في واحدة من أكثر اللحظات توترًا منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، تتسارع وتيرة الاحتجاجات الشعبية في إيران، بينما تبدو القيادة السياسية والدينية محاصرة داخليًا وخارجيًا، وتواجه أزمة شرعية غير مسبوقة، بدأت بأسباب اقتصادية وانفجرت في شكل رفض سياسي علني للنظام القائم. من الاقتصاد إلى الشارع الاحتجاجات التي بدأت قبل أسابيع من أسواق طهران، على خلفية الانهيار الحاد في قيمة العملة المحلية وارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 40%، تحولت سريعًا إلى موجة رفض أوسع، لم تقتصر على النخب أو النشطاء، بل اجتذبت فئات اجتماعية جديدة أبرزها فئة الشباب. الشعارات التي صدحت بها شوارع طهران وأقاليم إيران ال31 تجاوزت المطالب المعيشية، لتعيد إلى الواجهة الهتافات الموجهة ضد رأس النظام مباشرة، من قبيل "الموت للدكتاتور"، وصولًا إلى ترديد بعض المتظاهرين هتافات تشيد بنظام الشاه السابق. ورغم أن حجم الاحتجاجات لم يبلغ بعد ذروة ما شهدته البلاد في 2022 عقب وفاة مهسا أميني، فإن التوقيت والسياق والانخراط الواسع في المظاهرات تجعل من هذه الجولة أكبر تحدٍّ داخلي للسلطات منذ سنوات. انقطاع إيران عن العالم اليوم الجمعة، قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت على مستوى البلاد بشكل شبه كامل، ما أدى إلى توقف معظم مواقع الأخبار عن التحديث، وتعذرت المكالمات الهاتفية من الخارج، وألغيت عدة رحلات جوية من دبي إلى مدن إيرانية كبرى. وفي حين رأت السلطات أن هذا الإجراء ضروري "لمنع الفوضى"، وصفه معارضون في الخارج بأنه محاولة لعزل الإيرانيين عن العالم تمهيدًا لمزيد من القمع. وبحسب منظمة "هرانا" الحقوقية، فقد قُتل حتى الآن ما لا يقل عن 34 متظاهرًا و4 من عناصر الأمن، فيما جرى اعتقال أكثر من 2200 شخص منذ بدء الاحتجاجات. صور نُشرت عبر وسائل إعلام رسمية أظهرت مشاهد لحرائق في محطات مترو، ومباني بنكية، وسيارات محترقة، في مدن مثل رشت وأصفهان وكرج، في مشهد وصفه مراسل التلفزيون الرسمي بأنه "أقرب إلى منطقة حرب". خامنئي يهاجم المحتجين ويتهم ترامب في خطاب ناري اليوم الجمعة، اتهم المرشد الأعلى علي خامنئي المحتجين بأنهم "يتصرفون نيابة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب"، وقال: "قام مثيرو الشغب بتدمير ممتلكات تعود للدولة وللناس فقط لإرضاء ترامب". وأضاف: "هؤلاء المرتزقة لا يعبّرون عن الشعب الإيراني، وسنتعامل بحزم مع كل من يشارك في مشروع الفوضى الموجه من الخارج". واعتبر خامنئي أن الولاياتالمتحدة "عاجزة عن إدارة شؤونها"، ناصحًا الرئيس الأمريكي ب"الانشغال ببلاده بدلًا من التحريض على إيران". وكان ترامب قد صرّح سابقًا أنه لن يلتقي رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، و"ليس متأكدًا من أن من المناسب دعمه"، لكنه لمّح إلى إمكانية التدخل إذا لجأت قوات الأمن الإيرانية إلى العنف المفرط. بين ضغوط الخارج وانهيار الداخل الوضع الاقتصادي في إيران مرشح لمزيد من التدهور في ظل العقوبات المعاد فرضها منذ خريف 2025 بسبب ملفها النووي. كما أن التزاحم بين أزمات الداخل وتآكل النفوذ الإقليمي لطهران، خاصة بعد الضربات المتكررة التي تلقتها أذرعها في غزةولبنان واليمن، يعيد طرح السؤال الجوهري: هل بقيت "الجمهورية الإسلامية" قادرة على التماسك بالطرق القديمة؟ تصريحات خامنئي اليوم أكدت بوضوح أن السلطة لا تنوي تقديم تنازلات سياسية. بل تنظر إلى ما يجري من زاوية أمنية – سيادية، وتضعه ضمن إطار "الحرب الناعمة" التي طالما حذرت منها. مستقبل الجمهورية.. هشاشة الشرعية تتفق تحليلات متقاطعة على أن ما يجري ليس مجرد أزمة ظرفية، بل لحظة مفصلية تتعلق بشرعية النظام نفسه، إذ لم تعد فئة الشباب – التي تمثل أكثر من نصف سكان البلاد – ترى في شعارات الثورة معنى لحياتها اليومية. ويعكس ذلك الهتاف المتكرر: "لا غزة، لا لبنان، حياتي من أجل إيران"، الذي يُقرأ كاحتجاج على أولويات النظام في الخارج بدل الداخل. معارضة من الخارج.. وقلق من العزلة فصائل المعارضة الإيرانية في الخارج، رغم تشرذمها، دعت إلى "نزول حاسم للشارع"، بينما قال رضا بهلوي: "أنظار العالم عليكم. انزلوا إلى الشوارع". في المقابل، حذرت جهات دبلوماسية أوروبية من مغبة "الرد العنيف" على المتظاهرين، ودعت طهران إلى "ضبط النفس". أما الداخل الإيراني، فقد بات غارقًا في عزلة متزايدة، مع انقطاع الاتصالات، وتقييد حركة الطيران، وانسداد أفق الحل السياسي.