في كل مرة يُتداول فيها خبر "توبة" فنان، يعود النقاش القديم في حُلّة جديدة: هل الفن خطيئة حتى يُتوب منه؟ وهل الاعتزال، إن حصل، يُفهم بالضرورة بوصفه رجوعًا عن ذنب؟ هذه الأسئلة، التي تبدو في ظاهرها بريئة، تخفي في عمقها التباسًا فكريًا وثقافيًا حول طبيعة الفن وموقعه داخل المجتمع. مؤخرًا، راجت أخبار تفيد باعتزال الفنان الجميل والصديق المبدع عبد الرحيم المنياري وتوبته، غير أن هذه المعطيات لا أساس لها من الصحة، وتندرج ضمن الإشاعات التي تتغذى من مناخ رقمي سريع التداول، يفتقر في كثير من الأحيان إلى التحقق والتمحيص. لكن ما يثير الانتباه ليس فقط انتشار الخبر، بل اللغة التي صيغ بها: "توبة" وكأن الفعل الفني في ذاته موضع شبهة، أو كأن الممارسة الإبداعية تستوجب اعتذارًا أخلاقيًا. إن هذا التصور لا يجد له سندًا صريحًا في جوهر الثقافة الإسلامية، بقدر ما هو نتاج تراكمات تأويلية ارتبطت بسياقات تاريخية واجتماعية معينة. وفي هذا الإطار، يقدم كتاب المسرح والإسلام ل محمد عزيزة مقاربة رصينة، تسعى إلى تفكيك هذا الالتباس. فالمؤلف لا يدافع عن الفن بوصفه ترفًا، بل ينظر إليه كفعل إنساني مركب، لا يمكن اختزاله في ثنائية الحلال والحرام بشكل تبسيطي. ويؤكد أن الإشكال لم يكن يومًا في الفن ذاته، بل في تمثلاته وفي الأحكام الجاهزة التي أُلصقت به خارج سياقاته. إن ربط الاعتزال بمفهوم التوبة ينطوي على حكم ضمني يُدين الفن ويُحوّل الفنان إلى كائن يعيش في حالة "خطيئة مؤجلة". وهو تصور يلغي تاريخًا طويلاً من التعبير الجمالي داخل الثقافة العربية والإسلامية، حيث لم يكن الإبداع نقيضًا للقيم، بل أحد أشكال تجليها الرمزي. فالإنسان، منذ بداياته، لم يتوقف عن الحكي، عن التمثيل، عن البحث في المعنى عبر الصورة والصوت والحركة. ما ينبغي مساءلته اليوم ليس اختيار فنان الانسحاب أو الاستمرار، فذلك حق فردي لا نقاش فيه، بل الخطاب الذي يُؤطر هذا الاختيار ويمنحه دلالات أخلاقية جاهزة. فحين يتحول الفن إلى موضوع "توبة"، نكون أمام اختزال مخلّ، لا يسيء فقط إلى الفنان، بل إلى الوعي الجماعي الذي يفقد قدرته على التمييز بين الفعل الإبداعي في جوهره، وبين بعض الممارسات التي قد تُنسب إليه. إن النقاش الحقيقي لا يتعلق بالفن كذنب، بل بالفهم الذي نُسقطه عليه. وبين إشاعة عابرة تُعلن اعتزال فنان، وخطاب راسخ يُجرّم الإبداع، تتكشف الحاجة إلى إعادة بناء تصورنا للفن، لا بوصفه تهمة، بل باعتباره تعبيرًا إنسانيًا لا ينفصل عن أسئلة الوجود والمعنى. إن الرهان اليوم ليس فقط على تصحيح المفاهيم، بل على إعادة الاعتبار لصورة الفنان داخل الوعي الجماعي، بوصفه امتدادًا حيًا لروح الوطن لا عنصرًا غريبًا عنه. فالفنان، حين يبدع، لا ينفصل عن محيطه، بل يلتقط نبضه، ويعيد صياغته في أشكال جمالية تمنح المجتمع قدرة على تأمل ذاته وفهم تحوّلاته. لذلك، فإن اختزاله في صورة ملتبسة، أو دفعه إلى هامش الشبهة، لا يسيء إليه وحده، بل يُفقد الوطن أحد وجوهه الأكثر إشراقًا وعمقًا. إن الأوطان لا تُقاس فقط بما تملكه من مؤسسات، بل أيضًا بما تنتجه من رموز وصور وقيم، والفنان في صلب هذه المعادلة، لأنه حامل للذاكرة، وصانع للخيال الجماعي، ومُساهم في بناء المعنى المشترك. وحين يُنظر إليه بعين الريبة بدل التقدير، نكون أمام خلل في ترتيب القيم، حيث يُدفع الإبداع إلى الخلف، ويُفسح المجال لقراءات ضيقة لا ترى في الفن إلا سطحه، وتغفل جوهره الإنساني. من هنا، يصبح من الضروري ترسيخ وعيٍ جديد يُعيد للفنان مكانته كفاعلٍ ثقافي يعكس غنى المجتمع وتعدديته، لا كحالة استثنائية تحتاج إلى تبرير وجودها. فصورة الوطن التي نطمح إليها هي تلك التي تتسع للفكر والجمال معًا، وتعترف بأن الإبداع ليس ترفًا، بل جزء من كرامة الإنسان وهويته. وحين نُعيد للفنان اعتباره، فإننا في الحقيقة نُعيد لأنفسنا حقنا في أن نكون مجتمعًا يُبدع، لا مجتمعًا يقرف من إبداعه.