الكونغرس الأمريكي يحتفي بالعلاقات التاريخية والشراكة الاستراتيجية بين المغرب والولايات المتحدة    رئاسة النيابة العامة: تسجيل 152 مخالفة مرتكبة بالملاعب المحتضنة لمنافسات كأس إفريقيا 2025 إلى غاية 6 يناير الجاري        مجلس الحكومة يصادق على مشروع مرسوم يتعلق بإحداث وتنظيم الأكاديمية المغربية لمهن الطيران    أسود الأطلس ضد عقدة التاريخ .. قمة كروية مفتوحة بين المنتخب الوطني والكاميرون من أجل مقعد بالمربع الذهبي    إجراء قرعة كأس أمم إفريقيا للسيدات (المغرب 2026) يوم 15 يناير الجاري والإعلان عن الفائزات المتبقيات في فئات جوائز "الكاف" 2025    ماكرون: العلاقات مع المغرب ركيزة أساسية للدبلوماسية الفرنسية    افتتاح فعاليات المعرض الوطني الكبير بالرباط.. محطة تأمل في ستة عقود من الإبداع التشكيلي المغربي    مدينة أكادير تحتفل برأس السنة الأمازيغية الجديدة على إيقاع أجواء احتفالية متنوعة وتذوق أطباق تقليدية    الأطعمة فائقة المعالجة تزيد خطر الإصابة بسرطان الرئة    مجلس الحكومة يصادق على مقترحات تعيين في مناصب عليا    بورصة البيضاء تنهي تداولاتها على وقع الانخفاض    بايتاس: الحكومة تتوفر على إرادة التفعيل السريع للطابع الرسمي للأمازيغية    الجامعة تحتج لدى "الكاف" بسبب تأخر تعيين حكام مباراة المغرب والكامرون    سانشيز يدعو إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الاتحاد الأوروبي والمغرب    بايتاس: الإصلاحات الجبائية حققت موارد مالية بقيمة 366 مليار درهم وسمحت بتمويل المشاريع الاجتماعية    الحكومة تقر إحداث أجرة عن خدمات مؤسسات التكوين الفندقي والسياحي    الدرك يطيح بمروج للكوكايين بضواحي تطوان    مدرب الكاميرون .. العامل الذهني سيكون حاسما في مباراة ربع النهائي أمام المغرب    نشرة إنذارية.. موجة برد من الجمعة إلى الأحد بعدد من مناطق المملكة    توقعات أحوال الطقس ليوم غد الجمعة    مدرب الكاميرون: مهمتنا صعبة.. والمغرب لم يهزم منذ زمن طويل على أرضه    حمزة إيغامان: "حالتي الصحية جيدة"    موجة برد تمتد إلى الأحد بهذه الأقاليم    الركراكي .. مواجهة المغرب والكاميرون بمثابة معركة حقيقية بين منتخبين كبيرين            استدعاء وزير الفلاحة للبرلمان لمناقشة اختلالات استيراد وتخزين القمح    "همم": ياسين بنشقرون يخوض إضرابا مفتوحا عن الطعام منذ اعتقاله قبل 16 يوما    "الإمارات للدواء" تسحب بعض منتجات حليب الأطفال "نستله"    أسعار صرف أهم العملات الأجنبية اليوم الخميس    إصابة مادورو وزوجته خلال الاعتقال    الولايات المتحدة تنسحب من 66 منظمة دولية بينها 31 أممية    مقتل شرطي إيراني طعنا قرب طهران    سحب حليب أطفال بعدة دول .. و"أونسا" يؤكد سلامة السوق المغربية        قرنان ونصف من الثقة: كيف تحولت الصداقة المغربية-الأمريكية إلى شراكة جيوسياسية    الجمعية العامة للأمم المتحدة.. تعيين هلال للمشاركة في تيسير مراجعة الاستراتيجية العالمية الأممية لمكافحة الإرهاب    فيدرالية الأحياء السكنية بالجديدة تلتقي مع المدير الإقليمي للشركة الجهوية متعددة الخدمات االبيضاء سطات    الحبس لمتزوجة وخليلها بالجديدة.. استغلت غياب زوجها وعائلته تضبطها في حالة تلبس داخل منزلها    تحذير عاجل.. ميزة خفية في Gmail قد تضع خصوصية المستخدمين على المحك    "التعري الافتراضي".. الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي وتهديد خطير للخصوصية    مطار محمد الخامس.. إسناد صفقة بناء المحطة الجوية الجديدة للتجمع المغربي "SGTM" و"TGCC"        جامعة الشيلي تمنح ميدالية رئاستها لسفيرة المغرب كنزة الغالي    من تنظيم جمعية جوهرة الفنون الثقافية الدورة الرابعة لمهرجان تارودانت الدولي لفنون الشارع    أكلات أمازيغية تستهوي زوار "الكان" وضيوفه في سوس    الرباط والبيضاء ومراكش تحتضن الدورة 31 لأسابيع الفيلم الأوروبي من 28 يناير إلى 11 فبراير    رمضان بلا "سيتكومات".. التلفزة المغربية تطوي صفحة كوميديا الانتقادات    مهرجان "حلالة العربي".. صرخة إبداع في وجه الفقر الثقافي    هيئات تطالب الداخلية والثقافة بالتحقيق في أبحاث أثرية سرية غير مرخصة جنوب المغرب    نستله تسحب حليب أطفال من أسواق أوروبية بعد رصد خلل في الجودة    الحق في المعلومة حق في القدسية!    جائزة الملك فيصل بالتعاون مع الرابطة المحمدية للعلماء تنظمان محاضرة علمية بعنوان: "أعلام الفقه المالكي والذاكرة المكانية من خلال علم الأطالس"    رهبة الكون تسحق غرور البشر    بلاغ بحمّى الكلام    فجيج في عيون وثائقها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإجهاز على العربية مقدمة للإجهاز على الأمازيغية
نشر في هسبريس يوم 20 - 09 - 2018

نشر الدكتور عبد الله الحلوي مقالا تحت عنوان: " الدارجة أم العربية؟"، ولقد دافع في مقاله هذا بحماس كبير عن ضرورة التدريس بالدارجة، وأورد عدة حيثيات وراكمها واستند عليها في تبنيه لموقفه المدافع عن التدريس بالدارجة، وساجل طوال المقال الرافضين للتدريس بالدارجة، ويهمني في هذا المقال مناقشته في واحدة من حيثياته التي أوردها في مقاله، محاولا إبداء وجهة نظري غير المتفق مع ما جاء في مقاله في هذه الحيثية التي استوقفتني تحديدا، ولفتت انتباهي أكثر من غيرها، والتي سماها بالتغليط بتهريب النقاش.
يقول ذ الحلوي: " من مظاهر التغليط بتهريب النقاش أيضا أن يصرح المتدخل بأن لا مجال للحديث عن استعمال الدارجة في تدريس المضامين لأن الدستور المغربي لا يعترف إلا بلغتين رسميتين هما العربية والأمازيغية". ويشرح الأستاذ عبد الله حيثيته هذه بالقول: " إن المثقف الملتزم بقضايا شعبه لا يدعونا إلى ما ورد في الدستور ويكتفي بذلك، بل إنه يستشرف الآفاق التي لم يتحدث عنها الدستور ولم يع بها المشرعون ولم يدركها السياسيون. فالمثقف إما أن يكون مثقفا طليعيا، يسبق قومه لاستكشاف الأراضي التي لم يستكشفوها بعد، وإما أنه مجرد "فقيه دستوري" يتأول نصوص الدستور ويخبرنا بما تصرح به وما لا تصرح به".
للوقوف على أهمية الرجوع إلى الدستور في هذه النازلة يتعين التذكير بأننا إزاء قضية خلافية حادة، فالبعض يقول بوجوب التدريس بالدارجة، والبعض الآخر يعتبر أن الدارجة ليست لغة أهلا للتدريس بها بتاتا، وأن لغة التدريس المستحقة والقائمة منذ قرون في المغرب هي اللغة العربية الفصحى. الخلاف قائم، بشكلٍ حادٍّ وصارم، بين الجهتين، وكل طرف يعتد برأيه ويتشبث به، ويرى أنه الصائب، ورأي غيره الخاطئ. وكل طرف له مختصوه وعلماء لغته ولسانييه، بحججهم، ومستنداتهم التي يرافعون بواسطتها مدافعين عن اللغة الأحق بالتدريس في نظرهم..
في هذه الحالة إلى ماذا ينبغي الاحتكام؟ ماهي الآلية التي يتعين علينا اعتمادها للفصل بين المتنازعين الذين يتمسك كل منهم برأيه؟ ألا يحق لكل طرف استعمال الورقة القانونية التي تبدو له ملائمة للدفاع بواسطتها عن وجهة نظره، في مسعى منه لتغليبها وجعلها هي السائدة في الساحة؟
في كل المنازعات يكون الدستور هو الحكم الفصل بين الطرفين المتنازعين، فهو القانون الأسمى للأمة الذي يُجسِّدُ الحد الأدنى من الإرادتين الرسمية والشعبية اللتين تم التوافق بينهما حول بنوده، وجعلها أداة للاحتكام إليها. صحيح، قد يكون الدستور الحالي ليس ذلك الدستور الذي يحلم به كل المغاربة، وأنهم يتطلعون إلى دستور أكثر ديمقراطية وأوفر شعبية، وتأكيدا على العدالة الاجتماعية، ولكن في انتظار أن يتحقق الأمر، فإن الدستور الحالي يشكل الوثيقة التي تجمع أبناء الأمة، وتلُمُّهم حولها، لقد وُضِع الدستور لكي يتم الاستناد عليه في تدبير شؤون الأمة، والرجوع إليه لفضِّ المنازعات التي تقوم في المجتمع، ويختلف أفراده في الرأي خلالها.
المفارقة في هذا الباب هي أنه يتم الاحتماء بالدستور للدعوة إلى تدريس الأمازيغية وإلى تنزيل القانون التنظيمي لترسيمها، ولكن عندما تتم الإشارة إلى دستورية اللغة العربية الفصحى، وأن لها الأسبقية المفترضة في التدريس بواسطتها، طبقا للدستور، تصبح هذه الاستعانة بالدستور غير مرحب بها، ومحطَّ تشكيك، ودليل على أن من يلجأ إليها له فكر محافظ، ومجرد فقيه دستوري، وليس مثقفا طلائعيا، كما جاء في مقال الأستاذ الحلوي، كيف يصِحُّ الاعتماد على الدستور للمطالبة بتدريس الأمازيغية، ولكن يُرفَضُ الاعتماد على الدستور نفسه للمطالبة بالاستمرار في التدريس بالعربية الفصحى؟ أليس في هذه الصيغة للتحجج تناقض صارخ؟
المطالبة بأن يتطلع المثقف إلى ما هو أفضل من الوضع الدستوري الحالي أمر محمود ومحبذ ومرحب به، ولكن الدعوة إلى التدريس بالدارجة ليست مطلبا تعليميا طلائعيا وثوريا ورائدا ويحقق للمجتمع المغربي تعليما أفضل مما هو لديه، وأرقى مما هو منصوص عليه في الدستور. التدريس باللغة الدارجة ارتكاس إلى الخلف، وقفز في الهواء، ومغامرة ستنتهي بالتعليم في بلدنا إلى كارثة الكوارث. لن نكون بذلك أمام تطوير للدستور الحالي في مجال اللغة وارتقاء به إلى ما هو أعلى، سنكون أمام تراجع وارتداد، وزجٍّ بأنفسنا في نفق قد لا نخرج منه.
لا أحد من الأساتذة والمعلمين والمربين وعلماء اللغة واللسانيين المغاربة المعروفين بجديتهم وعلمهم ونزاهتهم ووطنيتهم يقبل التدريس بالدارجة، فالكل يُجمِع على أن الدارجة ليست لغة علم ومعرفة، وأن العربية الفصحى أقوى وأغزر وأثرى منها بما لا يقدر.. فلماذا نترك لغة لدينا تحتل المرتبة الرابعة عالميا، ولغة رسمية في هيئة الأمم المتحدة، ويستعملها، كتابة، وبحثا، وتطويرا، أكثر من 300 مليون نسمة، ويتوسع انتشارها يوميا في القارات الأربع، ونهملها، ولا نُدرِّس بها، رغم أصالتها وتفردها وقدرتها على مواكبة التطورات من حولها، لنصنع لغة محلية جديدة نسميها الدارجة، ونجرب التدريس بواسطتها؟ من الذي يضمن لنا أننا سننجح في مسعانا هذا؟ وهل أضحى تلامذتنا وطلبتنا فئران تجارب نقيس فيهم لغة، إن كانت أهلا للتدريس أم لا؟؟
الدعوة إلى التدريس بالدارجة ليست فكرة طلائعية وثورية وتتجاوز النص الدستوري الحالي، هذه دعوة أحطُّ وأقلُّ شأنا من مضمون دستور 2011، لغويا. إنها دعوة نابعة من أركان الدولة المغربية العميقة التي لا يروق لها الدستور الحالي، الذي جاء به حراك شباب 20 فبراير، وتعمل كل ما بوسعها لفرملته والعودة بالمغرب إلى ما قبله، وتقليص مساحة التفسير الديمقراطي التي تدعو القوى الديمقراطية حقا لإعطائه للنص المذكور..
فالعربية الفصحى لا يقبل بها المستحوذون على السلطة والثروة في المغرب، والذين لديهم مصالح عميقة وكبيرة مع فرنسا وأمريكا ومن يدور في فلكهما.. هؤلاء يكرهون العربية الفصحى والأمازيغية والدارجة، ويتمنون في قرارة أنفسهم إقبار كل هذه اللغات، ولا يخفون أنهم يفضلون عليها الفرنسية، ولذلك فإن التشبث باللغة العربية الفصحى كأداة للتدريس ضدا في ما يدعو إليه هؤلاء، يعتبر موقفا طلائعيا وثوريا واحتماء متقدما وذكيا بالدستور، وفي ذلك حماية حتى للغة الأمازيغية نفسها، فالذي يخطط للإجهاز على العربية الفصحى، إن حصُل على مبتغاه هذا، سينتهي بالإجهاز على الأمازيغية نفسها بعد العربية.
الذي يضرب عرض الحائط بالدستور ويدعو للتدريس بالدارجة يصبُّ في الواقع الماء في طاحونة المسيطرين على الثروة والسلطة في المغرب، فالتدريس بالدارجة ليس خطوة متقدمة وطلائعية وثورية، إنها خطوة رجعية وخطيرة على المنظومة التعليمية، وستؤدي، إن تم اعتمادها، إلى بث الفوضى في هذه المنظومة التعليمية وإلى تخريبها وتدميرها كليا، أكثر مما هي مدمرة أصلا في وطننا.
تحميل اللغة العربية الفصحى مسئولية التردي المهول والفظيع والخطير الذي توجد عليه المنظومة التعليمية المغربية، تزييف للحقائق، وتزوير مفضوح لها.. هذا التردي له أسباب عديدة ومختلفة، ولا علاقة لها البتة باللغة العربية الفصحى كأداة للتدريس..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.