ما زال صوت الراحل الفنان السوري أحمد قعبور، أحد أبرز أصوات الأغنية الملتزمة، الذي ارتبط اسمه بقضايا الوطن والإنسان، وبالدفاع عن القضية الفلسطينية من خلال أعماله الغنائية التي ظلت حاضرة في الوجدان العربي، ينادي العرب، من الماء إلى الماء، ليهبوا دفاعا عن الأرض والعزة والكرامة. ويعد الراحل من الفنانين الذين جعلوا من الأغنية وسيلة للتعبير عن هموم الشعوب، حيث بصم مسارا فنيا مميزا منذ سبعينيات القرن الماضي، في مرحلة تداخل فيها الفن مع السياسة والالتزام الثقافي، فكانت أعماله انعكاسا مباشرا للتحولات التي عرفتها المنطقة. وتبقى أغنية "أناديكم" أبرز محطاته الفنية، إذ تحولت إلى نشيد مرتبط بالقضية الفلسطينية، ورددتها أجيال من الفنانين والمناضلين والمواطنين، خاصة ممن كبروا على هذا اللون الغنائي. والأغنية في أصلها قصيدة كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد سنة 1966، في سياق نضالي يعكس معاناة الشعب الفلسطيني، ضمن موجة شعرية عرفت بشعر المقاومة، إلى جانب نصوص لكل من محمود درويش وسميح القاسم، وهو المصطلح الذي أطلقه غسان كنفاني على هذا التيار. وقد خرجت "أناديكم" إلى فضاء الغناء سنة 1975، في بدايات الحرب اللبنانية، حيث قدمت لأول مرة داخل مستشفى ميداني في بيروت بمرافقة "الكورس الشعبي"، بهدف رفع معنويات الجرحى اللبنانيينوالفلسطينيين، قبل أن تنتشر بشكل واسع وتتحول إلى أحد أبرز الأناشيد المرتبطة بالمقاومة الفلسطينية، وتترجم إلى عدة لغات، وتواكب مختلف المحطات التاريخية في المنطقة. وعرفت الأغنية انتشارا إضافيا بعد أن أعاد تقديمها الشيخ إمام سنة 1984، ما عزز حضورها في الذاكرة الجماعية العربية. وعقب إعلان خبر الوفاة، عبر فنانون وإعلاميون وسياسيون، إلى جانب مواطنين كثر، عن حزنهم لفقدان صوت ظل يرافقهم لعقود، خاصة أولئك الذين كبروا على أغانيه، وحملوا كلماتها في وجدانهم كجزء من ذاكرتهم الشخصية. وفي السياق ذاته، نعت سفارة دولة فلسطين في لبنان الراحل، مؤكدة أنه كان من أبرز المدافعين عن القضية الفلسطينية من خلال فنه الملتزم، وأن إرثه سيبقى حاضرا في وجدان الأجيال، عبر أعماله التي شكلت ذاكرة نضالية وإنسانية راسخة. برحيل أحمد قعبور، تفقد الساحة الفنية صوتا غنى للوطن والإنسان، وترك أثرا لا يمحى في تاريخ الأغنية العربية الملتزمة. وفي لحظة يختلط فيها الوجع بالنداء، تتحول الكلمات إلى صدى لا يخفت، نستحضر هنا كلمات أغنية "أناديكم" كما لو أنها تقال الآن من جديد، خاصة بالنسبة للأجيال التي عاشت على إيقاع الأغنية الملتزمة، حيث تستحضر الذاكرة الحروف واللحن معا. أناديكم .. أشد على أياديكم أناديكم أشد على أياديكم.. أبوس الأرض تحت نعالكم وأقول: أفديكم وأهديكم ضيا عيني ودفء القلب أعطيكم فمأساتي التي أحيا نصيبي من مآسيكم. أناديكم أشد على أياديكم.. أنا ما هنت في وطني ولا صغرت أكتافي وقفت بوجه ظلامي يتيما، عاريا، حافي حملت دمي على كفي وما نكست أعلامي وصنت العشب فوق قبور أسلافي أناديكم… أشد على أياديكم.