في ديوان "نجوم لي ولك" لعبد الصمد أجواو يمثل ديوان "نجوم لي ولك" للشاعر المغربي عبد الصمد أجواو، الصادر عن دار الشعر بتطوان إثر فوزه بالمرتبة الأولى في مسابقة الديوان الأول للشعراء الشباب، محطة تأسيسية لشاعر يفيض وعيا بأدواته، مدركا أن الحداثة الشعرية تتجلى في تفكيك اللغة وإعادة بناء العالم من خلالها. ديوان يخوض في أعماق الذات، حيث تتداخل الوحدة والكتابة والطبيعة في نسيج شعري متماسك، يضع القارئ أمام تجربة وجودية متكاملة، تبدأ من لحظة التأسيس الشعري وتمتد إلى آفاق الرؤيا التاريخية والهوية الثقافية. ينطلق الشاعر من عتبة تأسيسية باذخة في قصيدة "في البدء"، حيث يصور نفسه على أرجوحة اللغة وهو يكتب كتابه، والرياح تهب لتطرق بابه سائلة عن مصيرها. في هذه اللحظة الأولى، تتجاوز اللغة كونها مجرد أداة تعبيرية إلى فضاء وجودي يتأرجح بين الثبات والانهيار، بين الإمساك بالمعنى والانزلاق في دهاليز الدلالة. هذا التصريح بالوعي اللغوي يضع القارئ منذ البداية أمام شاعر يكتب ويُقيم على حافة اللغة، مُستبصرًا أن القصيدة الحقيقية تبدأ حيث تنتهي قدرة اللغة على التعبير المباشر. حضور الرياح في هذا المقطع الافتتاحي ليس عابرا، فالريح تمثل روح القصيدة، والقلق الدائم، والنص الذي يطرق باب صاحبه طالبا تحقيق مصيره، لتمنح القصيدة بُعدًا وجوديا عميقا يجعل من الكتابة محاولة للإمساك بمصير هارب. ونجد كذلك تكرار مفردتا "وحدي" و"وحدك" عبر قصائد الديوان لتصبحا بمثابة النغمة المهيمنة التي تمنح التجربة الشعرية وحدتها العضوية. في قصيدة "وحدي"، يبدأ الشاعر الرحلة في الليل البهيم، حيث لا فوق فوق ولا تحت تحت، وتتكاثر الهاوية بينما يغرق في صمته، فيما ترفض الرياح مهادنة الفراغ. تتحول الوحدة هنا من حالة نفسية إلى هندسة كونية، فالتكرار التركيبي يخلق شعورا بالتعليق في الفراغ المطلق، والهاوية التي تتكاثر تشير إلى انهيار المكان الآمن وتمدد اللايقين في كل الاتجاهات. غير أن هذه الوحدة تتحول في قصائد أخرى إلى طاقة إبداعية هائلة، كما في قصيدة "وحدك" حيث يواصل الشاعر الكتابة برغم تغالب النوم عليه، حتى يزول البعد ويصير أقرب إلى نفسه من نفسه. هنا تتحقق معادلة شعرية عميقة تجعل من الكتابة وسيلة لتجاوز الاغتراب عن الذات، وتكرار الفعل "واصلت" يحاكي إصرارا وجوديا يقود إلى لحظة صوفية معاصرة تصير فيها الذات موضوعها ووسيلتها في آن واحد. يمتد أفق الديوان من الخاص إلى العام في قصيدة "لا شيء يفنى" التي تؤسس لرؤية تاريخية وثقافية متكاملة. فرياح التاريخ العتيدة تقلب الزهور أسئلة وتقلب حبل البئر مشنقة، وفي حضرة الطيف لا شيء يفنى، وتصير كل الأشياء أبدية، وتصير الرؤى تاريخًا، وتصير كل اللغات أمازيغيه. يحول الشاعر هنا المفردات اليومية العادية إلى مفاهيم كونية، فتتحول الزهور إلى أسئلة وجودية، وحبل البئر الذي كان رمزًا للحياة والارتواء يتحول إلى مشنقة، في انقلاب درامي يعكس هشاشة المعاني الإنسانية. الرياح التي كانت تطرق باب الشاعر في البدء تصبح الآن رياح التاريخ العتيدة، وكأن التجربة الذاتية تتسع لتصبح تجربة جمعية. يأتي البيت الأخير "وتصير كل اللغات أمازيغيه" ليشكل مفاجأة كبرى قابلة للقراءة على مستويات متعددة: تأكيدًا للهوية الأمازيغية بوصفها أساسا للوجود الشعري، ورؤية مستقبلية حيث تصبح التعددية الثقافية واللغوية متجهة نحو أصل أو مصدر واحد، وتحررا من المركزية اللغوية تجعل من "أمازيغيه" حالة من الحرية والانتماء الأرضي لا مجرد لغة محدودة. يتقاطع في الديوان مساران رئيسيان يمنحانه ثراءه الدلالي، مسار الكتابة الميتاشعرية ومسار الحب، ويتجلى هذا التقاطع بأوضح صوره في قصيدة "وجهك أيتها الرياح". حين يلتقي العاشقان تقرر الشمس أن تتخلى عن عادتها ألا تغرب أًبدا، وتُضيع الفراشات طريق عودتها، وتفقد الرياح صورتها، ثم يأتي الختام الصادم: عندما التقينا افترقنا. يجسد الشاعر لقاء الحب على أنه حدث كوني يخرق النواميس الطبيعية، فالشمس التي تغرب دائمًا تفقد عادتها، والفراشات التي تعرف طريق العودة تضل سبيلها، والرياح التي تعرف صورتها تفقدها، وكأن الحب الحقيقي لا يمكن أن يحدث دون أن يخلخل نظام العالم بأسره. هذا البناء التناقضي يختزل فلسفة الديوان في ضرورة الحب كمحفز للكتابة رغم استحالة دوامه، فلقاء الحب ذاته يحمل في طياته بذرة الفراق، وكأن الاكتمال لا يتحقق إلا في لحظة الزوال. لا يخلو الديوان من حس مرير تجاه الوجود، يتجلى في قصائد تعيد تشكيل العلاقة بين الذات والطبيعة. في قصيدة "غروب"، تتوارى الشمس بحذر وصمت خوفا من أحزان البشر، وهنا يعكس الشاعر العلاقة المألوفة بين الإنسان والكون، فالشمس لا تغرب بسبب دورتها الطبيعية بل لكونها تخاف من أحزان البشر، وهذا الإضفاء للصفات البشرية على الطبيعة عميق، إذ يجعل الكون مرآة للنفس الإنسانية، ويحول الظواهر الكونية إلى ردود فعل تجاه الحالة الوجودية للإنسان. أما في قصيدة "بلا حيلة"، فيصل الشاعر إلى ذروة العبثية حين يتحول إلى تمثال يراقب بلا حيلة فوات الأوان وفوات كل الأشياء بما فيها الحياة. تحول الشاعر إلى تمثال هو تحول إلى صمت مطلق وانفصال عن الفعل، لحظة موت مجازي تسبق الكتابة أو تعقبها، حيث يتحول المتكلم إلى موضوع صامت يراقب انهيار الزمن من حوله. تختفي الأجوبة في قصيدة "طريق" حيث تقول الأيام إنه لم يعد هناك سر، وتدعو الشاعر إلى جمع عينيه وخطاه من الطريق ولملمة فضوله، ليعلن في النهاية أنه لم يعد هناك طريق ولا فضول. هذا السلب المتكرر يمثل نهاية الرحلة الشعرية، حيث يفقد السؤال بريقه ويفقد الطريق معناه، وكأن الشاعر يصل إلى حدود اللغة ذاتها حيث يتعذر الاستمرار. لكن السؤال الذي يطرحه الديوان يظل مفتوحًا: هل انتهى الطريق حقًا، أم أن الشاعر يمارس لعبة اختفاء ماهرة ليبدأ من جديد من نقطة الصفر؟ تأتي قصيدة "مبارزة مفتوحة" إلى رجل له مع البحر شجون كثيرة، لتقدم نبرة مختلفة أقل كثافة في العذاب وأكثر قوة ومواجهة. على صخرة تعيش بلا جزع على صفعات الأمواج، يقف رجل بصنارة يحاول صيد البحر هذه المرة. محاولة صيد البحر هي محاولة مستحيلة، لكنها في الوقت نفسه مبارزة مفتوحة مع المستحيل، ويمكن قراءة هذا الرجل كصورة للشاعر نفسه، يقف على صخرة اللغة والتقليد، يواجه صفعات الأمواج المتمثلة في الزمن والنسيان والنقد، محاولا اصطياد الجوهر الذي يمثله البحر. ثم تختتم رحلة البحث في قصيدة "بحثاً عن حلم" حيث ينام الشاعر وكله خوف من ألا يتعرف على نفسه في الصبح، وكلما طار نومه قلب وسادته بحثًا عن حلم أو ربما بحثاً عنك. هنا يلتقي الخوف من فقدان الذات بالبحث عن الآخر، وتصبح الوسادة التي تقلب رمزا للقلق الوجودي الذي لا يهدأ، والحلم الذي يبحث عنه الشاعر قد يكون هو القصيدة ذاتها التي تمنحه هويته مع كل صباح جديد. ديوان "نجوم لي ولك"، بيان شعري مكتمل الأركان يمتلك وحدة عضوية نادرة، رغم تعدد القصائد وتنوع مقاطعها، حيث تجمعها وحدة موضوعية كبرى تحت عنوان الاغتراب والكتابة والبحث عن الأنا. تميز الشاعر عبد الصمد أجواو بقدرته على بناء لغة شعرية خاصة تتوسط بين العمق الفلسفي والبساطة المكثفة، قريبة من لغة التصوف الحديث حيث تصبح الأشياء حاملة للدلالات الوجودية دون أن تفقد قربها من الحياة اليومية. اعتمد الشاعر التكرار بذكاء كأسلوب لتكريس المعنى وتوسيعه، ووظف الرمز بتوازن فائق في حديثه عن التاريخ والهوية دون سقوط في المباشرة الأيديولوجية. بعض القصائد القصيرة جداً على عمقها تبدو كأنها ومضات شعرية مكثفة أشبه بالهايكو، لكن هذا الإيجاز يأتي مُتناغمًا مع نسيج الديوان العام ولا يخل بوحدته. في النهاية، يظل "نجوم لي ولك" ديوانا يؤكد أن جائزة الديوان الأول لم تأت من فراغ، وإنما جاءت تتويجا لتجربة شعرية واعدة تعرف كيف تصنع من لغتها عالما خاصا، ومن وحدتها منفذا إلى الكونية، ومن بحثها عن الذات سبيلا إلى لقاء الآخر.