هل تساءلت يومًا لماذا يخشى مجتمع كامل من ظاهرة معينة بينما يراها مجتمع آخر فرصة؟ أو كيف تتحول نظرية علمية معقدة (مثل الفيروسات أو الذكاء الاصطناعي) إلى أحاديث يومية بسيطة في المقاهي؟ الإجابة تكمن فيما يسميه علماء النفس الاجتماعي ب "التمثلات الاجتماعية". في كتابها" أسس التمثلات الاجتماعية"، تأخذنا ساندرين غيمار في رحلة لاستكشاف هذه "النظارات" الخفية التي يرتديها كل مجتمع ليرى بها العالم. ما هي التمثلات الاجتماعية ببساطة؟ ليست التمثلات مجرد "أفكار" تدور في رأس الفرد، وليست مجرد "ثقافة" عامة. إنها، كما تصفها غيمار استنادًا إلى رواد المجال مثل سيرج موسكوفيتشي ودينيس جودليه، شكل من أشكال المعرفة الاجتماعية. إنها "علم الشارع" أو "الحس المشترك" الذي نبنيه معًا لنجعل العالم المجهول مألوفًا ومفهومًا. تخيل التمثل الاجتماعي ك "برنامج تشغيل" عقلي مشترك بين أفراد مجموعة ما، هو الذي يخبرهم ما هو "المقبول"، "الخطر"، "الجميل"، أو "العادل" في سياقهم الخاص. لماذا تعد دراستها حجر الزاوية لفهم الظواهر الاجتماعية؟ تقول غيمار بأننا لا نستطيع فهم المجتمع بالأرقام والقوانين فقط، وهنا تبرز أهمية التمثلات الاجتماعية لعدة أسباب جوهرية: فهم "المنطق" خلف السلوك غير المنطقي كثيرًا ما تبدو تصرفات الجماهير غير عقلانية من منظور علمي بحت. لكن دراسة التمثلات تكشف أن لهذه التصرفات "منطقًا خاصًا". تشير غيمار إلى أن التمثل الاجتماعي يعمل كدليل للعمل (Guide for action). حن لا نتصرف بناءً على الواقع كما هو، بل بناءً على كيف نرى هذا الواقع. فإذا كان تمثل مجتمع ما ل "السرعة" في القيادة يرتبط ب "المهارة" و"الرجولة" لا ب "الخطر"، فلن تفلح قوانين المرور وحدها في تغيير سلوكهم دون تغيير هذا التمثل. الجسر بين الفرد والمجتمع تُظهر غيمار كيف أن هذا المفهوم يحل المعضلة القديمة: هل يتحكم المجتمع فينا أم نحن أحرار؟ التمثلات هي منطقة الوسط، فهي تُفرض علينا كحقائق اجتماعية (موروثة من التاريخ واللغة)، لكننا نعيد تشكيلها باستمرار عبر تفاعلاتنا اليومية. إنها تشرح كيف يتحول الفرد إلى كائن اجتماعي، وكيف يطبع المجتمع بصمته في عقول أفراده. ترجمة العلم إلى لغة الحياة اليومية أحد أمتع الأجزاء التي تستند إليها غيمار هو كيفية تحول المعرفة العلمية "الباردة" إلى معرفة اجتماعية "حية". كيف تحول "التحليل النفسي" أو "الأوبئة" من مصطلحات نخبوية إلى جزء من حديثنا اليومي؟ هذه العملية (التي تسمى "الترسّخ" و"الموضعة") هي التي تجعل الغريب مألوفًا، وتسمح للمجتمع بالتعامل مع التهديدات الجديدة (مثل الأوبئة أو التكنولوجيا) بدمجها في منظومته الفكرية القائمة. نظرة من الداخل: البنية الخفية للأفكار تتميز مقاربة غيمار بالتركيز على الجانب البنيوي (المدرسة التي أسسها جان كلود-أبريك وكلود فلامنت، الذي أهدته الكتاب). فهي توضح أن التمثل ليس كتلة واحدة، بل يتكون من: نواة مركزية: وهي القلب الصلب للتمثل الذي يقاوم التغيير (مثلًا: فكرة "الأمان" في تمثل "المنزل"). إذا تغيرت النواة، انهار التمثل كله. نظام محيطي: وهو الجزء المرن الذي يسمح للأفراد بالتكيف مع المواقف اليومية دون التخلي عن معتقداتهم الأساسية. الخلاصة إن دراسة التمثلات الاجتماعية، كما تقدمها ساندرين غيمار، ليست مجرد تمرين فكري، بل هي أداة تشخيصية قوية. إنها تمنح الباحثين وصناع القرار القدرة على التنبؤ بردود الفعل الاجتماعية، وفهم جذور المقاومة للتغيير، وتصميم سياسات تحاكي "عقل المجتمع" لا مجرد أفراده. باختصار، نحن لا نعيش في عالم من الأشياء، بل في عالم من التمثلات عن هذه الأشياء.