الإنسان سيد المخلوقات وأهم ما في الوجود، حرمته أقدس من حرمة الكعبة، و نفسه تساوي كل البشرية، فكيف يهون على من منحه الله سلطة أن يقتل الناس كأنه يبيد الحشرات ؟ كيف يحلو له أن ينام أو يأكل الطعام ؟ فإذا كانت امرأة دخلت النار في هرة حبستها لا قتلتها، فكيف سيكون حساب من يدمر القرى بمن فيها و في كل يوم إحصائيات ؟ إن القتل أصبح "رياضة نبيلة "كما قال"رامسفيلد" وزير الدفاع الأمريكي سابقا في حرب الخليج. الإنسان ثمرة شجرة الخلق: أصل كلمة إنسان لغة هو " أنس" و هو من الظهور و الاقتراب و الألفة، آنست الشيء إذا رأيته، و قال تعالى : (فإن آنستم منهم رشدا)، و الإنس من الأنس أي ضد التوحش، يقول الأصفهاني: الإنس خلاف الجن و خلاف النفور، و الإنسي يقال لمن كثر أنسه، و لكل ما يؤنس به، وقيل على وزن " إفعلان" و أصله " إنسيان " سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، و هذا سر تذكيره بشكل دائم بحقيقة وجوده و وظيفته. إن مفهوم الإنسان من المفاتيح الأساسية في القرآن، فهو محور التأملات في الكون و الحياة، بعجزه و افتقاره مقابل امتداد العالم. فالإنسان مخلوق كوني، كما يقول "النورسي"، أي لكي نفهم الإنسان يجب أن نربطه بوجود الكون لا بالأرض فقط، ونتساءل عن علة وجوده أصلا، و بالتالي نصل إلى الماهية الكونية للإنسان، للإجابة عن سؤال: ما الإنسان ؟ فالإنسان هو ثمرة شجرة الخلق، كما يقول، فالثمرة أرقى ما في الشجرة،و تحمل كل الخصائص الجينية لها، و للثمرة نواة إن غرستها أعطتك شجرة من نفس الجنس، فالذي خلق النواة يخلق الشجر، و الذي خلق الإنسان يخلق البشرية و الإنسانية، و النواة سر الاستمرارية و الخلود، و لهذا كان العمود الفقري متضمنا ل " علبة الخلق" و تبقى بعد موت الإنسان و تبعث منها يوم القيامة، فالذي خلقها أول مرة قادر أن يعيد خلقها من جديد، والخلق باب يعجز أمامه الجاحد لله، فرغم جحوده لا يستطيع الاستغناء عنه، فهو الذي خلقه و يطعمه و يسقيه و إذا مرض فهو الذي يشفيه. و الإنسان أرقى ما في العالم، خلق الله العالم من أجل الإنسان و خلق الإنسان من أجله تعالى. "الإنسان مخدوم لا خادم ": الإنسان هو أبدع و ألطف مخلوق و هو في نفس الوقت أعجز و أضعف ، والعجز و الضعف هو سر الحياة، هو فرصة الارتقاء و التنافس في العبادة، فالضعف هنا ليس سلبيا بل " تحقيقا للعبودية "، ضعف جعل الكون كله في خدمته، ف"الإنسان مخدوم لا خادم في ملكوت الله"، فإن قام بخدمة فلمصلحته الخاصة، أما الخلق و التسخير فيقوم به تعالى، أسجد له الملائكة و جعلها في خدمته من يوم نفخ الروح في الرحم إلى يوم أن تقبض لتصعد إليه، و المغاربة يقولون في هذه الخدمة : ( صاحب الأمانة أخذ أمانته)، نعم هي " الأمانة الاستعارة " مرة تحيل إلى "الخلق" و مرة إلى " الأمر" أي " تحقيق الألوهية " التي جعلت الإنسان يتميز عن سائر المخلوقات ( إنا عرضنا الأمانة على السموات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها )، هذه الأمانة هي التي ميزت الإنسان أيضا عن الملائكة و جعلتها خادمة له في أدق الأشياء، و تتدخل بأمر الله في اللحظات الصعاب، ونذكر هنا استغناء إبراهيم عليه السلام عن خدمة جبرائيل لحظة مشهد " الإحراق" حين سأله: هل لك من حاجة ؟ فأجاب : " علمه بحالي يغنيني عن السؤال"، فكانت "الخدمة عليا"، فالأمر يتطلب " أمر الله" الذي سيغير القوانين وفي " سياق خاص"( يا نار كوني بردا و سلاما على إبراهيم )، فهذه " خدمة خاصة " بإبراهيم، فعبوديته لله لم تجعل الضعف أقوى فقط بل غيرت من قوانين الكون. إن الخلق سر الوجود و لا يشترك فيه الإنسان المخلوق، فلا نقول له خالق، فالخلق مهمة إلاهية، إتقان للصنعة، و الإنسان في ذاته هو دال على وحدانية الخالق، و تجسيد لأسمائه و صفاته، فهو تجسيد ل" التجلي" و تحقيق ل" كمال الإظهار" و هنا نعود إلى الأصل اللغوي لكلمة الإنسان: " أنس " أي ظهر. فالله تعالى خلق الكون كي يستضيف الإنسان فيه، فهو أكرم ضيف فيه و "أنشط موظف" لهذا حمل الأمانة ، والأمانة حدث كوني شهدت عليه الأرض والسماوات و الجبال، و الكل مهيأ لخدمة الإنسان، بينما الإنسان مهيأ للمعرفة و الارتقاء نحو الخالق أي مهمته العبادة و" الكل على الله ". الإنسان فهرس الكون: إذا كان الإنسان نواة و مرجعا للكائنات و علة للوجود و بمنطق الثمرة لا يموت، يستمر في الحياة بين الدنيا و الآخرة، فأكيد أن يكون فهرسا للكون، و أكيد أنه يدل على الخالق. فإذا أردت أن تعرف سرا فعد إلى الإنسان فقد وضع فيه الله أسراره، لماذا لا نقف لنقرأ هذا "الكائن الفهرس" ؟ إذا كانت القراءة صعبة، ألا ننتبه لبعضنا البعض و يقول كل واحد منا للآخر: (سبحان من خلقك) ؟ و هل هناك جملة في القراءة أرقى من " التسبيح" ؟ هل الأمر يتطلب دراسة أم أن الإنسان لا يبصر( و في أنفسكم أفلا تبصرون ). هذا "الفهرس الكوني" جامع لكل الخصائص ، يعكس أسماء الله الحسنى و لا يعيش لحظة خارجها، ف"إذا كان الإنسان عالما صغيرا فإن العالم إنسان كبير" مستخلف في الأرض عبادة لله، راغب في البقاء حسب الفطرة. إن الإنسان نسخة جامعة للكائنات و فهرس لكتاب العالم، إنه خريطة للكون تقود إلى رب العالمين،( القلب خريطة معنوية لحقائق لا تحد) ( الدماغ مجمع مركزي للبث و الاستقبال لما في الكون من علوم و فنون) و مطلوب من الإنسان أن يستوعب كل الكائنات لينخرط معها في رحلة جماعية كونية قائدا لها، لما تميز به من خصائص التعبد من تفكر و تدبر، فآدم تعلم و علم، فهو أقدر على التقاط الإشارات الكونية.