تسجل جهة طنجة-تطوان-الحسيمة معدل إصابة بمرض السل بلغ 122 حالة لكل 100 ألف نسمة خلال سنة 2025، متجاوزة المعدل الوطني البالغ 91 حالة لكل 100 ألف نسمة. وتندرج هذه المعطيات ضمن إجمالي وطني يقدر بحوالي 33 ألفا و800 حالة، وفق الإحصائيات الرسمية المحدثة. ويفرض هذا الوضع الوبائي عبئا على البنيات الاستشفائية بالجهة، التي تسجل ضعفا في الكثافة السريرية بمعدل 0.68 سرير لكل ألف نسمة، وهو مؤشر يقل عن المعدل الوطني المرجعي. ويتزامن هذا المعطى مع ضغط ديمغرافي متصاعد في طنجة، التي يتجاوز عدد سكانها 1.2 مليون نسمة، في انتظار دخول المركز الاستشفائي الجامعي حيز الخدمة لتخفيف الضغط الحالي على مستشفيات القرب.وترتبط مستويات انتشار السل في المنطقة بعوامل بنيوية وسوسيو-اقتصادية. وتُرجح المعطيات الميدانية أن الفقر والهشاشة والاكتظاظ، إلى جانب ضعف التهوية في بعض الأنسجة الحضرية، تُسهم في تسهيل انتقال العدوى. وتعتبر هشاشة السكن الكثيف عاملا مساهما في استمرار بؤر المرض، وليس سببا وحيدا، خاصة في ظل وجود تجمعات عمالية وصناعية كبرى بالمدينة.وتؤكد وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، ضمن استراتيجيتها المحدثة، على ضرورة تبني مقاربة متعددة العوامل للسيطرة على مسار المرض. وتشير التوجيهات الرسمية إلى أن احتواء الوضع الوبائي في قطب حضري كطنجة يتطلب، إلى جانب التكفل الطبي، تدخلا مندمجا لمعالجة المحددات الاجتماعية للصحة، بالتنسيق مع القطاعات المسؤولة عن تحسين ظروف السكن والعمل. ويشكل السل الرئوي، القابل للانتقال المباشر عبر الهواء عند السعال أو العطس، الغالبية العظمى من الإصابات المسجلة محليا. وتوفر شبكة مؤسسات الرعاية الصحية الأولية ومراكز تشخيص وعلاج الأمراض التنفسية التابعة للمديرية الجهوية للصحة بروتوكولات العلاج بصفة مجانية. ويستند المسار العلاجي إلى التناول اليومي للمضادات الحيوية لمدة ستة أشهر، تحت إشراف طبي مباشر، لضمان امتثال المرضى وتفادي الانقطاع عن الأدوية. ويعد التخلي عن مسار العلاج قبل انقضاء مدته المحددة من أبرز التحديات الميدانية التي تواجه السلطات الصحية في الجهة. ويؤدي عدم إتمام البروتوكول إلى ظهور سلالات من السل مقاومة للأدوية، مما يتطلب فترات علاج أطول تتراوح بين 9 و24 شهرا. وتفرض هذه الحالات المقاومة تكلفة مالية مضاعفة وضغطا استشفائيا أكبر، نظرا للحاجة إلى أدوية من الخط الثاني ومتابعة سريرية دقيقة. وفي سياق الجهود التشخيصية المعتمدة، تستعين المختبرات المرجعية بالجهة بتقنيات الفحص الجزيئي السريع للكشف المبكر عن الإصابات المؤكدة. وتسمح هذه المعدات المخبرية برصد الحمض النووي لعصيات السل، وتحديد مدى مقاومتها للعقاقير الأساسية في غضون ساعات قليلة. ويُسهم هذا التشخيص السريع في كسر سلاسل انتقال العدوى داخل المجمعات السكنية والمهنية المغلقة، وتسريع بدء التدخل العلاجي.وتصنف جهة طنجة-تطوان-الحسيمة ضمن الجهات الثلاث الأكثر تسجيلا لحالات السل في المغرب، إلى جانب جهتي الدارالبيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة. ويرتبط هذا التمركز الجغرافي للمرض بالحركية الاقتصادية والهجرة الداخلية المكثفة نحو هذه الأقطاب الحضرية الكبرى، مما يفرز توسعا مستمرا في الأحياء المحيطية التي تعاني من نقص في التجهيزات الأساسية وتشهد كثافة سكانية مرتفعة.ولمواكبة الفئات الهشة المصابة بالمرض، تتدخل برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بشراكة مع جمعيات المجتمع المدني، لتوفير الدعم الغذائي والاجتماعي. وتهدف هذه التدخلات الموازية إلى مساعدة المرضى على تحمل الآثار الجانبية للأدوية القوية، وتحفيزهم على استكمال المسار العلاجي بالكامل. وتُسهم هذه المقاربة الاجتماعية في تحسين مؤشرات الشفاء وتقليص معدلات الانقطاع، التزاما بأهداف الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى القضاء على السل بحلول 2030. وتواصل السلطات المحلية، بالموازاة مع التدخلات الطبية المحضة، تنفيذ برامج فعلية لإعادة هيكلة الأحياء ناقصة التجهيز وتحسين ظروف العيش للمواطنين. وتُعد هذه الخطوات الميدانية جزءا من التدابير الوقائية غير المباشرة للحد من انتشار الأمراض المرتبطة بالهشاشة. وتتطابق هذه الإجراءات مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تعتبر القضاء على الفقر وتحسين بيئة السكن شرطين أساسيين لمحاصرة الوباء عال