقع البنيات التحتية وجودة الملاعب، التي لقيت إشادة واسعة رغم الظروف المناخية الصعبة. وأضاف السبتي أن شهادات من عاشوا التجربة عن قرب فضحت زيف هذه الادعاءات، لينتهي الأمر بالحديث عن "الكولسة" والتحكيم ونظريات المؤامرة، معتبراً أن أصحاب هذا الخطاب يفتقرون إلى المصداقية ولا يستحقون منحهم الاهتمام. من جانبه وصف الإعلامي يوسف آيت الحاج توقيت صدور القرارات بكونه "عودة إلى قرارات جوف الليل"، في إشارة إلى أسلوب يفتقد للشفافية والتواصل الواضح؛ ورغم تأكيده أن القرارات في حد ذاتها لا تستدعي تعليقاً تقنياً مطولاً إلا أنه حذر من خطورتها الرمزية، معتبراً أنها قد تفتح الباب أمام شرعنة منطق "أخذ الحق باليد"، ومتسائلاً عمّا إذا كان هذا المسار سيتوقف عند هذا الحد. أما الصحافي محمد تلاغي فكان أكثر حدة في موقفه، إذ وصف العقوبات ب"العار والفضيحة"، متسائلاً عن مدى حياد لجنة الانضباط، خصوصاً في ظل رئاسة السنغالي عثمان كين لها، وهو ما اعتبره تضارباً واضحاً في المصالح؛ كما طرح سلسلة من الأسئلة التي ظلت دون إجابات مقنعة، من بينها أسباب اختيار لاعبين بعينهم للعقوبة دون غيرهم، ومعايير تجريم أفعال محددة، مثل اقتحام منطقة "الفار"، في مقابل تجاهل أفعال مماثلة من الجانب الآخر. وتساءل تلاغي أيضاً عن موقف "كاف" من تخريب الملعب والاعتداء على رجال الأمن، ومن انسحاب لاعبي المنتخب السنغالي من أرضية الملعب، إضافة إلى تصريحات مسؤولي اتحاد السنغال التي مست، حسب رأيه، بصورة الجهاز الكروي القاري. وفي تفاعله مع الموضوع بأسلوب ساخر عبر الممثل الزوبير هلال عن استغرابه معاقبة لاعبين مثل حكيمي وصيباري، متسائلاً ضمن "ستوري" على "إنستغرام" عن منطق هذه القرارات، ومشيراً إلى أن مثل هذه المفارقات باتت، في نظره، مرتبطة بكرة القدم داخل القارة الإفريقية، قبل أن يتساءل عن جدوى الحديث المتكرر عن "الكولسة" في ظل غياب أي مؤشرات واضحة عليها. بدوره قدّم الممثل أسامة رمزي قراءة نقدية للواقع الكروي الإفريقي، معتبراً أن قرارات "كاف" بدت وكأنها الحلقة الأخيرة في "سيناريو عبثي"، يعكس طبيعة الممارسات داخل القارة، وأكد أن الاستثمار في التنظيم والاستضافة لا يقابله دائماً حد أدنى من الضمانات المتعلقة بالعدالة الرياضية، معبّراً عن تخوفه من تراجع شغف جزء من الجمهور المغربي بمتابعة المنافسات الإفريقية، في ظل شعور عام بعدم الاقتناع بما يجري خلف الكواليس. من جهتها وصفت الإعلامية والمؤثرة لمياء البكري ما حدث ب"الصادم"، معتبرة أن الظلم كان واضحاً أمام أنظار العالم، وأقرت بأن أحداث الشغب كانت خطيرة وتستوجب عقوبات صارمة، لكنها شددت في المقابل على أن القرارات الصادرة لم تكن منصفة، وخلّفت شعوراً بالمرارة لدى الشارع الرياضي المغربي. ويعكس هذا التفاعل الواسع حجم الاحتقان الذي خلفته قرارات "الكاف"، ليس فقط بسبب مضمونها، بل أيضاً بسبب سياقها وتداعياتها الرمزية؛ فبين من يرى فيها تطبيقاً صارماً للوائح، ومن يعتبرها دليلاً جديداً على اختلالات بنيوية داخل المؤسسة الكروية القارية، يظل السؤال مطروحاً حول قدرة الاتحاد الإفريقي على ترميم الثقة، وضمان عدالة رياضية حقيقية، خاصة في مرحلة تعرف فيها كرة القدم الإفريقية تحولات كبرى وطموحات متزايدة على المستوى الدولي.