مرة أخرى تتحول مكناس، طيلة أكثر من أسبوع، إلى عاصمة للفلاحة بالمغرب في قلب الدورة الثامنة عشرة للملتقى الدولي للفلاحة (SIAM)؛ في وقت عكَسَت أروقة منتصبة في "قطب الجهات" غنى التربة المغربية وتنوعها البيولوجي، فضلا عن الوفرة التي ميّزت عددا من المنتجات الزراعية والحيوانية. بين أروقة وردهات صُممت لتختزل المسافات بين أقاليم المملكة، يجد الزائر نفسه في رحلة عبر "مغرب فلاحي" متجدد، يزاوج بين الأصالة في الإنتاج والاحترافية في التثمين، تحت شعار مركزي يضع "الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية" في قلب التحديات الراهنة. في هذا الفضاء، لا تكتفي الجهات الاثنتيْ عشرة بعرض منتجاتها فحسب، وإنما تستعرض جديد خططها التنموية وحصيلتها في إطار استراتيجية "الجيل الأخضر": من زيت الزيتون والورديات بجهة فاس-مكناس، إلى حوامضِ و"زعرور" جهة الشرق، وصولا إلى سلالة "الصردي" المشتهرة بجهة مراكش-آسفي؛ يرسم المسؤولون الجهويون لقطاع الفلاحة لوحة متكاملة عن حصيلة المنجزات، وطموحات الاستدامة، وجذب الاستثمارات التي لم تمنعها توالي سنوات الجفاف من مواصلة نمو لا تخطئه أعين زوّار "سيام 2026". ريادة في الإنتاج الحيواني في جولتها التقت هسبريس بمحمد مزور، المدير الإقليمي للفلاحة بفاس، الذي قال إن هذه الدورة من المعرض الدولي للفلاحة بالمغرب تشهد مشاركة متميزة لجهة فاس-مكناس، تتركز بشكل أساسي على عرض الإمكانات في قطاع الإنتاجات الحيوانية. وتأتي هذه المشاركة، وفق المسؤول الفلاحي عينه، "لتنسجم تماما" مع الشعار الذي جرى اختياره للدورة الثامنة عشرة؛ وهو "الإنتاج الحيواني والسيادة الغذائية". جهة فاس-مكناس إحدى الركائز الأساسية التي تستند إليها دينامية الإنتاج الحيواني في المملكة. وأفاد محمد مزور جريدة هسبريس الإلكترونية بأنها "تحتل مراكز متقدمة في إنتاج الحليب، خاصة في إقليم مولاي يعقوب. كما تتميز الجهة بإنتاج اللحوم الحمراء، بقطيع يبلغ حوالي 5 ملايين رأس من الأغنام، يضم سلالات عريقة مثل سلالة "تِمحضيت" وسلالة "بني كيل". وإلى جانب ذلك، تزخر أقاليم "فاسمكناس" بمنتجات مجالية فريدة ذات أصل حيواني؛ وفي مقدمتها "الخليع" (سواء المُعد بالدهن أو بزيت الزيتون)، ومنتج "أكليش"، بالإضافة إلى "السمن البلدي" الذي يمثل جزءا أصيلا من المعروضات المجالية للجهة. علاوة على ذلك، تُبرز هذه الدورة المؤهلات الكبيرة التي تتوفر عليها جهة فاس-مكناس في أصناف متنوعة من المنتجات؛ منها "الورديّات" كالبرقوق المجفف والتفاح، بالإضافة إلى قطاع زيت الزيتون الذي تتبوأ فيه الجهة المرتبة الأولى وطنيا من حيث الإنتاج. كما ضمّ الرواق منتجات أخرى متميزة مثل لوز "أكنول" بإقليمتازة، فضلا عن المنتجات ذات الطابع الحيواني الخاصة بإقليمَيإفران وبولمان. الزخم والتنوع في المنتجات المعروضة برواق جهة فاس-مكناس يتيحان للزوار والعارضين فرصة حقيقية للاطلاع على مقدَّرات الجهة، التي تساهم بشكل فعال في الاقتصاد الوطني، "حيث تتبوأ المرتبة الثانية على الصعيد الوطني من حيث الأهمية في الاقتصاد الفلاحي". تميّز السلاسل الفلاحية في رواق مقابلٍ يتم عرض تشكيلة من أهم المنتجات الفلاحية المميزة لجهة الشرق، وعلى رأسها الحوامض، ومنتج "الزعرور" الذي يتميز بحصوله على "بيان جغرافي مَحمي"، بالإضافة إلى استعراض مجموعة من المنتجات المهمة الأخرى التي "تعكس تنوع الإنتاج الفلاحي بالجهة"، وفق ما أكده لجريدة هسبريس كمال مسعودي، رئيس قسم تنمية السلاسل الفلاحية بالمديرية الجهوية للفلاحة لجهة الشرق. وأضاف: "تأتي مشاركة المديرية الجهوية للفلاحة لجهة الشرق في هذا الرواق ضمن فعاليات المعرض الدولي للفلاحة، بهدف التعريف بالمؤهلات الكبيرة التي تزخر بها الجهة". في تقدير مسعودي متحدثا لهسبريس، ف"هذه التظاهرة فرصة سانحة للمديرية الجهوية للفلاحة لاستعراض مدى تقدم إنجاز المشاريع الفلاحية المسطرة ضمن استراتيجية "الجيل الأخضر"؛ إذ يمكن لزوار المعرض الاطلاع على أهم الإنجازات التي تم تحقيقها في هذا الإطار. وبمناسبة الدورة ال18 للمعرض الدولي للفلاحة بالمغرب، نسلط الضوء بشكل خاص على المنجزات المتعلقة بتنمية سلاسل الإنتاج الحيواني". وفي هذا السياق، "تتوفر جهة الشرق على ثروة حيوانية هامة، حيث يبلغ قطيع الأغنام والماعز حوالي مليون و800 ألف رأس، بالإضافة إلى قطيع من الأبقار. وتساهم هذه السلاسل بفعالية في الأمن الغذائي، حيث تمثل جهة الشرق 8 في المائة من الإنتاج الوطني للحوم الحمراء، كما تساهم الجهة أيضا بنسبة تناهز 8 في المائة من الإنتاج الوطني لمادة العسل". بخصوص تدخّلات المديرية الجهوية في إطار مخطط "الجيل الأخضر"، فقد شملت تفعيل "برنامج خاص بإعادة تكوين القطيع الوطني". كما يتاح للزوار التعرف على تقدّم مشاريع دعم صغار الفلاحين، لا سيما مشاريع الفلاحة التضامنية، ودعم التنظيمات المهنية الفلاحية، مشددا على أن "العمل جارٍ حاليا على برنامج حيوي لتطوير السلسلة الإنتاجية من خلال مشروع إنشاء المجازر العصرية وتطويرها". استدامة الإنتاج وجذب استثمارات بدوره، لفتَ آيت عمر امبارك، رئيس قسم تنمية سلاسل الإنتاج الفلاحي بمديرية الفلاحة لجهة مراكش-آسفي، إلى أن مشاركتهم لهذه السنة تأتي ب"عرض متنوع للمنتجات الفلاحية التي تزخر بها المنطقة، كما تشكل هذه التظاهرة مناسبة لاستعراض حصيلة المنجزات المحققة في إطار المخطط الفلاحي الجهوي. وتتوزع مساهمتنا على أقطاب عديدة؛ ففي "قطب الجهات" نسلط الضوء على المنتجات النوعية للجهة، بينما يشهد "قطب المنتجات المجالية" مشاركة نحو 48 تعاونية تعرض منتجات غنية ومتنوعة تحظى بصيت واسع على المستويين الوطني والدولي". وعن الإنتاج الحيواني، قال المسؤول الفلاحي عينه، في حديثه للجريدة، إن "الجهة برزت كفاعل أساسي في إنتاج الحليب واللحوم الحمراء، لا سيما من خلال سلالة "الصردي" التي تُعد جهتنا مهدها الأصلي ومنشأها الرئيسي. وتماشيا مع شعار هذه الدورة المتمحور حول "استدامة الإنتاج الحيواني"، فإننا نعمل ضمن استراتيجية "الجيل الأخضر" على تكريس هذه الاستدامة عبر تدخلات ميدانية تشمل استصلاح المراعي، وإدخال أصناف نباتية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، بالإضافة إلى الرفع من الجودة عبر التحسين الوراثي للسلالة". وعلى الصعيد المؤسساتي والمهني، تحظى جهة مراكش-آسفي بتمثيلية قوية داخل الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز. ويؤكد القطاع الفلاحي بالجهة مكانته كرافعة اقتصادية واجتماعية، حيث يساهم في خلق فرص شغل هامة بمعدل يتجاوز 80 مليون يوم عمل سنويا، فضلا عن "تحقيقه لقيمة مضافة بلغت أكثر من 13.7 مليارات درهم". وبالرغم من الإكراهات المناخية الصعبة، فقد "ظل القطاع الفلاحي بالجهة قطبا جاذبا للاستثمارات، حيث نجحنا منذ انطلاق استراتيجية "الجيل الأخضر" في جلب استثمارات نوعية تجاوزت قيمتها 13 مليار درهم؛ مما يعكس الثقة في المؤهلات الفلاحية للجهة"، ختم المصرح.