كثيرًا ما نتساءل عن أسباب تبعية الدول العربية والإسلامية للغرب أو للشرق في معظم المجالات... وغالبًا ما نعتقد أن الجواب على هذا التساؤل بديهي، ويتمثل في مجرد غياب الإرادة السياسية، وأنه يمكن بجرة قلم، وبين عشية وضحاها، أن يتم اتخاذ قرار التحرر منها إن توفرت تلك الإرادة، فتصبح دولنا في غنى عنهما، ونعيش جميعًا في سعادة دائمة. لكن الحقيقة الساطعة التي تعمي الأبصار، لدرجة أننا قد لا نراها، هي أن تبعية العرب عامة والمسلمين خاصة للغرب أو للشرق في مجالات الاقتصاد والصحة والغذاء والأمن والسياسة وغيرها، سببها الأساسي ببساطة هو عدم إنتاجنا للعلوم الحديثة، ولا للتكنولوجيات المتطورة، ولا للصناعات المتقدمة... فنحن لا ننتج الأبحاث العلمية، ولا الإلكترونيات، ولا الروبوتات أو الآلات الصناعية، ولا العتاد العسكري أو الأسلحة، ولا السفن، ولا الغواصات، ولا الطائرات، ولا التراكتورات، ولا آلات الحصاد، ولا آليات استخراج النفط أو الغاز أو المعادن أو الماء، ولا الأقمار الصناعية، ولا الرادارات، ولا السكانيرات، ولا أجهزة مختبرات التحاليل الطبية، ولا أجهزة العمليات الجراحية أو الإنعاش الطبي أو طب الأسنان أو باقي الأجهزة الطبية، ولا الحواسيب، ولا التلفزات، ولا الثلاجات، ولا آلات غسل الثياب أو الأواني، ولا القطارات، ولا السيارات، ولا آليات البناء أو الأشغال العمومية، ولا الساعات، ولا حتى الآلات الحاسبة أو الهواتف الذكية أو الغبية. إن الدول العربية خاصة والإسلامية عامة تستهلك حاليًا العلوم الحديثة والتكنولوجيات المتطورة والصناعات المتقدمة التي يقوم الغرب والشرق بإنتاجها بسبب ريادتهما فيها... هذه الريادة هي نتيجة حتمية لتقدمهم فيها علينا، وهو التقدم الذي بدأه الغرب منذ حوالي 5 قرون، حينما سبقنا في العلوم الحقة الحديثة مع ظهورها... فقد بدأت الثورة العلمية في أوروبا الغربية في أواسط القرن 16، ممهدة الطريق إلى قيام الثورة الصناعية في بريطانيا مع أواسط القرن 18، وفي فرنسا مع بدايات القرن 19، وفي ألمانيا مع أواسط القرن 19، ثم في إيطاليا وروسيا وألمانيا وإسبانيا مع أواخر القرن 19. أما بالنسبة لليابان، فقد بدأت ثورتها العلمية والصناعية خلال النصف الثاني من القرن 19، في حين عرفت كوريا الجنوبية والصين انطلاقتهما مع أواسط القرن 20. أما الخلافة العثمانية، فلم تعرف لا ثورة علمية ولا ثورة صناعية، بل عرفت فقط تطويرًا جزئيًا لصناعاتها بتبعية لأوروبا الغربية، وذلك لأنها لم تقم بتحديث تعليمها بشكل واسع وحقيقي حتى أواخر القرن 19. أما قبل ذلك، فقد ظل التعليم التقليدي في مدارسها الدينية هو السائد. وهكذا ظلت الخلافة العثمانية دولة زراعية تابعة صناعيًا لأوروبا الغربية حتى انهيارها بعد انهزامها في الحرب العالمية الأولى. خلال الثورة العلمية والصناعية في أوروبا الغربية وحتى القرنين 19 و20، كانت الدول العربية والإسلامية الحالية إما تابعة للخلافة العثمانية، أو مستقلة عنها لكنها تشبهها في نمط التعليم والثقافة والاقتصاد... وهي مازالت إلى غاية اليوم، رغم استقلالها وتحديث تعليمها واقتصاداتها، لم تشهد بعد ثورة علمية وصناعية حقيقية وشاملة... وإذا أرادت اليوم أن تتحرر من التبعية للغرب، فعليها تعويض العلوم والتكنولوجيات والصناعات الغربية بنظيراتها الصينية أو الروسية... فتسقط في التبعية للشرق. إذن، إذا أردنا التحرر من التبعية للغرب والشرق معًا حاليًا، فلا بد أن نكون قادرين على الاستغناء عن علومهما وتكنولوجياتهما وصناعاتهما، وراضين بالعيش في "القرون الوسطى"، مكتفين "بعلومنا" وما لدينا من صناعات تقليدية أصيلة وصناعات ميكانيكية بدائية، فنصنع السروج وحدوات الخيل والسيوف والدروع والمجانق والأقواس والرماح "والمكحلات" والمدافع والمراكب الشراعية، والعربات ذوات العجلات الخشبية الدائرية لكي تجرها الدواب التي نربيها في حظائرنا... وكذلك البلغة والجلباب والعمامة "والمنديل والشاشية" والحصيرة والحبر واللوح الخشبي و"قضيب الزيتون"... دون نسيان طبعًا الشمع والمهراس وقالب السكر... آنذاك لن نحتاج إليهم في حياتنا اليومية، فنتخلص من التبعية لهم... لكن المؤسف، هو أننا حتى ولو مضينا قدمًا في هذا السيناريو السريالي، لا يمكن أن نثق بأنهم سيدعوننا وشأننا نعيش في هناء وسلام، لأنهم لم يفعلوا ذلك معنا في القرنين 19 و20 حينما استعمرونا، ولم يفعلوه قبل ذلك لا مع الهنود الحمر، ولا مع سكان أستراليا الأصليين... ربما إذا صعدنا إلى أعالي الجبال أو هربنا إلى الصحاري أو اختبأنا داخل الأدغال إن وجدت، قد يتركون بعض المجموعات منا للدراسة... فقد سبق أن فعلوا ذلك مع بعض القبائل الهندية والإفريقية والأمازونية.