هل يملك المراقبون حقّ الاستغراب من النهاية التي وصل إليها سيف الإسلام القذافي، مقتولًا في عملية لا تزال غامضة حتى اللحظة؟ لا أظن ذلك. فمقولة هيرودوت القديمة: «من ليبيا يأتي الجديد» لم تكن يومًا وعدًا بالدهشة، بل تحذيرًا من الفوضى التي لا تنضب. الجديد الذي يأتي من ليبيا اليوم ليس سوى إعادة تدوير للمأساة نفسها. لذلك لم يكن مقتل سيف الإسلام هو المفاجأة، بل المفاجأة أنه نجا أصلًا بعد مقتل والده وشقيقه وهروب بقية أفراد العائلة. ما يحدث في ليبيا ليس سوى نتيجة طبيعية لشعب جرى تفكيكه عمدًا، ثم تُرك ليتنازع على خرائط صغيرة لا تتسع حتى لظلّ وطن. نجاة سيف الإسلام طوال تلك السنوات لم تكن تعبيرًا عن حصانة شخصية أو كاريزما سياسية، بقدر ما كانت نتاجًا لميزان قوى هشّ أبقاه حيًّا لأنه مفيد كاحتمال، لا كخيار حقيقي. كان ورقة احتياط في يد أطراف داخلية وخارجية، تُستخدم للضغط أو للمساومة أو لابتزاز خصوم آخرين، أكثر مما تُستخدم لبناء مشروع سياسي. في ليبيا ما بعد 2011 لم يكن أحد يريد رئيسًا، بل يريد الجميع «ورقة» إضافية على طاولة الفوضى. وعندما تُستنفد وظيفة الورقة، يصبح التخلص منها جزءًا من منطق اللعبة، لا خروجًا عليه. بهذا المعنى، فإن مقتل سيف الإسلام لا يخرج عن منطق العنف الذي يحكم ليبيا منذ سقوط النظام، بل يؤكده. فالدولة الغائبة لا تملك احتكار العنف ولا احتكار الشرعية، ومن يُترك خارج أي منظومة حماية مستقرة يصبح عرضة لتصفية حسابات متراكمة: ثأر سياسي، انتقام قبلي، أو رسالة موجهة إلى أطراف أخرى. نجاته السابقة كانت نتيجة توازن رعب بين قوى لا تريد تحمّل كلفة قتله، أكثر مما كانت تعبيرًا عن قبول به. وعندما اختلّ هذا التوازن، صار مقتله مجرد حلّ عملي لمعادلة معقدة، لا حدثًا استثنائيًا في تاريخ بلد اعتاد أن يلتهم أبناءه. نظام معمر القذافي لم يكن حلًا لليبيا، لكن الذين ورثوا السلطة بعده—الميليشيات ولصوص الدولة—لم يكونوا يومًا مشروعًا لبناء مستقبل. الأدق أنهم لم يرغبوا بذلك أصلًا. فالمصالح الشخصية والمناطقية والعشائرية كانت دائمًا أقوى من أي فكرة وطنية. وكأن ليبيا تعيش ما وصفه الفيلسوف الروماني إميل سيوران ذات مرة: «الأمم التي تفشل في اختراع مستقبلها، تعيد تدوير ماضيها كعقاب». عندما أعلن سيف الإسلام ترشحه للرئاسة عام 2021 من سبها، كان ذلك اعترافًا ضمنيًا بأن ليبيا لم تعد دولة يمكن الترشح فيها من العاصمة. طرابلس ليست خيارًا، وبنغازي لم تعد مضمونة، فاختار الصحراء—حيث بدأ الأب، وحيث انتهى الأب.سبها ليست مدينة، بل جغرافيا سياسية. طريق جحيم كما يسميها الليبيون. مركز الجنوب الجاف الذي يهرب منه شبابه إلى الساحل بحثًا عن حياة. ومع ذلك، أراد سيف الإسلام أن يجعل منها منصة لعودته السياسية، وكأنه يعيد تمثيل مشهد الأب حين حاول كسر الحصار في أيامه الأخيرة متجهًا نحو الجنوب. لكن بين الزنتان التي احتفظت به أكثر من عقد حتى قتل فيها، وسبها التي أراد منها العودة، تمتد ليبيا الحقيقية: ليبيا الممزقة التي لا تعترف إلا بولاءات صغيرة، ولا تمنح أحدًا شرعية كاملة. من يؤمنون بالمستقبل الوطني لليبيا—بغض النظر عن موقفهم من سيف الإسلام—يعرفون أنه كان سيكرر خطأ الأب نفسه: التعويل على القبيلة بدل الوطن. ذلك الخطأ الذي جعل السياسيين الليبيين يظنون أن الجغرافيا يمكن أن تكون بديلًا عن الدولة. كان على سيف الإسلام أن يقدم نفسه ليبيًا، لا قذافيًا ولا سرتاويًا ولا صحراويًا. لكن الطريق الوطني في ليبيا دائمًا ما يُغلق قبل أن يبدأ. في بداية الألفية، بدا سيف الإسلام وكأنه الوجه المقبول للغرب. أغلق ملف لوكربي، حرّر الممرضات البلغاريات، وظهر في لندن وباريس وروما كإصلاحي محتمل. سمح له الأب المتحجر بهامش حركة، لكنه لم يسمح له بتغيير شيء. فانسحبت النخب الليبية التي عوّلت عليه، بعدما اكتشفت أن مشروعه الوطني مجرد نصوص بلا أدوات.وعندما ثار الشرق الليبي، ظهر الأب ليقول إن سيف الإسلام سيذهب إلى بنغازي للتفاوض. لكن الابن فشل في إقناع أحد، تمامًا كما فشل الأب في قراءة لحظة سقوطه. المعتصم مات مقاتلًا كما أراده الأب. الساعدي هرب إلى النيجر كما توقع الليبيون وأعيد بصفقة وبقي قابعا في السجن لسنوات حتى أفرج عنه عام 2021. أما سيف الإسلام فاختار النجاة، لا القتال. نجا من الموت، لكنه لم ينجُ من الفراغ السياسي الذي ابتلع مشروعه. قبل مقتله، كان يمكن قراءة المشهد الانتخابي بسهولة: لا أصوات له في طرابلس، ولا وجود له في مصراتة، وحضور ضئيل في بنغازي. ما بقي له هو الجنوب وبعض المدن التي ما زالت تدين بالولاء للقذافية السياسية. لكن حتى لو حصل على أصوات الجنوب، فذلك لا يصنع رئيسًا لليبيا، بل يعيد إنتاج الانقسام نفسه. لقد وقع في الفخ ذاته الذي وقع فيه الجميع منذ سقوط النظام: غياب المشروع الوطني الجامع. لم يمتلك سيف الإسلام الأدوات ولا الحاضنة ولا الشرعية ليقود مشروعًا وطنيًا. التاريخ يقف ضده، والجغرافيا لا ترحمه، والعالم لم يقبل به، والدول التي حاولت إعادة تأهيله فشلت في تأهيل من هم أقل إثارة للجدل منه. كما كتب المؤرخ الإيطالي لويجي فيلياني عن ليبيا عام 1911: «هذه الأرض لا تمنح السلطة لأحد، بل تمنح الوهم بأنه يمكن السيطرة عليها». وما زال الوهم نفسه قائمًا. سيف الإسلام لم يكن حلًا لليبيا، تمامًا كما أن عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر وفتحي باشاغا وعلي زيدان وعارف النايض ليسوا حلولًا. لكن مقتله يضيف طبقة جديدة من التعقيد: إذا كان الليبيون عاجزين عن الاتفاق على إجراء الانتخابات أصلًا، فكيف سيتفقون على نتائجها؟ ومع غياب أحد أبرز الأسماء المثيرة للجدل، يصبح المشهد أكثر ضبابية، لا أقل. فالأمل بأن يجتمع الليبيون كان صعبًا بالأمس، وصعبًا اليوم، وسيكون أصعب غدًا.