لم تنته الحرب بعد على قطاع غزةولبنان واليمن حتى دقت طبولها مجددا لكن هذه المرة على قوة إقليمية ودولية لها وزنها السياسي والعسكري..دولة إيران..وشتان ما بين النظام الإيراني – اتفقنا معه أم لم نتفق – وحركات المقاومة السالفة الذكر من حماس بفلسطين وحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن. كنا قد أشرنا في مقالات سابقة بالموقع طيلة الحرب على غزة ومن زوايا مختلفة إلى الملاحظة التالية : – ′′دول′′ العالم العربي الإسلامي لا تحمل من مقومات الدولة الحديثة سوى الإسم بدليل عجزها الفاضح والمخزي عن إيقاف الإبادة الجماعية والمجازر الإنسانية بالقطاع المحاصر لسنوات. كانت سياسة الصمت هي سيدة الموقف إن لم نقل شيئا آخر من تواطؤ مع العدو الصهيوني. وتأتي الآن هذه الحرب القديمة الجديدة على النظام الإيراني لتؤكد مرة أخرى نفس الملاحظة لكن بمرارة أكثر : – إنها دول على خريطة الجغرافيا فقط! لا دولة بلا سيادة..ودولة بلا سيادة ليست دولة..ودعك من التبريرات الواهية هنا وهناك. السيادة على القرار السياسي والسيادة على القرار العسكري والسيادة على القرار الإقتصادي…هذه هي السيادة..وهذه هي الدولة..وما عدا ذلك ترهات وخزعبلات. وقد أكدت الحرب على إيران كل هذه الترهات والخزعبلات..ويا للأسف الشديد! ومعها انتهت كذلك مدة صلاحية مجموعة من المسلمات السياسية التي انهارت على أرض الواقع. وأول هذه المسلمات النقد الشديد إلى درجة الهجوم والإحتقار لنظرية إمامة الفقيه! لنصف قرن تقريبا ونحن نسمع نفس الأسطوانة المشروخة سواء من اليمين أو من اليسار حول قصور هذه النظرية في الحكم وعدم مناسبتها للعصر الحديث إلى ما هنالك من الأدلة المذلولة والذليلة لمدارس الغرب السياسية والفكرية. والسؤال هو : – إلى ماذا أوصلتنا نظريات الغرب المتقدمة في الحكم؟ هل تحقق للعالم العربي الإسلامي شيء من الإستقلال النسبي بإمامة غير الفقيه المتقدمة جدا؟ إلى حدود كتابة هذه الأسطر، لازالت إيران، المحاصرة لنصف قرن تقريبا، تقاوم بل وتدير لوحدها المعركة ضد العدوان الأمريكي الصهيوني، فيم باقي ′′الدول′′ العربية تستجدي من يحميها ويقاوم بدلا عنها! وللذين يصطادون في الماء العكر نقول لهم لنوضح لهم ولنشرح لهم بالخشيبات كما في المدرسة الإبتدائية أن ما قلناه ليس إغراقا في الطائفية أو المذهبية ولا دفاعا عن النظام الإيراني الذي تلطخت أياديه بالدماء في العراق وسوريا واليمن… ما قلناه هو ببساطة ما يجري الآن على أرض الواقع : – إمامة الفقيه تقاوم الغرب المسيحي الصهيوني من أجل سيادتها وإمامة غير الفقيه تفاوض أسيادها من الغرب للبقاء في السلطة..بلا سيادة! وللمهووسين بالمزايدات السياسية حول الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان نقول لهم أيضا أن أئمة ولاية غير الفقيه ليسوا أحسن حالا من أئمة ولاية الفقيه، وفي هذه النقطة بالذات فالكل سواء ولا داعي للإيضاح. المسلمة الثانية تسلمنا مباشرة إلى خروج المحكومين على الحكام بلغة الفقه أو ثورات الشعوب على أنظمتها السياسية الفاسدة بلغة العصر. لقد سيج فقهاء السلاطين ومثقفو السلطة هذا الخروج بسياج متين من الأسلاك الشائكة باتت معه عملية التغيير السياسي شبه مستحيلة إن لم نقل منعدمة وانقلب هذا الخروج إلى دخول في منطق السلطة ودوران عجيب لا ينتهي في فلكها. ونسي هؤلاء – ولا ندري لماذا؟- أن ثورة الشعب الإيراني ضد نظام الشاه المستبد هي من أوصلت أئمة ولاية الفقيه إلى مقاليد الحكم..وليس شيئا آخر..كالتدخل الخارجي مثلا! والسؤال هو : – لماذا يحارب أئمة ولاية غير الفقيه شعوبهم؟ ولماذا يقمعون ثوراتهم؟ هل لسيادة النظام الإيراني دخل بالموضوع؟ وأن لمعارضيه ممن لا سيادة لهم إلا بأسيادهم من الغرب علاقة أيضا بالأمر؟ ربما. العداء التاريخي لهذا النظام قد يجد تفسيره في هذه النقطة بالذات..شرعية الحكم..وسيادة الدولة الحقيقية لا الصورية أو المموهة بالسرديات المحنطة خارج التاريخ..والجغرافيا! وإذا كانت ثورة الشعب الإيراني قد أفضت إلى إمامة الفقيه فمن الذي يضمن ألا تفضي ثورات الشعوب العربية إلى إمامة الفقهاء لا الفقيه الواحد؟ إنه الرهاب المزمن الذي يقض مضاجع أئمة إمامة غير الفقيه! المسلمة الثالثة، ولنطلق عليها مجازا مسلمة مسيلمة الكذاب، وهي اليقينيات الكبرى التي صدعنا بها لعقود منتحلو النبوة من الأفراد والجماعات وكل الناطقين الرسميين باسم السماء وجنتهم الموعودة على الأرض…إن التزم كل واحد من المسلمين بإسلامه وكأن الأمر عملية جمع رياضية بسيطة الحسبة للصلوات والصدقات والزكوات والأدعية…أي أن هذه العبادات والشعائر هي التي ستنهض بهذا العالم العربي المتخلف وليس من يمارسونها من العاجزين سياسيا وثقافيا وعلميا واقتصاديا وعسكريا…وكأنها بذلك عصا سحرية ستقلب الموازين كما قلبت عصا موسى عليه السلام موازين الفرعون وسحرته. ولم يكتف سماسرة الدين هؤلاء من الترويج للإسلام الشكلي المنزوع المخالب وخالي الدسم بل منهم من أوغل في المذهبية والطائفية جاعلا من أهل السنة الرحيق المختوم وصفوة الصفوة…وفات هؤلاء أن من يحول دون السقوط الحر والمريع للعالم العربي الإسلامي في براثن الأطماع الصهيونية هو بالضبط تلك النسخة المشوهة عن الإسلام كما يقولون..أي النظام الإيراني! والسؤال هو : – ماذا فعلتم أيها المسلمون الحقيقيون بإسلامكم الحقيقي كما تدعون؟ – وأي دين للعاجز عن الدفاع عن نفسه؟ إنه دين العبودية لغير الله لا غير ولا علاقة له بالإسلام من قريب أو بعيد. المسلمة الرابعة هي مسلمة السلم والسلام والأمن والأمان والاستقرار…بلا سيادة ولا استقلال! بتعبير آخر، فقدر أمة الملياري مسلم أن تختار فقط ما بين الخبز والحرية ولا خيار غير ذلك! يعني أن تكون حرا بلا خبز أو مستعبدا بالخبز! وفوق هذا كله أن توالي أئمة ولاية غير الفقيه ومن يفتونهم من فقهاء بلا فقه ولا ولاية بالإمامة العظمى مدى الحياة..وإلى الممات. هل يوجد عبث مثل هذا العبث؟ ولمن ينظرون لهذه المعادلة المريضة نقول لهم أن الشعب الإيراني، بنظامه ومعارضيه معا،اختار الحرية ولم يساوم عليها قط بالخبز كما تفعلون وهو الآن كما ترون يقاوم وحيدا الهمجية الأمريكية والصهيونية..رغم الحرب والحصار! فماذا فعلتم أنتم بخبزكم وخبيزكم ومخابزكم وخبازيكم؟ وأمنكم وأمانيكم وسلمكم وسلاليمكم؟ المسلمة الخامسة والأخيرة هي أنه لا مسلمة مع الإحتلال..لا مسلمة بلا استقلال..لا مسلمة بلا سيادة..لا مسلمات في ظل التبعية المطلقة للغرب..والمسلمة الوحيدة الحقيقية هي..المقاومة!