يُعد موضوع المشاركة السياسية للمرأة من القضايا التي تفرض نفسها بقوة في النقاشات المعاصرة، لما يتسم به من راهنية وأهمية داخل المجتمعات الإنسانية عامة، وفي المجتمعات العربية ودول شمال إفريقيا على وجه الخصوص. فلا يزال وضع المرأة في هذه السياقات موضوعًا لنقاش ممتد بين مختلف النخب والفاعلين الاجتماعيين والثقافيين، حيث غالبًا ما تُتناول المرأة باعتبارها موضوعًا للتحليل أو مفعولًا به داخل النسق الاجتماعي، أكثر من كونها فاعلًا أساسيًا في صناعة القرار والمشاركة في الشأن العام. وعلى الرغم من التحولات التي عرفتها أوضاع النساء، وتقلدهن مناصب مهمة في عدد من القطاعات المهنية، فإن حضور المرأة في المجال السياسي يظل محدودًا ولا يعكس حجم هذا التطور. فرغم إدراج مسألة تعزيز المشاركة السياسية للنساء ضمن الخطاب الرسمي والسياسات العمومية، والإعلان عن تبني استراتيجيات وبرامج تهدف إلى دعم تمثيليتهن، إلا أن هذه الجهود لم تترجم بعدُ إلى أولوية فعلية قادرة على إحداث تحول ملموس في واقع المشاركة السياسية النسائية. ويعزى هذا الوضع إلى تداخل مجموعة من العوامل، من بينها استمرار تأثير الموروثات الثقافية والاجتماعية المرتبطة بتقسيم الأدوار بين الجنسين، إضافة إلى ضعف الالتزام المؤسساتي. كما أنه لا يزال جزء من الرأي العام، بل وحتى بعض النخب السياسية، ينظر إلى المشاركة السياسية للمرأة نظرة تقليل أو تشكيك، إذ تُختزل أحيانًا في مجرد آلية عددية مرتبطة بمنطق "الكوطا"، أو يُنظر إليها باعتبارها حضورًا شكليًا لا ضرورة حقيقية له، وهو ما يطرح مفارقة واضحة بين وفرة الخطاب السياسي والإعلامي الذي يشيد بمكانة المرأة باعتبارها ركيزة أساسية في بناء المجتمع، وبين واقع الممارسات والسلوكيات التي لا تزال تقصيها أو تهمش حضورها السياسي. وفي ظل هذه التمثلات، يطرح سؤال الحظوظ الفعلية للمرأة في الولوج إلى المجال السياسي نفسه بإلحاح: إلى أي حد يمكن للمرأة أن تحظى بفرص حقيقية للترشح والانتخاب، وأن تتبوأ مواقع القرار داخل البرلمانات والحكومات؟ وإلى أي مدى يؤمن المجتمع، بما فيه الفاعلون السياسيون والناخبون، بكفاءة المرأة وقدرتها على التأثير في صناعة القرار العمومي والمساهمة في تدبير الشأن العام؟ ويقودنا ذلك إلى التساؤل عن أسباب استمرار هذا الشكل من الإقصاء الرمزي والفعلي للمرأة من الحياة السياسية، وعن العراقيل البنيوية والثقافية والمؤسساتية التي تكرس ثقافة سائدة مفادها أن دور المرأة في المجال السياسي إما محدود بطبيعته، أو ينبغي أن يظل كذلك. وهي إشكالات تعكس عمق التوتر القائم بين التحولات الاجتماعية التي تعرفها أوضاع النساء، وبين تمثلات وممارسات سياسية لا تزال أسيرة لمنطق الإقصاء والتمييز. من هذا المنطلق، نسعى من خلال هذا المقال إلى مقاربة إشكالية المشاركة السياسية للمرأة من خلال مسألة الفجوة القائمة بين الخطاب والممارسة، وتحليل العوامل البنيوية والثقافية والمؤسساتية التي تحول دون تحقيق مشاركة سياسية فعالة ومنصفة للنساء. جدير بالذكر أن المرأة المغربية اجتازت شوطًا نضاليًا كبيرًا للتمتع بحقوقها السياسية. تاريخيًا، استفادت الحركات النضالية النسائية من المناخ السياسي لمغرب ما بعد الاستقلال، والذي اتسم بالتعددية الحزبية، الأمر الذي ساعد في تأسيس عدد من الجمعيات النسائية ذات الطابع الخيري، والتي رفعت مطالب ترمي إلى تحسين وضعية النساء اللواتي اتسمت غالبيتهن بالأمية والفقر، إلى جانب احترام النساء الخادمات في البيوت، وإعداد مدونة الأحوال الشخصية سنة 1958، ثم عملت في مجال التوعية والتثقيف ضد تعنيف النساء. في السياق نفسه، شهد النضال النسائي سباتًا جزئيًا نتيجة المواجهات بين الجناح اليساري للحركة الوطنية والمؤسسة الملكية إثر الصراع حول طبيعة الحكم بالمغرب لمرحلة ما بعد الاستقلال، وساد القمع ومحاصرة المعارضة، ما أسفر عن تراجع الأصوات النسائية. مع منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، شهدت المملكة بوادر الانفراج السياسي، تجلت في ظهور الجيل الثاني من الحركة النسائية، حيث أسسن تنظيماتهن النسائية خارج عباءة الأحزاب السياسية، رافعات مطالب ثورية وقتها، كمواكبة التشريع المغربي للجوانب التي تمس بحقوق النساء وكرامتهن، بما في ذلك تعديل مدونة الأحوال الشخصية 1993، وقانون الجنسية، والقانون الجنائي. على مستوى الدستور، شهدت الفترة من 1962 إلى حدود 2011 تبني العديد من المقتضيات الدستورية في صالح المرأة، تجسدت في القوانين العادية والانتخابية التي تنص بشكل صريح على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في العملية السياسية ومحاربة كل أشكال التمييز بين الجنسين. في الفصل 8 من دستور 1962، تم التنصيص لأول مرة أن المرأة لها حق التصويت والانتخاب. أما دستور 2011، فهناك عدة فصول تطرقت للمساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات وتكافؤ الفرص في الوظائف الانتخابية، ومن بينها: الفصل 19 الذي ينص على: "يتمتع الرجل والمرأة، على قدم المساواة، بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية". والفصل 30 الذي يقر بأن لكل مواطن بالغ سن الرشد القانونية، ويتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، الحق في التصويت والترشح، مكرسًا بذلك مبادئ الديمقراطية والمشاركة السياسية، مع التأكيد على أن ممارسة الحقوق يجب أن تكون مصحوبة بالواجبات والمسؤولية، وأن الجميع ملزم باحترام الدستور والتقيد بالقانون والدفاع عن الوطن. وقد نص النظام الداخلي للبرلمان في مادتيه 75 و 76 على تشكيل مجموعة عمل موضوعاتية للمساواة والمناصفة، من بين أهدافها دعم وتقوية المكتسبات النسائية على مستوى التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، وتقييم السياسات العمومية، والدبلوماسية البرلمانية. وكذلك القانون التنظيمي للجماعات، الذي ينص على تمثيل النساء في المجالس الإقليمية وتخصيص ثلث المقاعد لهن، كما تم اعتماد نظام الكوطا في 2002. وقد اقترن تنفيذ هذا الإجراء بزيادة كبيرة في صفوف النساء المرشحات والمنتخبات على المستويات الجماعاتية والبرلمانية. حيث انتقلنا في الانتخابات النيابية لعام 1963 من صفر امرأة إلى 95 امرأة في سنة 2021. كما ارتفعت النسبة إلى 12%، وقُدرت الزيادة على المستوى المحلي ب 26.24% مقارنة مع الولاية السابقة، وأعداد المستشارات البرلمانيات ارتفعت كذلك إلى 12% في 2021. أما على مستوى السلطة التنفيذية، فانتظرت المرأة المغربية قرابة 44 سنة قبل تحقيق أول مشاركة حكومية، حتى حكومة 1997 التي شهدت أول مرة تعيين نساء في مناصب حكومية ككاتبات دولة في أربع وزارات. منذ ذلك الحين، شهدت نسبة المشاركة النسائية في الحكومات المتعاقبة مدًا وجزرًا؛ فحكومة 2011 ضمت وزيرة واحدة وهي وزيرة الأسرة والتضامن، وارتفعت في 2013 إلى خمس وزيرات، إلى أن وصلت في 2021 إلى سبع وزيرات. بجانب هذا التطور الكمي، ثمة مؤشر آخر وهو المؤشر النوعي، المتمثل في منح النساء حقائب وزارية أخرى مثل وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ووزارة السياحة والصناعة التقليدية، بدل الحقيبة الوزارية النمطية كالتضامن والأسرة. هذا كله مع تحسين موقعهن في السلم البروتوكولي للسلطة التنفيذية كوزارات وليس ككاتبات دولة يمارسن مهامهن بتفويض من الوزير المعني مثلما في السابق. لكن هذا الوضع لا يدعو إلى التفاخر، لأن وضعية المرأة تشهد نوعًا من التباين والتناقض الصارخ بين الضمانات القانونية وقواعد الممارسة الفعلية. فالمغرب أخفق في الوصول إلى المعدل العالمي الذي قدره الاتحاد البرلماني الدولي ب 30%، وظل ترتيب النساء يشهد حالة من التذبذب بفعل ضعف نسبة النساء في مجلس المستشارين (12%)، كما أن نسبة النساء الناجحات عبر اللوائح المحلية شهدت تراجعًا ملحوظًا رغم تزايد الترشيحات النسائية بنسبة 34.2%، الأمر الذي أثر سلبًا على مؤشرات التنمية. فالمغرب يُعد من ضمن أكثر دول منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط الذي يتضح فيه اللامساواة بين الجنسين في أعلى مستوياتها، فيما يتواجد في الثلث الأخير على مستوى التنمية البشرية والمساواة بين الرجل والمرأة، الأمر الذي يتفق مع التقارير الدولية المعنية بقضايا المساواة بأن الجهود التي يبذلها المغرب في هذا المجال لا تزال غير كافية ومحدودة الأثر. فالسؤال المطروح: لماذا يستمر نوع من الإقصاء للمرأة في أن تلعب دورها في الحياة السياسية؟ وما هي العراقيل التي تجعل الثقافة السائدة أن دور المرأة في الحياة السياسية محدود أو ينبغي أن يظل محدودًا؟ إن استمرار نوع من الإقصاء الذي يحول دون اضطلاع المرأة بدورها الكامل في الحياة السياسية لا يمكن فهمه باعتباره نتيجة عامل واحد معزول، بل هو نتاج تفاعل معقد بين بنيات سياسية ومؤسساتية وثقافية واقتصادية واجتماعية متشابكة. فالسؤال حول سبب استمرار هذا الإقصاء، وحول العراقيل التي تغذي ثقافة سائدة تعتبر أن دور المرأة في المجال السياسي ينبغي أن يظل محدودًا، يفتح المجال لتحليل أعمق يتجاوز الخطابات الرسمية حول المساواة نحو تفكيك الممارسات الفعلية والتمثلات الاجتماعية المهيمنة. ذلك أن ضعف مشاركة المرأة السياسية لا يعكس فقط نقصًا في النصوص القانونية أو آليات الإدماج، بل يعبر بالأساس عن منظومة قيم وعلاقات قوة تعيد إنتاج التفاوت بين الجنسين، وتكرس حضورًا نسائيًا مشروطًا أو رمزيًا داخل الفضاء العام. ومن هذا المنطلق، يصبح تحليل العوائق التي تحد من مشاركة المرأة السياسية مدخلًا ضروريًا لفهم كيف تتشكل هذه الثقافة الإقصائية، وكيف تستمر رغم التحولات الدستورية والتشريعية التي عرفها المجتمع المغربي. من بين المعيقات الأولى، تبرز مسألة الإرادة السياسية للدولة باعتبارها المحدد الأساسي لأي تحول حقيقي في تمكين النساء سياسيًا. فرغم الخطاب الرسمي الداعم للمساواة، يظل تدخل الدولة في هذا المجال محدودًا في إصلاحات جزئية، خاصة على مستوى القوانين الانتخابية التي غالبًا ما تدار بتوافق بين وزارة الداخلية والأحزاب السياسية دون تبني رؤية شمولية واضحة. وقد كشفت الممارسة الانتخابية، كما في انتخابات الجماعات الترابية لسنة 2016، عن هشاشة الإطار القانوني، حيث تم تسجيل طعون تتعلق بعدم احترام تمثيلية النساء، غير أن القضاء اعتبر ذلك غير ملزم لغياب الجزاءات القانونية. وهو ما استمر حتى في القانون الانتخابي لسنة 2021، وكذا مشاريع القوانين الانتخابية الحالية التي لم تنص كلها صراحة على إلزامية تمكين النساء من المقاعد، الأمر الذي يؤكد أن تعزيز المشاركة النسائية يظل رهينًا بإرادة سياسية تترجم في سياسات عمومية وتشريعات واضحة وملزمة. وبموازاة ذلك، تلعب الأحزاب السياسية دورًا حاسمًا في إعادة إنتاج هذا الوضع، إذ تشكل حلقة أساسية في مسلسل الإقصاء غير المباشر للنساء من العمل السياسي. فعلى الرغم من الخطابات الحزبية التي تدعي دعم مشاركة المرأة، تظهر الممارسة اليومية ميلًا واضحًا إلى تهميشها، سواء عبر إقصائها من اللوائح الانتخابية أو وضعها في مراتب متأخرة بدعوى ضعف قدرتها على جلب الأصوات. كما أن غياب برامج التكوين والتأطير القيادي الموجهة للنساء يعكس ضعف الاقتناع بقدراتهن التنافسية، إضافة إلى انتشار ممارسات سلبية داخل الأحزاب من قبيل الفساد السياسي وهيمنة المال الانتخابي، وهو ما يؤدي إلى عزوف العديد من النساء عن الانخراط في الشأن العام ويجعل حضورهن في المؤسسات المنتخبة حضورًا شكليًا أكثر منه نتاجًا لمسار نضالي أو حزبي فعلي. ولا يمكن فصل هذه العراقيل السياسية والمؤسساتية عن السياق الثقافي والاجتماعي الذي يطبع المجتمع المغربي، فالتنشئة الاجتماعية داخل الأسرة والمدرسة لا تزال تعيد إنتاج تمثلات تقليدية تكرس التمييز بين الجنسين، حيث يُنظر إلى الذكر باعتباره مشروع قيادة، في حين تُحصر الفتاة في أدوار عاطفية وأسرية، ويُتعامل مع نجاحها باعتباره استثناء لا قاعدة. هذه الثقافة التقليدية تلقي بثقلها على المشاركة السياسية للمرأة، إذ يُنتظر منها التوفيق بين العمل المهني والمسؤوليات الأسرية إضافة إلى أدوارها الاجتماعية كزوجة وأم، مما يضاعف الأعباء الملقاة على عاتقها ويجعل الانخراط السياسي عبئًا إضافيًا يصعب تحمله. إلى جانب ذلك، تشكل العوائق الاقتصادية عاملًا حاسمًا في إضعاف الحضور السياسي للنساء، خاصة في ظل الارتباط الوثيق بين المال والعمل الانتخابي، فالتحكم في الموارد المالية يظل عنصرًا أساسيًا في مختلف مراحل العملية الانتخابية، من الحملات إلى تدبير الاستحقاقات في ظل ضعف المراقبة وغياب تحديد صارم لسقف الإنفاق. هذا الوضع يضع النساء اللواتي غالبًا ما يفتقرن إلى الإمكانيات المالية الكافية في موقع غير متكافئ مع نظرائهن الرجال، ويحد من قدرتهن على خوض المنافسة الانتخابية بشروط عادلة. وتتداخل هذه الإكراهات الاقتصادية مع عوائق اجتماعية أعمق، تتجلى في هشاشة الوضع المعيشي للعديد من النساء وغياب الاستقلال المالي، مما يجعلهن خاضعات في كثير من الأحيان لسلطة الزوج أو الأسرة حتى في حال توفر دخل خاص. كما أن تدني الأجور وعدم الاستقرار المهني يحدان من استقلالية المرأة الاقتصادية ويؤثران بشكل مباشر على قدرتها على اتخاذ القرار والمشاركة الفعالة في الشأن العام. وأخيرًا، لا يمكن إغفال الأسباب الذاتية المرتبطة بتمثلات النساء أنفسهن للعمل السياسي، فضعف الثقة بالنفس والخوف من الفشل أو من نظرة المجتمع يشكلان حاجزًا نفسيًا أمام الترشح والمشاركة. وتظهر بعض الدراسات أن نسبة مهمة من النساء لا تثق في الأحزاب السياسية، كما أن نسبة المنخرطات حزبيًا تظل ضعيفة، حيث يُنظر إلى الحياة السياسية باعتبارها مجالًا غير أخلاقي أو محفوفًا بالصراعات، وهو ما يعمق العزوف النسائي عن الانخراط السياسي ويكرس استمرار التفاوت في التمثيلية. يتضح أن تعزيز المشاركة السياسية للمرأة المغربية لا يمكن أن يتحقق بالاكتفاء بالنصوص الدستورية، بل تقتضي إرادة سياسية حقيقية تترجم في تشريعات ملزمة وآليات عملية تضمن المناصفة الفعلية لا الشكلية، وإصلاحًا عميقًا داخل الأحزاب السياسية وتعميم برامج التكوين والتأطير القيادي. كما يستوجب الأمر إرساء سياسات عمومية داعمة للتمكين الاقتصادي للنساء، إضافة إلى مراجعة أنماط التنشئة الاجتماعية التي تعيد إنتاج الصور النمطية حول أدوار النساء. -محامية بهيئة الدار البيضاء