السياسة بين وفرة القول وندرة الإنجاز تدخل المجتمعات التي تختار درب الانتقال الديمقراطي مرحلة دقيقة من تاريخها، تتطلب يقظة فكرية وانضباطاً مؤسسياً واستثماراً واعياً في الإنسان والمعرفة. فالديمقراطية، في جوهرها، ممارسة يومية تتغذى من ثقافة المشاركة والمساءلة، وتترسخ عبر التدرج في بناء الثقة بين الفاعلين والمؤسسات. غير أن هذا المسار قد تعترضه آفات تفرغ السياسة من مضمونها، وتجعلها مسرحاً للصوت المرتفع عوض الفعل المنتج. ومن أبرز هذه الآفات تضخم الخطاب على حساب العمل، أو ما يمكن تسميته بتضخم القول السياسي. الخطاب السياسي يؤدي وظيفة مركزية في الحياة العامة؛ فهو الأداة التي تتشكل عبرها الرؤى، وتُعرض البرامج، وتُدار الاختلافات. غير أن الخطاب يفقد قيمته المعرفية والأخلاقية متى انفصل عن الوقائع، وتحول إلى تدفق لفظي لا يستند إلى تحليل ولا إلى تصور قابل للتنفيذ. آنذاك يتراجع دوره التنويري، ويتحول إلى مادة استعراضية تلهب الانفعالات وتؤجل الأسئلة الصعبة. يتغذى تضخم القول السياسي من عدة منابع. أولها هشاشة التكوين الفكري لدى بعض الفاعلين، الأمر الذي يدفعهم إلى تعويض ضآلة الرؤية بغزارة التعبير. وثانيها هيمنة منطق الصورة والإعلام، بما يفرضه من إيقاع سريع وشعارات مختزلة، فيغدو التنافس على لفت الانتباه مقدماً على التنافس في جودة المقترحات. وثالثها غياب تقاليد راسخة في النقاش العمومي، تسمح بتداول الحجة بالحجة، وتمنح الرأي العام أدوات التمييز بين المشروع والشعار. تظهر ملامح هذه الظاهرة بوضوح في الفترات الانتخابية، فتزداد الوعود اتساعاً، وتتضاعف العبارات الرنانة، وتتراجع الحسابات الدقيقة للكلفة والجدوى. يتحول الفضاء العمومي إلى ساحة خطب طويلة، يعلو فيها الصوت، وتتوارى فيها الأرقام والدراسات. ويجد المواطن نفسه أمام سيل من التعهدات المتعارضة، دون مؤشرات واضحة على آليات التنفيذ أو آجاله أو شروطه الموضوعية. هذا المناخ يفضي إلى نتيجة خطيرة: تآكل الثقة. فالعلاقة بين المجتمع والفاعل السياسي تقوم على تعاقد معنوي أساسه الصدق والقدرة على الإنجاز. وعندما تتكرر الفجوة بين القول والممارسة، يتسرب الشعور بالخيبة إلى الوعي الجماعي، وتترسخ قناعة بأن السياسة حلبة كلام لا أكثر. ومع تراكم هذا الإحساس، تتراجع المشاركة، ويخفت الحماس للشأن العام، ويصبح العزوف موقفاً مفهوماً لدى فئات واسعة. المسألة تتجاوز أخلاقيات الأفراد إلى بنية الثقافة السياسية برمتها. ثقافة تمجد البلاغة الفارغة تفتح المجال أمام الشعبوية، وتمنح الأفضلية لمن يجيد إثارة العواطف على حساب من يمتلك رؤية مركبة. أما الثقافة التي تحتفي بالمعرفة والخبرة فتدفع نحو ترسيخ تقاليد التخطيط والتقييم والمراجعة. هنا يتحدد الفرق بين فضاء عمومي يراكم التجربة، وآخر يعيد إنتاج الأخطاء ذاتها في دورات متعاقبة. معالجة تضخم القول السياسي تقتضي أولاً إعادة الاعتبار للفعل الميداني. الانخراط الجاد في مشكلات الناس، والاحتكاك المباشر بتفاصيلها، يمنح الخطاب صدقيته وعمقه. كما يقتضي الأمر استثماراً حقيقياً في التكوين السياسي، عبر تعميق الإلمام بالاقتصاد والاجتماع والقانون والإدارة، حتى يتأسس الموقف على معرفة دقيقة بالسياقات والمعطيات. ويظل إصلاح بنية التواصل العمومي خطوة حاسمة. فالمنابر الإعلامية والهيئات المنتخبة مدعوة إلى ترسيخ تقاليد النقاش الرصين، الذي يطلب البرهان ويستجوب الأرقام، ويمنح الكلمة لمن يقدم تصوراً متماسكاً. هذا المسار يعيد للخطاب وظيفته الأصلية: توضيح الخيارات، وترتيب الأولويات، وتحديد المسؤوليات. السياسة في معناها الرفيع صناعة للأمل المؤسس على العمل. وحين تتوازن الكلمة مع الفعل، وتتعاضد الرؤية مع الخطة، يتشكل مناخ صحي يسمح بتقدم المجتمع بخطوات ثابتة. أما إذا استمر تضخم القول منفصلاً عن الإنجاز، فإن الصخب سيملأ الفضاء، وستظل الدلالة معلّقة في الهواء، تنتظر من يهبها جسداً في الواقع. هكذا يتأكد أن رقي الحياة السياسية رهين بقدرة الفاعلين على تهذيب خطابهم، وتعميق معارفهم، وربط وعودهم ببرامج دقيقة قابلة للتنفيذ. عندئذ يكتسب القول وزنه، ويغدو الكلام طاقة بناء، لا تتلاشى بعد انفضاض الجموع.